جلس عبد الصمد على حافة الجدول الضفير فى رفقة من زملائه عمال ضيعة شوكت بك ، وأخذ يرسل بصره إلى السماء كأنما يستشف فى أعماقها شيئا يعنيه أن يراه ، وطال تحديقه دون جدوى ، حتى إذا يئس من تبين ما يرقبه عاد ببصره إلى الأرض ، وأخذ يضرب بعصاه سطحها الهش مفتتا تلك القشرة التى كونها الماء ، وقد غاب فكره عن حديث زملائه واستحالت كلماتهم فى أذنيه إلي همهمة قد امتزجت مع صوت تدفق الماء الرقيق الناعم .
وكأنما راق له عبثه بذرات التراب ، أو بدا له أن يرقب عند الأرض ما تلمسه فى السماء منذ لحظات ، فظل بصره عالقا بما تحدثه عصاه من آثار فى الطمى المتجمد .
ومر عليه وهو فى جلسته هذه نصف ساعة كان الليل فى خلاله قد تسرب إلى الفضاء والأرض معا فشملهما بسكينته وظلامه ، وكأنما لم يحس عبد الصمد بما حوله من ظلام تسبح فيه أصوات رفاقه كأنها همهمة أشباح ، فظل بصره عالقا بالأرض رغم أنه لم يعد يرى شيئا ، وظلت عصاه تعبث عينها بذرات التراب ، وإن كان قد بدا فى سرعتها ما ينبىء بيد قلقة تصدر فى حركتها عن عقل مضطرب .
وبدر من خلال الحشائش الممتدة على حافة الجدول صوت أقدام تعلؤها فى قسوة وعنف ، فانتبه عبد الصمد إلى رفاقه ، وشاركهم التفاتهم مستطلعا بأذنه مصدر الصوت حتى إذا تبين اتجاهه قال مخاطبا رفاقه : - ترى من القادم ؟
واختلط صوته بأصوات رفاقه فى أذنى هذا القادم ، فأجابهم فى صوت امتزجت به حشرجة الحشائش القريبة :
-أهذا أنتم . لقد حسبتكم انصرفتم إلى دوركم منذ زمن ! ولكن ماذا تفعلون هنا ، وفى هذا الظلام ؟ وأنت يا عبد الصمد لقد مضيت عن الضيعة منذ ساعة .
وقال عبد الصمد وقد خرج تماما من ذهوله : - نفعل ؟ لا شئ طبعا . أتظن فى مقدور إنسان أن يفعل شيئا بعد عمل يوم فى أرض شوكت بك إلا أن يجلس إلى حافة جدول ، يرقب السماء طورا ، ويفحص الأرض طورا آخر ، باحثا عن الرحمة ، أو يصرف النظر عن تقصى الرحمة فيمضى ورفاقه فى حديث ينسيه إلى حين ما عاناه من تعب ؟
وساد الصمت برهة كان سالم خلالها قد اتخذ مجلسه إلى جوار رفاقه ، وأخذ يبادلهم حديث التحية المعتاد ، ثم ما لبث عبد الصمد أن قال كأنما تذكر فجأة ما يدعو للحديث - أسمعتم ما قاله الشيطان اليوم ؟ سيحضر شوكت بك بعد غد لقضاء أسبوع فى العزبة ، ومعنى ذلك أسبوع من الأهوال تعمل فيه العصا !
وقاطعه سالم فى بلاهة : - وتتحكم فيه الكلاب . وكأنما ذكر ذلك عبد الصمد بشيء مهم فقال : - على فكرة ؟ أسمعتم ما قال الشيطان أمس ؟ لقد
أخبر عبد العال الجزار أن البك اشترى كلبين جديدين ثمن كل منهما لا يقل عن مائة من الجنيهات ، وأن هذين الكلبين سيحلان ضيفين علينا مدة الشتاء ، فيصبح أسيادنا خمسة عشر ، وقد أوحي عبد العال بزيادة راتب اللحم اثنين .
