فقر الدم الخبيث قلب حساس ، وتجارب خائبة
وصل الهائت : طبيب شاب أمريكي احمده مينوت ، من آل " مينوت " ، وهي أسرة شهيرة في الطب عريقة وداء عياء هو فقر الدم الخبيث . أما الداء فلا يعرف الأطباء له دواء ، ومع هذا يصفون له الأدوية على غير هدى لأن عليهم أن يصفوا شيئا
وأما الطبيب فقد تيسر له في أعلة العيش ، ويسرت له بهم السمعة الطيبة في الطب ، ولكن الطبيعة عوقته بإضعاف بيته ، ولكنها عوضته عنها برغبة في العمل لا تضعف . وعوضته عنها باستقلال في الرأي يأبى الخضوع لرأي لا يرضاه . وكان رأي الأطباء أن هذا الداء داء لا دواء له فلم يرض هذا الرأي . وقرأ قول الطبيب الفخم العظيم ، أزار : إن من الأدواء أدواء لا يمكن علاجها ، لا اليوم ولا غدا . فلم يبلغ هذا القول .
وأخذ يبحث تحت المجهر دماء المرضي دائما أبدا . فوجد أن دماءهم تتحسن أحيانا لغير سبب ظاهر ، وعندها يري في تلك الممعاء كريات جديدة غريبة ، يصفها باللون الأزرق ، فيظهر نسيجها تحت المجهر شبكيا . فهذه كريات حمراء وليدة نزلت حديثا إلى الدم ، أنزلها مصنع الكرات الحمراء بالجسم - وهذا المصنع هو نخاع العظام
ويزول هذا التحسن في المرضى لغير سبب فتخفي من الدم هذه الكرات الوليدة . واشتغل مع عالم الأمراض ، الدكتور" ريت " فعلمه أن فقر الدم الخبيث ينشأ من فساد في نخاع العظام يجعلها تصنع كرات دم حمراء غير نامية . والآن اقرأ :
وكان مينوت قد فتح عيادة صغيرة في بسطن ومن العجيب أنه حسب أنه يستطيع في هذه العيادة الصغيرة أن يمتحن كل شئ ، وكل أحد ، في دقة وفي تفصيل ، وعلى مهل كما يفعل في معمل بجامعة . والحق أنه هكذا كان مع كل مريض أتاه ، من أي نوع كان ، وغنيا
كان أو فقيرا ، حتى أمل وأضجر . كان يطبق أساليب العلم على مرضاه ، وكان يسلك بهم طرائق العلم وهي طويلة متعبة ، كما كان يفعل بهم بالمستشفى العام بماساسوست ، أو كما فعل بهم في مدرسة الطب بجامعة هرفرد . وكان يشغل عندئذ منصبا صغيرا بهذه المدرسة من هذه الجامعة ، كان " مينوت " صديقا حميما لمرضاه . كان ينظر إليهم نظره إلى حيوانات للتجريب في معمل ، ولكنه لم ينس قط أنهم أناسي من نسل آدم .
ويسأله مريض من مرضاه : " وهل تأذن لي في المشي والتنزه قليلا يادكتور ؟ " .
فيجيبه الدكتور : " نعم لك أن تمشي حتي تأتي ساحل النهر ولا تتعداه . ثم لك أن تسير على النهر طول عمارتين ، ثم تعود بأقصر طريق ، ثم هو يجلس ليرسم على الورق أقصر طريق . ثم هو يكرر للمريض : " بأقصر طريق أفهمت ؟ " ثم تشع البسمة في عينيه الزرقاوين حتى لا يساء المريض . وكانت له ذاكرة عجيبة يذكر بها كل شئ عن مرضاه - كيف ناموا ، وما أكلوا ، وأي الأشياء ولو تافهة تدخل السرور إلي قلوبهم ، ثم متاعبهم في أسرهم . علم كل دقيقة من ذلك .
