الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 677الرجوع إلى "الرسالة"

كفل به وكفله أيضاً:

Share

سعادة الأستاذ الكبير السيد احمد حسن الزيات - أطال  الله بقاءه -

قرأت- سيدي - كلمة طيبة في الرسالة لعالم فاضل من  بني سهم، تتبع فيها ما كنت نشرته في مجلة المجمع العلمي العربي  من وجوب أن يقال (كفل به)  إذا يريد (تحمل به)  لا كفله،  واستشهد على صحة (كفله)  بما ورد في لسان العرب خاصا بذلك  وهو   (كفل المال وبالمال ضمنه) وذكر أمورا أخرى تدل على نفس  عطر في العربية ونفس كريمة، وأورد أن أذكر لخضرته أني أطلعت  على ما في اللسان وعلى ما في غيره فقد جاء في المصباح المنير    (وحكى أبن القطاع كفلته وكفلت به وعنه إذا تحملت به)

وقد توفي ابن القطاع سنة (٥١٥ هـ)  فهو من المتأخرين؛ وإني

لم أنقل قول الزمخشري - وهو معاصر لأبن القطاع - لكون  أساسه مستوعباً لكل لفظه وتركيب - كما ظن العالم الفاضل  حفظه الله - بل كان ذلك من قبيل التمهيد لدعواي.

فأنا أقول محتجاً لدعواي تلك: إن العرب ميزت بين   (كفله وكفل به)  فلكل منها معنى والمساواة بينهما تورث  اللبس، وإن أخوف ما خافته العرب على لغتها هو الالتباس، فلذلك  استعانوا بحروف الجر كل الاستعانة - كما هو بين للعالم  الفاضل الناقد - ولو كان أمر (كفله وكفل به)  من باب  الحذف والإيصال الذي هو من خصائص هذه اللغة الكريمة  لكان تنبيهي تشديداً وتحجراً تأباهما طبيعتها السهلة السمحة،

وإنما هو أمر ذو بال، وإدخال الباء على المكفول به لازم،  وكذلك الحال فيما أشبهه، فقد قالت العرب (تحمله)  فلما أرادوا  به  (كفل به)   قالوا ( تحمل ) وقالوا (زعمه) ثم قالوا (زعم به)   أي كفل به

. ولم يبقى بيني وبين من أجاز (كفله) إلا كلام العرب وهو  الحكم الفيصل، فقد جاء في كتاب بهج البلاغة في أثناء وصف  الحيوان   (فهذا غراب وهذا عقاب وهذا حمام وهذا نعام، دعا  كل طائر باسمه وكفل برزقه)  وجاء في وصف النملة منه (تجمع  في حرها لبردها وفي وردها لصدرها، مكفول برزقها مرزوقة  بوفقها)  وورد في كلام الأخطل للشعبي في حضرة عبد الملك  ابن مروان (من يكفل بك؟ قلت أمير المؤمنين) وفي الغاني  من يتكفل بك؟) (١) فالباء لازمة في كليهما.

وقال المبرد في أخبار الخوارج (وطالب الكفلاء بمن  كفلوا به فكل من جاء بصاحبه أطلقه وقتل الخارجي من لم  يأت بمن كفل به منهم قتله) وقال الطبري   (فلم يزل يحيي  أبن عمر محبوساً إلى أن كفل به فأطلق)

وقد تعقبت هذا اللفظ وحرف جره خمس عشرة سنة فلم  أجد من خالف فيه وجهه الصحيح إلا أبن الساعاتي الشاعر  المتوفي سنة ٦٠٤ هـ بقوله:

كفل الدمع رى سفحيك والدم - ـع ملئ بع النوى بالكفالة وهو شاعر متأخر مضطر كسائر الشعراء. فمن يأتني بعبارة  لعربي فصيح استعمل فيها (كفله) بمعنى (كفل به)   فقد  عارض الحجة وحقق صحة ما ورد في اللسان وفي غيره  والزمني الرجوع عن قولي.

هذا وأني شاكر للعالم الجليل الفاضل ما أصحر به من كمال  الأدب والغيرة على لغة العرب، أيده الله تعالى.

(بغداد)

اشترك في نشرتنا البريدية