واستدرك سالم : - بل ثمانية عشر ، أنسيت المحروسين الثلاثة الذين أنجبتهم الكلبة الانجليزية ؟
وأجاب عبد الصمد : - لم أنس بالطبع . ألم يكلفنى خروج هؤلاء الثلاثة إلى الحياة زوجة فى ريعان الصبا ؟ ألم أترك ريانه فى ليلة ولادتها وحيدة فى المنزل لأذهب بعد نصف الليل لاحضار الحكيم البيطري ؟ وكانت النتيجة أن ريانه لم تجد أحدا يدعو لها الطبيب أو ينقلها للمستشفى . . . .
... ومرت سحابة حزن فى رءوس الجالسين حملت معها ذكريات هذه الليلة الهائلة . . ليلة عاصفة حالكة الظلام من ليالي فبراير ، حين عاد عبد الصمد من ضيعة شوكت بك إلى منزله الحقير الكائن عند أطراف الضيعة بين مساكن الاجراء المتلاصقة المتعانقة كأنها أطفال صغار تجد فى تلاصقها ما يبعث فى نفوسها الطمأنينة .
كان عبد الصمد يعلم أن زوجته وشيكة الوضع ، ولكنه لم يكن يدرى أن أوان وضعها قد حان . لذلك مضى إلى فراشها يهون عليها ما تشعر به من ألم ، وكأنما أشفقت الزوجة المسكينة على زوجها واستشعرت ما ينوء به جسده من ضنى وتعب ، فكتمت آلامها ، وتصنعت الراحة ، واجتمع على الزوج خدعة الزوجة الساذجة ووهن القوى ، فراح فى سبات عميق لم يشعر بعده بالأنات المكتومة تحاول الزوجة تصريفها بالتقلب على جنبين يكادان يتقدان من الآلم . حتى إذا انتصف الليل فزع عبد الصمد من فراشه على صوت يناديه فى غلظة وعنف : - ولد يا عبد الصمد . اصحى يا ولد ! .
وإذ تبين عبد الصمد الصوت انكفأ ثانيا إلى فراشه ظانا أنه كابوس ثقيل يحكى صوت الشيطان وجثم على أذنيه ، ولكنه لم يلبث أن سمع الصوت يتكرر ، ولم
يلبث أن أحس بما حواليه ، بزوجته التى تتقلب على الفراش ، وبثوبه الخشن ، وبالصوت الجاف يصل إلى أذنيه واضحا جليا .
إذ ذاك أيقن أنه مستيقظ ، وأن ما يسمعه هو صوت الشيطان بنفسه بناديه ويطرق النافذة بعصاه ، تلك العصا الضخمة التى طالما عبثت بأبدان الأجراء فى أرض شوكت بك ، وتدخلت فى احساساتهم فحولت ضناهم نشاطا وأحزانهم اغتباطا ، والتى طالما نسب إليها الفضل فى زيادة محصول الأرض واطراد النسل بين الماشية والدواجن .
أجل . كانت هى عصا الشيطان الثقيلة التى ترتسم على سطحها الأملس الجامد قصة عشرات الفلاحين منذ شبوا عن الطوق إلى اليوم . وكان هذا الشيطان ، ناظر العزبة المجهول الأصل ، والذى ينم وجهه من نماذج خلاصات الشر فى كافة أجناس البشر عند أب وأم أنجباء ، تنفيذا لمشيئة الله فى شقاء طائفة من الفلاحين رمت بهم الأقدار فى تلك البقعة من الأرض يلتمسون عندها القوت .
كان اسمه عواد المغربى ، وكانت شهرته عند الفلاحين (الشيطان) تخيروا له هذا الاسم عفوا ، وكانوا يهمسون به كلما أقبل أو رحل ، وكان فى تخيرهم هذا الاسم تلخيص صادق لاحساساتهم بالقدر الذى تتخيله عقولهم الساذجة لمعنى الشيطان ، وكانوا لا يدرون شيئا عن ماضى هذا الرجل ، ويحارون فى حاضره فى نفس الوقت . كيف وفقت الأقدار بينه وبين شوكت بك ؟ وكيف وقع لذلك السيد القاسى الطبع والغليظ الخلق هذا الوكيل القاسى الطبع والجافى الخلق ؟ ذلك ما لا يدريه أحد منهم وإن كانوا يؤمنون إيمانا تاما بأن لا بد لشوكت بك من مواد ولا يخالطهم أمل فى زحزحة هذا الوكيل الشرس . حتى
الموت ما كانوا ليروه منقذا لهم إلا إن ألم بالاثنين معا واختارهما معا .
