الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 381الرجوع إلى "الثقافة"

كلام عجيب، يا ليته يصح

Share

-٤- ( بمناسبة ظهور كتاب قصتي الكبرى للصحفي الأشهر هانن سوافر )

ياروح بيسي ما ننتج ! كلما تخيلت تفاصيل محاولتك الاتصال بعالمنا اهتزت مني المشاعر ، واختلطت في ذهني ذكريات لابد انها كانت عزيزة على من حولك . أم تحب ووالد يرعى وإخوة تمرحين معهم ، ثم إذا بالذي نتصوره عدوا لدودا ذا مخالب دونها مخالب النسر يختطفك من جو كله سعادة ونشوة ، إلى عالم نتخيله سوادا ووحشة وسكونا ، لابد انك كنت بنتا حبيبة شفافة الجمال ، فتحت صدرها للعالم بما فيه من خير وشر فرحبت رئتاك بجرثومة الداء الوبيل ، وسمحنا لها ان تسرح وتمرح حتى امتصت آخر قطرة من دمك ، وحتي سدت منك منافس الهواء فرحت مبكيا عليك إلى العالم الذي تصفينه بلهجة تشوق السامع وتريح النفس الجائرة

بدأت هذه القصة الرائعة في حلقة استل روبرتس ذات الصوت المباشر ، وكانت هذه الوسيطة القديرة تتكلم بلسان روح ( رد كلاود ) التي قالت : " هناك فتاة طلبت مني اليوم ان احاول مساعدتها على الاتصال بوالدتها ، وستقدم نفسها إليكم الآن . ثم سمع بعد ذلك صوت الفتاة وهي تقول : "حسنا ، حسنا ! هأنذا معك " وعقب هذا سمع صوت يشجعها على الاقتراب من الحلقة لأنها على وشك بعث رسالتها فقالت : حسنا ، دعوني أخبركم ياسادة أن رجلا طيبا قادني إلي هنا . إن اسمي بيسي مانتج وأود أن ابعث برسالة خاصة إلى والدتي . ولابد ان ارشدكم إلى عنوانها . دعوني أفكر وأحاول . إنها تسكن في المنزل رقم ١٤ بشارع كانتربري في بلاكبورن . إن اسمى

بيسى مانتج وقد توفيت في عيد الفصح الماضي نتيجة إصابتي بالتدرن الرئوي . لقد اصطحبت معي إلي هنا أخي الذي مات قبلي نتيجة حادث سيارة " فقال أحد اعضاء الحلقة : " سوف ترسل في طلب والدتك غدا " . وعند ذلك أضافت بيسي : " قولوا لها إن جدائل شعري لا زالت طويلة ، وهي مسترسلة على ظهري كما عهدتها إبان حياتى . إنني أبلغ الأن الثانية والعشرين من عمري ، ولي عينان زرقاوان . خبروها أنني جد مشوقة إلي التحدث إليها .

ولكن كيف تأتي إلي هنا وهي فقيرة لا تساعدها مواردها الذاتية على تحمل نفقات السفر ؟ " فقال لها المستر سوافر : " سوف نعمل كل ما في وسعنا لإحضارها إلي هنا " فقالت الفتاة : " جزاك الله خيرا . إنها تعسة وتتحدث دائما عن الصدمة التى تلقتها نتيجة فقد ابنها وفقدي . أشكركم . أشكركم " .

وفي اليوم التالي أرسلنا برقية لوالدتها على العنوان الذي أعطته لنا الفتاة . وكان نص البرقية ما يلى : " تحدثت ابنتك الينا في حلقة رد كلاود) ، ولم تتلق ردا على البرقية فأعقبناها بأخرى وتسلمنا خطابين قالت الأم في احدهما : " لا يمكنني أن أعبر عن سعادتي وسروري لما قرأته في برقيتكم . لقد كدت والله أقفز من شدة فرحي ، وكنت أضحك وأبكى في آن واحد كلما استعدت كلماتها . إن هذه الوريقة لتساوي عندي ذهب الأرض كله . ولكن هلا أخبرتموني ماذا قالت أبنتي العزيزة في تلك الجلسة ؟ " .

