فقر الدم الخبيث
لولا " بنتنح " ما عاش " مينوت " Minot . فهو إنما عاش بالإنسولين . فلولا الإنسولين ما امتد به العمر حتى استطاع أن يجرب علاجه في مرضي أوشك أن يودي بهم داؤه . أما داؤه فكان فقر الدم الخبيث ، وأما دواؤه فكان الكبد يأكلونه .
في عام ١٩٢٥ لم يكن في الأدواء داءً معروف الختام ، قاتل ، كهذا الداء الغريب الذي يدخل إلي الدم فيرهفه ويخفه . فكنت ، إن قال لك طبيب إنك مصاب بفقر الدم الخبيث ، فكأنما قال لك تجهز للموت ، واتصل بجنازك ، أو كأنما حكمت عليك المحكمة بالإعدام الذي لا نقض له .
وفي عام ١٩٢٦ أعلن الدكتور جورج " مينوت " والدكتور " وليم مرفى " William Murphy أنهما أطعما الكبد كل يوم لخمسة وأربعين مريضاً ، في صف واحد ، وكان هؤلاء المرضي قد عجز نخاع عظامهم من أن يصطنع دما أحمر . لماذا ؟ لم يكن أحد يدري . وكان من نتيجة ذلك أن وقف هؤلاء المرضي عند حافة قبورهم , وقد هموا بالنزول فيها . ثم هم يطعمون الكبد ، فإذا بهم يعطون ظهورهم للقبور ، ويعودون مرة أخري إلي حيث الناس والحياة لم يمت واحد منهم ، بل استرجعوا جميعاً دماءهم وصحوا وعاشوا .
كان هذا خبراً غريباً ، لا يفوقه في غرابته أي خبر آخر في تاريخ الحرب الحديثة القائمه بين الإنسان والموت . ففي هذه الحرب الحديثة ، في هذا العصر الحديث ، الذي
صار العلم فيه أساس كل تقدم ، ومرتكز كل هجوم ، كان الحاسب يحسب أن مرضا ميئوساً منه كهذا لا يكون له دواء إلا دواءً علمياً ، عريقاً في علميته ، يستنبطه فطاحل من رجال العلم ، ويخرج من معامل يبرق فيها المعدن والزجاج . أما هذا الدواء فقد خرج عن طبيبين ليسوا من العلم في كثير . وهو دواء لمرض عضال ، ليس مما يتطاول إليه فصار الأطباء أو ادعياؤه . وهو دواء بلغ من البساطة حداً يختلط عنده رأي العالم ، ويضل صوابه ، ويضيع إيمانه ، ومع هذا يفهمه الطفل كل الفهم ، ويؤمن به كل الإيمان .
لا عجب إذن أن يهمل هذا الدواء مدة من الزمان بعد إعلانه ، وأن يظل الناس من بعد إعلانه يموتون من فقر الدم الخبيث ، وقد كان في مقدورهم لو عقلوا ، أو عقل أطباؤهم ، ألا يموتوا . وحتي اليوم . .
أعوز دواء "مينوت " الجديد شئ من التعقد حتى يفوز بالقبول ، وحتي يكسب إيمان الناس . إن دواء الطب كالبضاعة ، لا بد من حسن عرضه على أنظار الناس ، ولا بد من ترتيبه وتشكيله من وراء الزجاج في نوافذ الدكاكين حتى يأخذ أبصار المارة ، ويدغدغ خيالهم . والتعقيد في الأدوية عنصر من عناصر الدغدغة وسبب من أسباب الرواج ، فالمرضي ، وأطباؤهم ، كلهم ناس ، لا بد من الدخول إلي موضع العقيدة منهم بشئ من المراسم والطقوس ، بشيء من الإبـهام والتعمية ، بشيء من التركيب والخلط ، حتى يؤمنوا إيماناً صادقاً بدواء لداء فيه الموت حقاً لا كذبًا ، كهذا الداء .
إن بساطة هذا الدواء كانت بساطة بالغة جعلت الناس تشكك فيه . نعم ، نعم ، إن " مينوت " أستاذ من أساتذة الطب في جامعة عظيمة شهيرة كجامعة هرفرد Harvard ، لاشك في هذا ، ولكن كيف يتدني مثله ، ومن هو في مثل وقاره ، إلي الكبد وأكلها ...
إن وصفة كهذه يسمعها الناس من عجوز شمطاء خرفة من عحائز الحي ، فيبتسمون لها . أما أنـها تصدر عن طبيب محافظ ، كجورج مينوت ، من آل مينوت الارستقراطيين ، الذين يرون أن العلم اليوم في تدهور والفن في تعقم ، فكبيرة لا يمكن أن تغتفر .
وبعد ، أحقاً كان كشف " مينوت " بسيطاً كل هذه البساطة ، مسيئاً في مظهره كل هذه الإساءة ؟ لا ثم لا . إن هذا الظاهر البسيط كان يطوي باطناً معجبا ، وسراً خفيا ، لا يقاربه في إعجابه ولا يدانيه في خفائه . إلا بساطة هذا المظهر البسيط . إن " مينوت " لم يكن له ذلك الحظ الذي هيأ لزامل تلك التجارب المروعة التي أتاحتها له الطبيعة في مستشفى الولادة بثينا . ولم يكن " لمينوت " مثل تلك الفكرة الملحة ، ولا ذلك المنطق الصارم الذي دفع ببنتنج دفعاً إلي تجاربه بتلك الغرفة العليا بالمبني الطبي بطورنطو . ولكن " مينوت " اشترك مع هذين الطبيبين العاديين في شئ واحد : أنه كره الآلام الإنسانية كراهةً لم تأذن له في الرضوخ لأي داء عرف عنه أنه لا يرضخ لأي علاج . وهذه صفة الرجل الأولى إذا هو أراد مكافحة الموت .
