لي كلب عاقل أربب:
عدت مرة إلي بيتى فأبلغت أن الكلب عض حامل البريد ، فطلبت الكلب ، وكان الحادث لا يزال ساخنا ، فتباطأ في الحضور وهو يسمع ندائى ، فلما ألححت حضر وقد غاص برأسه إلي الأرض ، ودلي أذنبه ، وعطف خط سيره ، فدار حولي ولم يأتنى كعادته قدما فعلمت من كل هذا أنه يقر بأن شيئا وقع ما كان يصح أن يقع . فقلت في نفسى فاتحة خير ، ومبادرة إلي الإقرار بالذنب فلما يجدها المرء في غير الكلاب .
فقلت له :
- كيف تعض حامل البريد إلينا ، وحامل البريد كحامل الطعام والعظام ، كل يجري في خدمتنا
فأخذ يدور برأسه يمسح به قدمى كمن يريد أن يخرج من خرج السؤال باعتذار خفيف . ولكنى أعدت السؤال في صوت الغاضب . فلما لم يجد بدا من الجواب استخار الله فيما هو فيه ، ثم قال :
أهذه أول مرة يحمل فيها الساعي بريد الصباح والمساء إلينا ؟ فقلت ؛ لا ، فقد مضي يحمله إلينا أربع سنوات قال : أفكنت عضضته في كل هذه السنين مرة ؛ قلت لا علم لي بأنك مضضته . قال : فساوه إذن لم عضضته هذه المرة . إنك ياسيدي تعرف أن بين باب الحديقة وباب الدار عشر خطوات أو عشرون ، وهذه هي التي عرفت أن الساعي يخطوها إذا هو أتى بخطاب . وفي كل مرة ما كنت أصنع سوى أن أنبح نباحا هينا ، غير نباح الحرب ، أعلن فيه قدومه أما اليوم فقد أراد أن يخترق حرمة الدار ! . قلت : كيف ؟ . قال : إنى رأيت هاتين الرجلين ذاتي القماش الأصفر ، بدل أن تذهبا من باب
الحديقة إلي باب الدار في خط مستقيم ، رأيتهما جاوزنا باب الدار ودارنا حولها ، ودخلنا من بطن الحديقة إلي حيث لا يدخل وحده غريب . عند ذلك يبحث ونبحث منذرا ، فلم يصغ صاحب الرجلين لإنذاري ومشي إلي ما وراء الدار فزاد نباحي وزاد اقترابي من ذلك القماش الأصفر . فلما تجد أني لم يكن بد إلا أن أنهش لحمه . وعندئذ ظهرت سيدتي عند باب الدار الخلفي ، فزاد كلبي علي الرجل لولا تخذيلها إياي . قلت : ولكنه إنما جاء إلي الباب الخلفي مبالغة في الحرص على إيصال ما يحمل من رسائل . قال : أو طمعا لبعض ما في الحديقة من ثمر ، أو طلبا لما المثير فيها من متاع . على أنه مالي ولهذا ، فما للكلاب أن تتدخل في نوايا الرجال
وكلبي هذا لا يمنع كل أحد من باب دارنا الخلفي فصبى الجزار وصبى البقال والخباز والكواه وأضرابهم يؤدون رسالتهم عند هذا الباب الخلفي . ولكنهم كذلك يدخلون الدار من باب الحديقة الخلفي وكل هذا على مرآي ومسمع من كلبي . ولكن الويل لهم جميعاً إذا هم دخلوا الدار من بابها الأمامي . وهو كأنما يعرفهم بأشخاصهم ، فإن أنابوا عنهم غريباً فالويل للغريب من هذا الكلب العجيب .
والبستاني بينه وبين كلبي صداقة ، أقلها صداقة الجيرة فكلاهما بقضى في الحديقة زمناً غير يسير . وبالطبع يأذن الكلب للبستاني أن يروح ويغدو فيها ، ولكن الويل له إذا هو أراد أن يدخل الدار . إنه ليقف داخل مصر امي بابها كليهما يتحداه أن يخطو خطوة واحدة إليها ، وينسي صداقة الساعات الطويلة بين الأزهار وتحت ظلال الاشجار
ومنذ أسابيع حضرت إلينا اطياف عدة ، أربعون عدا ، جاءوا علي ميعاد . فتبحهم مانعا . فلما حضرنا لنجدة الضيف الأول فالثاني فالثالث ، ثم تكاثر الحاضرون ، وضاء النور في أكثر من مكان ، كف كلبي عن نباحه . وبدل أن يمنع سائر الأضياف عن الدار مشي في أذيالهم ، فكانما رضي منهم فأخذ يصطحبهم إليها اصطحا . ولما انعقد جمعهم
جعل يدور فيهم ويرفع يده ، أو يديه كليهما ، إلي ركبة من يأنس فيه الإنسانية ، بطلب مصافحته فكلبي يعرف المصافحة ويصافح بكلتا يديه ، بهذه ثم بتلك . فإن زدته صافح بتلك ثم بهذه ، ثم بكليهما معا . ولما قضى من أضيافى مأربا ، ولم يعد فيهم ما يشبع أنسه ، خرج إلي الحديقة فإلى الطريق ، وكانت أنوار الدار كشفت عن بعضه ، وبقي بعضه خبيثاً في الظلام الحالك . وزاد ارتفاع الشجر على جانبي الطريق له إظلاما . وشجر العادي رفيع مديد . عندئذ وجد الكلب شبحاً في الظلام يقترب من باب الدار فأخذ ينبحه نبحا شديداً ، ينبح هذا الشئ الفرد عن دار أذن أن يدخلها هذا العدد المديد من الناس . ولكن تلصص هذا الشئ الفرد ، ومشيته في الظلام تلك المئة الخفيفة المريبة ، هما اللذان جعلاه ينبح هذا المتحرك عوناً في جوف الليل . لقد نسي أنه لا خوف من لص على دار وهي تزدحم بمن تزدحم