قام عبد الصمد من فراشه فزعا ، وفتح الباب فإذا هو وجها لوجه أمام الشيطان يسب ويلعن متهما إياه بالكسل والبلادة . ومرت فترة قبل أن تنتهى سلسلة الشتائم التى ازدحم بها فم المارد ذى العصا ، ولعلها لم تنته كما يجب بل ابتلع جزءا منها ليقول فى جد واهتمام :
- اسمع يا عبد الصمد . الكلبة الكبيرة الانجليزية ستلد هذه الليلة ، ويبدو أنها تعاني ألما شديدا ، فعليك أن تذهب الآن إلى البندر لتدعو الحكيم البيطرى حالا ، حالا . أفهمت ؟ هيا قبل فوات الوقت . . .
إلى البندر ؟ فى هذا الظلام والبرد والريح العاصف ؟ خطرت لعبد الصمد إذ ذاك صورة زوجته حين رآها قبل نومه تغالب الألم ، وصورتها حين هب من نومه منذ لحظة وهى تتقلب على الفراش ، وذكر على صوت شيطان الضبعة وهو يتحدث عن الكلبة التى تعانى آلام الوضع صورة الزوجة التى تعانى نفس الآلام .
أيمكن أن يكون ذلك هذه الليلة أيضا ؟ أتكون زوجته أيضا وشيكة الوضع ؟
سرعان ما اتخذ هذا الخاطر صورة هائلة مفزعة ، وسرعان ما ارتبطت الخواطر فتخيل ما يطلبه إليه الشيطان وما يمكن أن يحدث : أن يغادر زوجته تعانى آلام الوضع ، وقد تضع فى غيابه ويستدعى الأمر نجدة سريعة فلا نجد ريانة من ينجدها ، كل ذلك لكى يذهب هو فى أعماق الليل طالبا الطبيب للكلبة . . . .
ولكن الشيطان لم يدع حتى لمجرد الخواطر أن تتدافع فى رأسه ، فقد صرخ فيه مستحثا إياه على المضى إلى البندر ، مستنكرا صمته وذهوله .
وتمتمت شفتا عبد الصمد فى غير وعى منه :
- ولكن . ولكن امرأتى يا حاج عواد ! ولم يعن عواد بشأن امرأته فى الموضوع ، بل قال فى غضب :
- مراتك ؟ إنت عايز تخرب بيتك بإيدك ، أنا قلت لك ورايح على السراية ، أنت عرفت وأنا غير مسئول وامرأتك لن تطير .
وتردد هذا السؤال الأخير فى رأس عبد الصمد لحظة ، هل ستطير امرأته ؟ إنه لن يستطيع أن يمنع عنها الألم ، فهي ستتألم فى وجوده كما تتألم فى غيابه ، وهو يستطيع أن يمضى فيدعو الطبيب ويعود به إلى السراى ، ثم يقفل إلى منزله مسرعا قبل أن تحين ساعة الوضع . وإنه ليعلم أن الفترة التى تسبق الوضع تطول أحيانا لأكثر من يوم .
ليكن ما يكون إذا ، وليترك ريانة لرحمة الله ، وليمض إلى ذلك التكليف رفقا بحياته وحياة ريانة معا ، فليس له إلى معصية الشيطان وإغضابه وسيده معا من سبيل .
وقد كان . ترك عبد الصمد ريانة لرحمة الله ، وكان سبيل هذه الرحمة إليها أن آونها وجنينها إلى دار تبعد بها عن طغيان الشيطان وجبروت سيده ، فقد أعسرت الولادة على ريانة وحارت جاراتها فى الأمر ، وساعد الجو القارس البرد والريح العاصف على أن تصاب بحمى النفاس ويهملها العلاج السريع ، فإن عبد الصمد لم يعد إلا بعد أن وضعت الكلبة العزيزة فى الصباح الباكر ، وبعد أن تمكنت الحمى من الزوجة ، فلم يجد العلاج وذهبت وجنينها حيث تمنى لها عبد الصمد . . . . إلى رحمة الله . . . .