وظل على اهتمامه بالدم وكل داء يسببه اختلال فيه . ولفقر الدم نوعه الآخر غير الخبيث ، ويعرف بفقر الدم الثانوي ، لأنه يكون نتيجة لداء في الجسم أولى أصلى . وهذا النوع الثانوي صنوف . فمن توفر "مينوت " على امتحان دماء مرضاه دائما أبدا ، صار داهية في تعرف كل صنف من هذه الصنوف ، أهو من نزيف ، أم من دودة شريطية ، أم من سرطان ، أم من زهري ، أم من ملاريا ، أم هو بسبب الحمل .
اجتمعت كل هذه الصنوف من فقر الدم الثانوي في كومة ، قابلتها تلك الكومة اللعينة وقد احتوت صنفا واحدا يعدل كل تلك الصنوف شرا - ذاك فقر الدم الخبيث الذي لا أمل فيه ولا رجاء في شفائه .
واشتغل " مينوت " مع الدكتور روجر لي Roger Lee ، وهو طبيبب قادر مجرب ، فكانت تأتيه المرضى تسأله : " ألا يمكن عمل شئ يادكتور ؟ إلا يمكن شيء أبدأ ؟ " وكان من هؤلاء المرضي قوم ضعفو حتى عن الخطو فلم يستطيعوا ان يقدموا رجلا علي اخري ومنهم من ضعفوا عن الكلام . وكيف يتكلمون وألسنتهم موجعة سليخة كقطع اللحم حمراء كانوا يحسون الراحة ما بقوا علي سكونهم وسكوتهم ، ولكنهم لا يلبثون أن يحسوا الضعف يركبهم متضاعفا
ويحيبهم " مينوت " على ما يسألون : " نعم يمكن إجراء عملية إذا انتم احتملتموها . ومع هذا لا نستطيع أن نعدكم شيئا . أفاهمون ؟ لا نستطيع أن نؤملكم أملا " . وتبين في عينه وهو يتحدث صراحة مرة وأمانة قاسية .
وعلي هذا قام الحراحون ونزعوا أطحلة تسعة عشر . من تسعة عشر مريضا بالغ المرض من مرضي الدكتورين " لي "و " مينوت " عام ١٩١٤ إلي ١٩١٧ فانصرفت بالعملية عن هؤلاء المرضي مساوي الداء حينا ، وأخذ دمهم يزداد ثخانة ، وأخذت أعضاؤهم تزداد قوة ، لتسعة اشهر أو لعام كامل ، وراقب " مينوت " هؤلاء المرضي ورعاهم وهم لا طحال لهم . وأخذ يفحص دماءهم ، ويفحصها ، باحثا عن تلك الخلايا الدموية الجديدة الوليدة ، بما لها من نظام شبكي يصطبع أزرق تحت المجهر . وكثيرا ما رأي الكثير من تلك الخلايا بعد العملية مباشرة ، فانبسط أمله ، ولكنها لا تلبث أن تقل وتعود سيرتها الأولى . ويود لو يعيد العملية حتى تعود تلك الخلايا الجديدة الوليدة إلي الظهور مبشرة بالخير ؛ ولكن أنى له أن يعيدها ، والمرء ليس له إلا طحال واحد . ثم يعود هؤلاء المرضي إلي نزول الجبل من حيث طلعوا ، ثم يموتون . لقد ماتوا جميعا ، مات كل هؤلاء ، التسعة عشر .
