الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 231الرجوع إلى "الثقافة"

كفاح الموت

Share

الرجل الذي طارد الموت في فراش الامهات لا علاج للداء الا بفضح الاطباء

وصل الفائت : " زامل " طبيب هنغاري . كشف طريقة بسيطة للخلاص بالأمهات من الحمي القاتلة ، حمى النفاس هى غسل الأيدي والأدوات قبل فحص كل أم قبل الوضع وعنده . وأثبت صدق كشفه عمليا في الألوف من النساء في مستشفاه  . ولكنه عاني الكثير من حسد الأطباء وجمودهم وسخريتهم . وأخيرا أنصت الأطباء إليه . ولكنه كان قد جن . ثم مات في مستشفي المجاذيب ،

كان هذا عام ١٨٦٥ . وفي عصرنا الحاضر ، وبعد كشف المكروبات ، والابداع والتفنن في الآلات ، لا يزال يموت الألوف من النساء بهذه الحمي . إذن نسي الأطباء طريقة " زامل " البسيطة الأولى : النظافة والتطهير أم كانت طريقة غير ناجحة ؟ بل هي طريقة ناجعة في كل العصور ، وفي عصرنا هذا فهذا الطبيب الأمريكي ديلي وهو حي يرزق ، يدخل في مستشفاه بمدينة شيكاجو ٢٥٢١٢ من النساء الحاملات ، فلا يموت منهن غير واحدة . فما علة الموت بهذه الحمى في غير مستشفاه  والآن إقرأ :

جهل زامل " في زمانه مكروب هذه الحمى . جهل تلك البذور السبحية التي تحل الدم ، فأسماها مادة حيوانية متعفنه . أما نحن فلدينا في زماننا هذا كتب عظيمة بها البحوث البكتيرية الواسعة ، بحوث لو اطلع عليها هذا الرجل البسيط القديم لتجمد منها جبينه دهشا . .

العلة في كل مصائبنا أنه ليس فينا ) زامل " و " زوامل " يقومون على استخدام كل تلك الأجهزة المعقمة الجميله ، وكل تلك السوائل الملونة الزاهية المطهرة المزعومة . نعم ليس فينا رجال كزامل ولكن فينا . . ولكن دعنا من هذا ، ولنقل فينا " القصور الإنساني " . أو فلنستعر ما قاله " ديلي " في شرح هذا الحال : قال ليت المطهرات البخارة ذات الضغوط العالية تطهر دائما ما احتوته من

أشياء . ليت المغاسل تغسل في الماء دائما ، وتغلي في الماء دائما ، تلك البطانيات والملاءات . ليت الممرضات يطهرن ايديهن بين المريض والمريض . . ليت  ،  وليت

واختصارا ، هذا ملخص الأمر : لو أن القائمين على المستشفيات يحزنون للأمهات الذاهبات حزن " زامل " فيحلون امرهم في المكان الأوسط من همهم كما احل " زامل " ، إذن لانعدمت المعاذير ولم يتنصل طبيب من جرم أتاه " إن من ينظر إلي هؤلاء الأمهات في أكفانهن تعاف اذنه ان تنصت للمعاذير " . لا ، ليس " زامل " قائل هذا . إنما قائله " ديلي

فهذا الذي أتي بديلي إلي شيكاجو لينظم مستشفى ولادتها . إنه روح " زامل " القديمة تقمصت من جسمه جسدا حديثا . إنه زامل " قد بعث بعثا جديدا . إن خبرته المرة بالضعف الإنساني والقصور الإنساني ، وعلمه بنظامنا الإداري المفصل العظيم المركب المعقد الذي يأذن بالهرب من التبعات عن طريق الإمضاءات والملفات ، لم يتركا له مخلصا يخلص منه بالأمهات من الموت سوى ان يقترح : أن نعزل الأمهات عزلا عن اسباب هذا الموت . أن نعزل مستشفيات الولادة عن سائر المستشفيات .