مرت هذه القصة فى خيال الجماعة الجالسين إلى حافة الجدول ، وكأنما ضاقت بما فيها من بشاعة رؤوسهم المظلمة ، فلاحت حافة الجدول وما يحيط بها من هواء قبر مخيف تطيف به الأشباح ، وخالطت الرهبة ذرات الهواء ، وبدا
فى خرير ماء الجدول أنه يرتل لحنا حزينا داميا . كان كل شئ مفزعا مخيفا يلوح فيه الحزن وتبدو الكآبة .
وطالت لحظات السكون ، وطال تحليق ذكريات هذه القصة المفجعة فى رؤوس الجماعة ، وكان أشدهم انقباضا لها عبد الصمد ، حتى إذا خطت بعيدا عنهم فى تباطؤ ، قال سالم كأنما يطارد آخر آثارها من جو المكان :
- لم لا نشكو عوادا إلى شوكت بك . نقول إننا نحبه ولا نود أن نخدم غيره ، وإن عوادا يرهقنا بالعمل . إن شوكت ليس معنا دائما ولا شك أنه يجهل ما نعانيه . ما رأيكم فى كتابة عريضة نطلب بها ؟
وقاطعه عبد الصمد فى استهزاء : -عريضة ؟ نقول فيها إن عوادا يرهقنا بالعمل فنؤدى أحسن شهادة لذلك الشيطان ؟ أتظن أن شوكت بك يهتم بشيء غير زيادة المحصول وكثرة المواشى وتربية الكلاب . وما دام كل ذلك يسير على خير حال ، فعواد فى نظره أحسن ناظر عزبة فى الوجود .
ولم يقتنع سالم بهذا الجواب بل عاد إلى شرح ضرورة إرسال عريضة ، وبدا فى حديث رفاقه تحبيذ هذه الفكرة وتأييدها ، كأمل ضيف يحرصون على ألا يضيع من أيديهم .
قال واحد منهم : لا أرى داعيا لأن نشكو عوادا حتى لا يصب علينا نقمته . بل ولا أرى داعيا لكتابة عريضة ، فلنتقدم لشو كت بك يوم وصوله فندعو له بالخير ، ونقبل أقدامه ونرجو منه .
وقال آخر : ومن يجرؤ على مخاطبة هذا السيد المتكبر ؟ وأجاب الأول : إذا فلنرسل العريضة . نقدمها له مكتوبة بعد غد . أنت يا سالم تعرف تقرأ وتكتب . غدا بعد العمل نذهب إلى دارك وتكتبها لنا وتحاول فيها أن تكون مؤدبا و . و . . .
وطال حديث الجماعة فى صيغة ما يكتبون ، وأشفق
الليل على أبدانهم المرقهة فأرسل ريحا أرغمتهم على أن يفضوا سامرهم ويمضوا إلى دورهم يلتمسون عندها الراحة ويحلمون فى مستقبل من العيش خير من حاضرهم ، وقد أسرفت الآمال فى أثر عريضتهم فتخيلوا طوال الليل أحلاما سعيدة .
بعد يومين من تلك الأمسية جلس شوكت بك فى شرفة سرايه يقرأ قطعة من الورق سكب فيها عشرات من أجراء ضيعته آمالهم المتواضعة فى الحياة ، وهو يربت فى رفق على عنق كلب تنم نظراته على الصحة المسرفة .
ولكنه لم يكد يتم القراءة حتى ضحك ضحكة جافة ، ونظر إلى صديقه الرابض بجواره ثم قال فى تهكم :
- أسمعت يا رالف ما يقوله هؤلاء الناس . إنهم يريدون أن أترفق بهم ، وأعاملهم معاملة الكلاب . يعني زيك ! أسمعت ؟
ولم يبد على شوكت بك أنه فهم من أمنية أجرائه الذليلة أكثر من أنها مقارنة معقولة ومستحيلة أيضا . .