وقالت في خطابها الثاني " إني آسفة لكوني كلفتكم مشقة إرسال برقية ثانية ، ولكن ضعف مواردي المالية هو الذي حدا بي أن أرد عليكم بالبريد العادي - لا يمكنكم أن تتصوروا كم أنا مدينة لكم - إن أبنتي قد ماتت في يوم عيد الفصح الماضي ، وسبقها ابني إلى نفس المصير منذ تسع سنوات نتيجة حادث سيارة . وإن اتصالي بأحدهما يلهمني العزاء الجميل . فشكرا جزيلا أيها الأصدقاء " .

يتبين من هذا ان جميع المعلومات التي أدات بها بيسي كانت صحيحة ، بما فيها ضيق ذات يد والديها الذي حال دون الرد على المستر سوافر تلغرافيا . وقد قدرت الجماعة هذا

الظرف الخاص فأحضروا الوالدة على نفقتهم إلى لندن ومن هناك اخذت إلي منزل الوسيطة في تدنجتون ، وهناك حدث الاتصال بين الأم وابنتها . وكانت كلمات الفتاة الأولى : إن بيسي تتكلم إليك يلما ( وهكذا كانت تناديها أثناء حياتها ) فأجابت الأم في هدوء : " نعم بابيسى وأنا مصغية " ولكن الفتاة كانت في حالة اضطراب شديد لدرجة أن سقط البوق من يدها ! فشجعتها الام قائلة : " إن هذا رائع يابيسي . تشجعي ، فأنت تعلمين كم احبك " فقالت الفتاة : نعم يلما ، إنه رائع جدا . كيف حال والدي . إن اخي تومي معي الآن ويود أن يتحدث إليك . إن هذا شيء عظيم إنني مضطرية جدا ولا أقوى على التعبير عما يخالجني "

فشجعتها أمها قائلة : " كوني رابطة الجأش بأحببيبتي . تكلمي إلي وخبريني هل تأتين إلى منزلنا احيانا " فأجابت الفتاة : " بالطبع يا أماه . وأنت تعلمين هذا وتحسينه . إنني أذهب إلى هناك وأحاول التحدث إليك ولكنك لا تجيبين . إني أراك دائما تتحدثين إلى صورتي ، وكم شاهدتك واقفة أمامها تنظرين إليها في عياذة وولع ثم تأخذينها بين يديك وتقبلينها . ولقد كنت هناك اليوم ورايتك تهدين ملحوظة

لوالدي عن حذائه وتقولين له إنه في حاجة إلي الإصلاح . أليس كذلك ! ! " فقالت الأم : " لقد حدث هذا تماما يا عزيزتي " .

وختمت الفتاة حديثها قائلة : " إني اذكر ياما كيف كانت صدمة فقد أخي شديدة عليك . إنه هنا معي فلا تجزعي " ولما انصرفت الفتاة قالت الروح الوسيط : " لقد أحضرت أخاها معها . إن اسمه تومي كاسم أبيه . ولقد رأيته معها " .

إن المستر سوافر رجل صادق ، وليس بالساذج الذي يخيل عليه العوبة أفاق ، وليس هو بالدجال الذي يحاول غش الآخرين وخداعهم . والواقع أنه تخصص في التحقيق الصحفى لكبريات الجراثم ، فكان يعهد إليه دائما فك طلاسمها وكتابة التقريرات الوافية عنها في كبريات الصحف الإنجليزية . فليس من المعقول أن تتهمه بتلفيق حادث بيسي ما تنج هذا ، ولقد تتبعه من أوله لآخره ، ولو شك في صدقه لما أورده في كتابه ولما وصفه بقوله إنه من أروع عجائب تحضير الأرواح ، وانا شخصيا انصح بتصديقه لما أعهده فيه دائما من تحري الصراحة والصدق في كل ما يكتبه .