ولكن يجب أن نكون عمليين . إن الأمهات اللاتي يحتمين من الموت بدخول هذه المستشفيات الخارقة النظافة ، كمستشفى شيكاجو واضرابه ، لن يزيد عددهن عن نسبة ضئيلة جدا من عدد الوالدات جميعا

نعم يجب أن نكون عمليين . فنحن لا نستطيع أن نصبر حتى ينجح ديلى وامثاله في فصل اجنحة الولادة بالمستشفيات فصلا تاما عن سائر أجزائها فلا ينتقل إليها السم العابث  بالدماء .

لاشك ان السواد من الاميات سعيدات بأنهن يلدن فى بيوتهن

لا شك أن سواد الأمهات سعيدات بأنهن من أسر لها اطباء نظيفون لا ينتقلون مباشرة إلى اسرتهن من بعد دمل او قرحة او جرح وبيء أو حلق ملتهب او جسم محموم ، فليس الكثرة العادية من الأطباء من يفعل هذا ، أو علي الاقل هم لا يفعلونه إلا بعد تغيير ثيابهم ، وهم لا يفعلونه إلا إذا استخدموا أدوات وأضمدة غاية في الطهر وكثير منهم لا يفحصون ما في داخل النساء إلا بقفازات مطهرة من المطاط

ومع هذا يجب ان نكون عمليين . فلا يزال يوجد نفر كبير من الأطباء لم يسمع " بزامل " ولا بأسلوبه وهم في شغل عن اتباع اسلوبه بكثرة عملهم وضيق زمنهم ، أو لديهم الزمن ولكن لا رغبة فيهم . ومن أجل هؤلاء الأطباء ، وبسببهم ، لا تزال تقتل الحمى زوجة من كل ثمانى عشرة بين سن الخامسة عشرة والرابعة والأربعين . فمن اين للآباء ان يستيقنوا أن بيوتهم ستسلم من الداء فتسلم من الموت ؟

هنالك الحل الأمريكي الأعظم ، تلك المقالة الملوكة السخيفة : لا بد أن نربط هذا الأمر بالقانون . ويقول الدكتور دي نورماندي de Normandie، وهو من بسطن  Bostonفي ذلك ، إنه لابد من تبليغ السلطة عن كل حالة من حمي النفاس ، وان يكون هذا التبليغ  بالقانون حتما ، وإذن نعرف من صاحب الذنب فيها ؟ قول جميل ! ولكن ما نتيجته ؟ إن بالولايات المتحدة ست عشرة ولاية سنت مثل هذا القانون ، فكم خفضوا به عدد الوفيات في هذه الولايات ؟ !

إن الآباء والأمهات يستطيعون فيما بينهم أن يكونوا عمليين ، يستطعن ويستطيعون ان يشحذوا السنتهم في المجالس والمحافل في نوادي النساء ؛ في نوادي لعب الورق ، لعب الكتشينة ؛ في اجتماعهن على الخياطة ؛ في مجتمعات التبشير . ومن غير ان يكون لاحاديثهم المذاعة شكل رسمي . فهن بالطبع مستطيعات ان يعرفن من من

بينهن ذهبت إلي المستشفى الفلاني فلم تعد منه ابدا . وفي هذه الاحاديث العابرة بين واجباتهن على الورق ، أو في الخياطة ، أو بين جهودهن العظيمة الهائلة في رد الوثنى الضال  إلي سبيل الله وهداه ، يستطعن ان يعلمن اي طبيب ذهب إلي آية امرأة ، في منزلها ، ثم غادرها لتغادر من بعده زوجا ذاهب العقل ، وطفلا يبكي فلا يجد أما تستجيب لبكائه

وهن يستطعن أن يتأكدن من كل خبر يأتيهن . وان ينظمن في هذا الصدد أعمالهن . ولن يكون في هذا شئ يخافه الطبيب النظيف ولا المستشفيات النظيفة والأطباء آدميون ، والمستشفيات لا بد لها من مرضي فانظر ما يكون حال هؤلاء وهؤلاء من واجبهم إذا تهددهم الناس في أرزاقهم وأقواتهم