إن الذي يطلع علي حياة " مينوت " ، وهو طالب طب صغير ، لا يدور في خلده أن مثله سوف يلقى في دنياه من العقبات ما يتعود به على المشاق التي لابد منها لكشف خام جرئ كالذي اكتشفه . إنه تابع دراسته في جامعة هرفرد ، ولم يحتج يوما إلي العمل ليكتسب رزقه ، كبعض أناس غيره ، وليستعين بكسبه علي دراسته .
وهو لم يضطر يوماً حتى إلى رهن ساعته لشراء كتبه . وعدا هذا فقد كان بيته بيت علم ، وبيت طب . كان بيتاً فيه من العلم والطب عرف وتقليد كافيان أن يجريانه منهما في سبيل معبدة معروفة تنأى به عن سبيل
جديدة تفتتح وتبتدع . فأبوه ، جيمس جاكسون مينوت ، طبيب بارع من أطباء مدينة بستن Boston . اعتزل العمل ، وكان قبل ذلك عضواً عاملا نشيطاً من أطباء المستشفى العام بماساشوست Massachuseit . وجده , جيمس جاكسون ، طبيب من أفخم الأطباء التي تفخر بهم أمريكا أبداً ، وكان الطبيب الأول لمستشفي ماساشوست ، وأخو جده ، فرنسيس مينوت ، شغل نفس هذا المنصب الكبير . وابن عمه ، شارلس سدجيوك مينوت ، كان عالماً بحراً في الأحياء ، خبيراً بدواعي الموت والفناء ، وله كتاب عميق عنوانه : " العمر والنمو والموت " . وعلى هذا يكون جورج مينوت ، صاحب هذه القصة . قد بلغ من الصيت والنجاح حظاً كبيراً قبل أن يولد
وعلى تيسر الأمور له ، وانفتاح طرق الحياة أمامه ، فقد وضعت الطبيعة له في هذا الطريق عقبة واحدة كأداء كان عليه أن يتخطاها - تلك ضعف بنيته . وقد كان يجمع إلي ضعف بنيته ورقة جسمه ، نضوجا زائداً في العقل لا يتفق مع سنه . فإذا أنت رأيته وخبرته حسبت أنه أحد الألي تحتم حياتهم وشيكا بمرض عضال لا برء منه . وكانت رقة هذا الجسم لا تأذن لمثل صاحبها في الحياة ، في الأكثر ، إلا بأن يكسب لنفسه في الطب سمعة لا بأس بها ، دون أن يأتي فيه بشيء جليل قيم ولكن صاحبنا كسب فوق ما تأذن به رقة جسمه , وفوقه كثيراً ؛ ذلك لأنه كان يشتغل ويشتغل ، ولا يفتأ يشتغل . كان الشغل ديدنه .
وكان من بدء أيامه شغوفا شغفاً بالغاً بكل نوع من أمراض الدم ، لا دم القطط أو دم القردة ، ولكن دم الإنسان . ابحث في سجلات المستشفى العام بماساشوست ، حيث كان فيه طبيباً مقيما عام ١٩١٢ ، تجد خطه الغريب ينبئك عما كان فيه من شغل شاغل بامرأة فقيرة مريضة مرضاً لا يرجي ، هي الآن طي التراب .
كان يدور في المستشفى كل يوم ، وكل يوم يراها هي ما هي ، لا تتغير ولا تتبدل ، ووجهها يبعث الرعب في ناظره ، فلم يكن أبيض عديم الحمرة فحسب ، بل كان يمتزج بشئ قليل من صفرة الليمون . وكان بياضاً شاحباً كالشمع ، ولم يكن داؤها بالمجهول ولم يكن مصيرها بالمجهول أيضا . كان رقمها في السجلات ١٩٠١٨2 وأمام هذا الرقم كتب " مينوت " الطبيب الشاب :
" إنها جالسة غير راقدة ، وهي تستمتع بالهواء الطلق بفناء المستشفى ، ولكنها باقية على ضعفها ، وصورة دمها باقية على حالها . . والظاهر أن دواءها يجب أن يكون به حامض الكلوردريك ، فمعدتها معدة ينقصها هذا
الحامض ... ولكن , وأيم الحق ، إنه لفقر الدم ، وإنا لنجهل ما علاجة !.
ولم يكن هو ، وايم الحق ، بجاهله وحده . فكل الأطباء استووا في جهله . ولكنه اختلف عنهم في أنه لم يستطع أن يقنع نفسه بأن هذا جهل لابد منه ، وأن هذا داء من الأدواء التي ليس إلي دوائها من سبيل . قال الرجل العظيم ، وليم أزارOsier : إن من الأدواء أدواء لا يمكن الأطباء علاجها ، لا اليوم ، ولا غداً أبداً . وقرأ " مينوت " قول هذا الرجل العظيم ، ومع هذا لم يستطع أن يبلعه .

