وجدها في شارع فؤاد الأول ولم يكن رآها منذ نيف وسنتين فتبعها . وكانت له غاية يقصد اليها ، ووجهة هو موليها ، فنسي غايته ، وتحول عن وجهته ؟ واتجه معها إلي متجر كبير في ذات الشارع يموج بسكان القاهرة وروادها . وكانت فتاتنا هيفاء ، شقراء ، في العشرين من عمرها ، لها مظهر أنيق ، وقد رشيق ، وعينان استعارتا صفاءهما من نقاء سريرة صاحبتهما ، فهما تشعان الهناء
وصعدت في المتجر إلي القسم الذي تبتغيه ، ووقفت قبالة خوان ، تقلب في بضاعته ، وتلتفت إلي ما تقلب أترابها يمنة ويسرة . وإنها لعلي هذه الحال إذا بالرجل الذي تبعها في شارع فؤاد الأول ، وصعد معها في مصعد المتجر ، واقف بجوارها ، ولم يكن بهذا القسم ما يطلب الرجال ، فلم تعجب لذلك وواصلت التقليب .
* ثم رأت أن تطلب بغيتها على خوان آخر فتحولت اليه . وإذ لم تكن تتوقع المفاجآت فقد راعها أن تري الرجل إلي جانبها هذه المرة أيضا ، وحق لها أن تراع وزاد في روعها نظرة منه أشاعت فيها الارتباك . فلم يكن في تلك النظرة معني مما يداعب خيال الحسناء ، أو يغري الرعناء ؛ ولا كان فيها ما يمكن ان ينال من هيبة رجل ناهز الخمسين في لباس الضباط البريطانيين . وكان صاحبنا برتبة ميجر ، مديد القامة ، جاف العود ، عريض المنكبين ، واسع العينين ، بارز الوجنتين ، حليق الشاربين ؛ يتردد بين ما ينبغي له في المتاجر والطرقات ، وبين دافع قوي يدفعه إلى الفتاة.
وابتعدت الفتاة في المتجر على غير هدى ، وكانت لها غاية منه فنسيت هي الأخرى غايتها ، ثم وقفت امام خوان تقلب في بضاعته حيثما اتفق.
وتقدم الضابط منها بخطوات بين الهيبة والرغبة جد
وئيدات ؛ وحياها فردت تحيته بأخري يشيع فيها الاضطراب والاستغراب .
فقال لها : أتسمح الآنسة بخمس دقائق من وقتها الثمين ؟ قالت : آسف ياسيدي . فما لي وقت يتسع لمثل هذه المفاجآت . قال : إذن فليتسع لكلمة ما منها بد ، وليس عليك منها ضير قالت : ما أعلم أن بيني وبين حضرة الضابط ما يجيز ذلك . وانا إلى هذا مصرية مسلمة ، ولا إخالك تجهل تقاليد البلاد . قال : أعلم ذلك ؟ لكنه لعله يطمئنك اني لك بمثابة الوالد قالت : حتى هذا لا يسوغ لمثلى أن تقف في متجر مع مثلك . قال : إذا لحظة!
وأخرج من جيبه ورقا وقلما ، وانتحي بهما ناحية من الخوان ، وجعل يكتب . ثم طوى الورقة ، وأخرج من حافظة نقوده شيئا أرفقه بالورقة ، ثم وضع ذلك في غلاف ، وناوله الفتاة وهو يقول : لا عليك إذا انت احتفظت بهذا الغلاف ستة أشهر ، وإذا انت أعطيتني عنوان أبيك . فاذا لم اتصل به في خلال هذه الأشهر ففضى الغلاف .
وشد علي يدها شدة رفيقة وثيقة ، وحدجها بنظرة تشع حنوا ورجاء ، ثم حياها تحيته العسكرية وانصرف .
ومضت أيام ، وتواترت أنباء المعركة الدائرة في الصحراء الغربية ، وتقضي شهر أكتوبر من عام ١٩٤٢ والفتاة وأهلها ينتظرون أنباء الضابط ، وهم نهب للهواجس والوساوس والفضول ، وهم بين معتقد أن ما وقع قد كان
مبعثه الشذوذ ، ومرجح أن في الأمر سرا من الأسرار والفتاة في تلك الأثناء تسائل نفسها في شأنه الحين بعد الحين ، وتحاول أن تعلل مسلكه فلا تهتدي فيه إلي اليقين . وهي في هذا تتمثل نظرته إليها فلا تجد فيها ما يريب . فهذه اللهفة التي تهالكت منه على حواسها قد أشبهت في تخاذلها لهفة المكروب ؛ وهذا الشعاع الذي انبعث من نظرته قد نفذ منها إلي قلب القلوب . فهي تحس نحوه عطفا خفيا ، لا عطفا عابرا سطحيا . وقد أضحكها مسلكه لحظة ، لكنه مسلك في نظرها ليس عليه غبار.
وهذا الغلاف الذي ائتمنها عليه وأسلمه إياها لم يمض على تسلمه إلا أسابيع هي عندها شهور . ولم تكن طلعة ولا ذات فضول ؛ لكنه اللغز يتطلب الحل ، والمطوي يتطلب النشور .
وذهبت الأيام في إثر الأيام ، والأسابيع تلو الأسابيع ، وكملت الأشهر ستة ، فإذا الفتاة تفض الغلاف وتقرأ المسطور
" منذ نيف وسنتين فارقت ابنتى ،وبعد نيف وسنتين وجدتها . وجدتها فيك فكأنكما خيالان أو حقيقة وخيالها . وأقسم أنى جاهدت نفسي جهادا هائلا في تقبيلك على مرأي من الناس ؛ وأقسم أني أنكرت كل شىء إلا أنك كلارا ، وأني ألقاها بعد طول الغياب .
ولكن اليقين أليم ، وقد صدمني في الصميم . وإن كنت اكبر في نفسي هذه الاستقامة وهذا الخلق العظيم " بهذا الغلاف ما أملك هو لك على سبيل التذكار ، لأنى أكون عندئد في الراحلين ، وأكون قد مت وقد نعمت برؤية كلارا قبل الممات ؟ وفي هذا عزاء لي اي عزاء لو تعلمين "
وجرت على خدي درية عبرتان هادرتان ، ونظرت إلي أبيها الذي إلي جانبها فتضاءلت حقيقته ، وبكت أباها الذي خطر على حياتها خطرة هي خيال من صنع الخيال.