يحدثنا المؤلف في أحد فصول كتابه عن حديث جري بينه وبين برنارد شو ، بدأه بالسؤال الآتي : " هل كونت فكرة صحيحة عما ينتظرك بعد الموت ؟ " فأجاب شو في صراحة وبساطة : " كل ما أعرفه أني بعد الموت أذهب إلى غير رجعة . إنني لا اعتقد في خلود الروح ، ولا أظن أن هناك عاقلا يمكنه قبول مثل هذه الفكرة أو هضم الأسس التى بنيت عليها . إن خلود شخص مثل برنارد شوي يبدو مروعا ومخيفا ، وإني اهب خمسة جنيهات لمن يطلق على رصاصة ويريحني من نفسي ويريح العالم مني . إن جسمى الذي تراه الآن ما هو إلا خليط من املاح الكربون

واليوناس وبعض المواد الكيمياوية الأخرى تسبب بتفاعلها قوة الإندفاع التي نسميها الحياة ، وسيأتي اليوم الذي تقف فيه الآلة فجأة وينتهي كل شئ . تفني الأشخاص والدنيا

باقية . نموت تححن ويعقبنا آخرون يتولون إدارة عجلة الحياة الدائمة ويعيشون كما عشنا ثم يأتي غيرهم وهكذا . قد أسمح لك ان تعتقد ان روحا اخري تقمصتني وقضت معي كل عمري لتنتقل بعدها إلي جسم آخر وهكذا ، ولكن ليس معنى هذا خلود الشخص نفسه بعد الفناء . وليكن في علمك أنني أتحدث في موضوع لا أفقه فيه شيئا " .

وجرهما الحديث إلي موضوع مفارقة الروح للجسد بعد الموت ، فقال سوافر : إن الروحيين يعلمون من رسالات وصلتهم من عالم الروح أن روح الانسان لا تفارق جسده تماما إلا بعد الموت ببضعة أيام . وهم لذلك يصممون على ألا تحرق الجثة أو تدفن إلا بعد الموت بأيام . وعند ما قال سوافر : " إنني على يقين انك ستحضر بعد أسبوع من وفاتك إلي حلقتي الروحية وتقول أنا برنارد شو . خبر العالم أني لم امت أجابه شو في سخرية : " هلا جربت خداع احد قبل الآن ؟ " فقال المؤلف : " أبدا . أنت تعلم أنني صحفي وخير امين ، تعقب قضية خلود الروح ، ولما تيقن منها

نشرها على الملأ . ما رأيك في أنني رأيت اخت زوجتي تمشي أمامي في إحدي الجلسات الروحية بشعرها الطويل المسترسل على ظهرها ؟ " وعندها قال شو : " هذا لا يثبت لي أكثر من كونك رأيت اخت زوجتك لمقدرة بصرية و هبت إياها تمكنك من رؤية ارواح الموتى . ويعلق المؤلف على هذا الجواب في سخرية لاذعة قائلا : إن من الاسف ان كاتبا عظيما مثل برنارد شولا يعرف ان الجلاء البصري نوع من الوساطة .

جرى هذا الحديث في عام ١٩٢٤ ، ويقول المؤلف إنه لم يحاول مناقشته ثانية في هذا الموضوع رغم مقابلتهما العديدة منذ ذلك التاريخ ، لأنه عنيد لا سبيل إلي إقناعه - وسوف يقنعه الواقع عندما يحس بروحه تصعد إلى عالم آخر تستأنف فيه نشاطها الذي بدأته على الأرض بنفس الحماس والغيرة والنضج التي عرفت عن المستر شو .

ويمضي المؤلف في سرد ما يمنع نفس القارئ العادي ويثير رغبة البحث والاستقصاء في الباحث المدقن ، ويغري بغزو هذا الميدان الشائك الذي يضل في ارجائه الفسيحة أمثالنا . وياليتنا نوالى ضغطنا عليه حتى ينجل السر الاكبر او نعود مدحورين مقهورين . " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، صدق الله العظيم .

اشترك في نشرتنا البريدية