على أن للأطباء وسيلة لدفع ما يتهدد أرزاقهم وأقواتهم من هذا ، فعندهم جمعياتهم الإقليمية ، فبالرغم من سوء سياسة هذه الجمعيات ، ومناوراتها الصغيرة الحقيرة ، قد بدأ يظهر فيها شئ من احساس المجرم بجرمه . مثال ذلك الدكتور ترنيتن co thornton ، من لبنان ، بكنطا كي kentuchyفهذا الدكتور قد لا يكون مجاهدا كبيرا في دفع الموت وأسبابه كما كان " زامل " . وقد لا يكون مكتشفا نابها مثل " ديلى ولكنه رجل لديه خطة يدلي بها .

وقد أدلي بهذه الخطة في المجلة الطبية لهذه المقاطعة الإقليمية . فقد كان يستمع في جمعيتها الطبية لتقرير عن ثمان وثلاثمائة ٣٠٨ امرأة متن من حمى النفاس ، وأخذ التقرير يشرح لم متن وكيف متن ، وكان هذا الطبيب طبيبا عاما يعالج كل الأمراض ، فلم يكن طبيب اختصاص . وقضي في مهنته سبعا وعشرين سنة ، لم تمت فيها بين يديه امرأة من حمي النفاس . فكتب في هذه المجلة يقول لزملائه الأطباء إنه ود أن يجد في هذا التقرير الذي يتحدث عن كيف ماتت هؤلاء النسوة الثماني والثلاثمائة شيئا واحدا يسيرا : ان يعلم علي يد من من الأطباء مات هؤلاء النساء ،

إذن لعرفنا أين تدق أول دقة من معول الإصلاح وقد يتراءى  هذا اقتراحا عنيفا قاسيا . ولكنه الحل الوحيد لمنع هذا الإهمال الذي يعين عليه تستر هين . وهروب من التهمة سهل قريب ، في فضيحة هي فضيحة مهنة بأسرها نقيم أودها نحن رجال الشعب ونساءه بأموالنا لندفع عنا المرض والموت . وليس في هذا الاقتراح عنف اشد مما قبله " زامل " على نفسه عند كشفه الاول لما عرف أنه هو قاتل هذه النسوة بما حملت يداه  من السم إليهن .

وليس في هذا الاقتراح قسوة تقارب ما اقترحه رجلنا نحن الأمريكي ، " هومز  oliver windel holmes فهذا الرجل جمع حتى قبل " زامل " جملة من حقائق دلت على أن حمي النفاس تعدي . وقد كان قد درس بعض ملاحظات لاحظها " ويت " whiteالانجليزي وكولتز colins الإرلندي ، وكان كلاهما عرفا للنظافة خطرها ، ولكنهما لم يشتغلا كما اشتغل زامل بتخريج هذا العلم

وتطبيقه . فتخريج هذا العلم وتطبيقه كان لزامل ولزامل وحده . ولكن " هومز " كان أشد قسوة من رجلنا العاقل المعتدل الدكتور " ثريتن " . قال " هو مز " : قد يغفر الناس إثم من كانوا إلى اليوم سببا في هذه التعاسة وهذا الشقاء ، ولكن الوقت قد جاء حين لا بد للناس أن يعتبروا الوباء الذي يقع في دائرة طبيب ، جرم مجرم لا نكبة لا مناص منها من نكبات الأقدار .

ولكن يجب أن نكون عملين . إنك لن تستطيع إن تسجن طبيبا لأنه قتل اما في ولادتها . إن الذي تحتاجه الأمهات ليس القوانين ، وليس هو العلم الرفيع ، والبحث المفصل في مكروب تلك الحمى ، وإنما الذي تحتاجه طبيبا بسيطا  ك  " ترنيتن  ونصيحة كنصيحته . فهو بهذه النصيحة نفذ غير هياب إلي لباب الأمر ، فقارب " زامل " في صراحته الدامغة وجرأته .

) تلك نهاية هذا الباب (

اشترك في نشرتنا البريدية