كان وقع هذا شديدا علي "مينوت " . وكان " مينوت "
تعلم آداب الطب عند أفرشة المرضي ، ومارس حيل الأطباء جميعها في مجاملة مرضاه فلم نفته فائتة . تعلم هذا الأدب ، وأخذ هذه الحيل ، عن الطبيب العظيم " تاير " بلتيمور Thayer of Baltimore، وهذا اخذها في دوره عن السير وليم أزلر Osler نفسه . ولا شك أن أدب الطب وحيله تنفع المريض نفعا كبيرا . ولا شك أن ابتسامة الطبيب تدير المريض الطريق إلى الشفاء فتخفف من ظلامه . والطبيب يستطيع في التفريج عن المريض أن يذهب في هذا إلي حد البهجة الهادئة والنكتة المتزنة . إنها شخصية الطبيب تعين المريض عونا كبيرا . ولكن المصيبة أن شخصية الطبيب وأدب الطب لم يزيدا دماء هؤلاء المرضي كثافة . وعمل " مينوت " على تكثيف تلك الدماء ، وعلي إبقائها كثيفة بكل ما استطاع من دون جدوي . ولو كان كأزلر Osler العظيم ، إذن لفزع في خبيئته إلي الإذعان والتسليم ، إلي الإيمان الجميل بالقسم والأرزاق ، ثم نفض بديه جميعا من كل هذا . ولكن ما هكذا خلق " مينوت "
وأخذ هو ، وزميله روج لي Roger Lee - ينقلان من دماء الأصحاء إلي دماء هؤلاء المرضي ، كما كان ينقل كثير غيرهم . وإنما ما بين عام ١٩١٤ وعام ١٩١٧ سبعين نقلة من الدم الثخين إلي ستة وأربعين مريضا .
قال مينوت : " وتحسن نصف هؤلاء المرضي لبضعة أسابيع " . ولكنهم أخيرا ما توا جميعا .
وعد " مينوت " هذا الإخفاق وصمة في شرفه . وعدها لطمة لوجهه أن يموت كل هؤلاء . وقد كان خارق العادة في هذا ، فمن ذا يلوم طبيبا إذا هو انتهي أخيرا إلي أن يتلم إحساسه عند موت مرضاه وبان لمينوت أن نقل الدم لا يكشف دم فقراء الدماء ، ومع هذا ظل ينقل هذا الدم لعل وعسى . قال مبنوت : " لا بد من نقل الدم حتى ولو ظهر أن
نقله لا يشفى من الداء ، فإن كثيرا من المرضي تحيا بهذا الدم المنقول ما أدمنا نقله "
والله وحده يعلم كيف استطاع أن يثابر على نقله ، وهو يعلم أنه الأمل الخائب ، وان هؤلاء الناس ميتون ميتون .
لقد علمت كل سلعة في الطب عند ذاك أن هؤلاء المرضي لا أمل لهم في الحياة . وقد كان في إمكان " مينوت " أن يتخذ من أزلر قدوة يخفف به من شدة تأثره لموت هؤلاء المرضي . ومن أزلر ؟ إنه أبقراط الطب . قال أزلر : " إن من الأدواء أدواء لم يكن منها قط شفاء ، ولن يكون لها على ما تحسب أبدا دواء ؛ فهذه الأدواء تجمل من بعضنا نحن الأطباء رجالا حساسين ، برخون العنان لمشاعرهم حتى تدق وترق ، فيتألمون حتى كانهم عن حياة البرية مسئولون " .
قال أزلر هذا في خطابه الشهير عن علاج الأمراض في طورنطو في يونيه عام ١٩٠٩
وتابع خطابه فقال : " إننا معشر الأطباء نعمل بفطنة الفطناء ، لا يسحر الساحرين . وما دمنا نبذل لمرضانا كل عناية ، ونرعاهم في رقة كل رعاية ، ونعمل ما في وسعنا لتخفيف آلامهم ...."
وبالطبع" مينوت " لم يكن يؤمن بالسحر والساحرين ، ولم يكن يؤمن بالخرافات ، وكان علميا عريقا . ولكنه كان حساسا
وقال أزلر : " واحذروا أهل الطب أن تنزلوا به ، وتسيئوا إلي سمعته مما تبذلون من وعود بالشفاء لا يبذلها إلا الأدعياء أو بما تسومون أنفسكم فيه من الغلو في علاجات داءات اجتمع الرأي علي أنها لا تلين ولا ترحم " .
لقد علم " مينوت " أكثر من كل أحد أن فقر الدم الخبيث لا يلين ولا يرحم . ولم يكن في الطب دعيا . ولم يبذل وعدا بالشفاء ببذله الأدعياء . ولكنه ، مع كل هذا ، لم يستطع أن تروض نفسه على ألا تحس الألم كلما مات له مريض بهذا الداء