وما كان هذا اللص غير جندي البوليس . ولكلبي كراهة مختارة لرجال الشرطة ، لست أدري أهي من تلك البندقية التي يحملونها كالعصا - والكلب بجد التحدي في العصا - أم هي لغيرة حارس من حارس ، حارس بعمل صناعة بالقانون ، وحارس بعمل طبيعة بالسليقة . وكلبي عالي الهمة ، وهو لا يمس طفلا أبدا . وتنظره فتجد في عينيه الهادئتين هدوء الشيخوخة ويزيد مظهر الشيخوخة فيه تدلي شدقيه الكبيرين وهي شيخوخة جليلة فلما تجدها في الرجال . وياتيه الطفل ابن الأشهر يحبو ، أو يمشي وهو لا يكاد يستقيم ، فيأخذ بعبث في وجهه ، فيضع إصبعه في عينه وفي أنفه ، ويدخل يده الصغيرة بين أسنانه ويشد صدغه ، وصاحبنا لا يتأفيف ولا يتحرك كأنما يلذ له ذلك ، كما يلد لبعض الشيوخ أن تعبث الأطفال في لحاهم وقد يزيد الطفل في عبثه كأن يشد شارب الكلب أو يشد أذنه فيؤلم ، فعندئذ لا ترري الكلب يصنع إلا أن يقوم عن
إقعادته لبقى فى هدوء في مكان بعيد آخر . فإن ألح الطفل وراءه ترك الحجرة فلا يعود .
والعداوة بين القطط والكلاب عداوة قديمة متوارثة ، نجدها الكلب في دمه ولو لم يكن رأي قط قطا . وكذلك هي في القطط . ولكن في منزلنا صداقة قل أن يوجد مثلها بين الناس . تلك صداقة بين كلبنا هذا وقطتنا . فقد ولدت القطة في الدار ، ولعقها الكلب وهي طفلة ، ونشأت بين سمعه وبصره ، وعلى ملاطفته وتعبه أحيانا . وهما يأكلان من مطبق واحد عندما يتحد نوع الطعام . وكثيراً ما كان يأكل فتأتيه القطة تشركه في طعامه ، فينزل لها عنه ويتضحى ، كرما أو أنفة ، والقطة الآن قطة كبيرة ، بلغت حد البلوغ وفائته بعيدا ، ومع هذا تحب أن تلاعب الكلب . وهي تغرم بالوثوب إلي وجهه لتلطمه بيديها ، وهو ناظر إليها لا يكاد يلقي إليها بالا ، وقد يشيح بوجهه عنها وهو جالس ، تارة يميناً وتارة شمالاً ، ليتفادي لطمأتها . ويفعل هذا في تؤدة الكريم المتعالي عن العبث . وتسير قطتي في الحديقة إلي جانب كلبي ، حتى إذا هو لمح قطة أخري علي الذي ، انطلق إليها كما ينطلق السهم ، حتى لكاد مرة أن يبقر بطن احداها لولا أن أسعفتها شجرة تسلقتها في سرعة البرق وهي موجعة جريحة . وكان منظر القطتين عجبا كلتاهما جمعتهما رابطة الدم والجنس ، وهذا الكلب بينهما ، يعادي إحداهما عدواة الموت على غير سابق رؤية أو معرفة ، ويصادق الآخرى نزولا علي أحكام العشرة ، ومحافظة على حرمة الدار الواحدة .
نعم إن صداقة كلبي لقطتي صداقة فيها شيء من التحفظ ، على الأقل من جانبه ، أو لعله الكبرياء ، ومع هذا فهي صداقة ليس كمثلها صداقة . وإن كان محك الصداقة الشدائد ، فاسمع هذه عن كلبي ،
ركبنا السيارة ، وركبها الكلب معنا . وما كدنا نتحرك حتي انتفض الكلب من بيننا وقذف بنفسه منها مع ما في هذا من خطر علي حياته . أفتدري علي ما وقع ؟
وقع على كلب آخر كان يسرع وراء قطتنا وكاد ينالها وصرعه قبل أن ينالها بثوان ، ثم دارت بين الكلبين معركة علمتني أن الوفا أحيانا يكون أقوي من وشائح القربي وصلة الدماء
ولكلبي نفس مرة لا تخلو على الضيم أيضا . كنا على المائدة أمس فألقمته قطعة من الخبز لم تكن فيها الكفاية من رائحة اللحم ، فلما أخليت إصبعي منها أنه فاضمها ، أشاح بوجهه عنها فسقطت على البساط فقضت وصحت : أخرج . فخرج وانتحي من الدار مكانا قصيا . وناداه من فوق المائدة من الأهل من كاداه فلم يستمع لندائهم وظل في ركنه قابعا . فمر عليهم ، فأغرونى بندائه فناديته بإسمه مرة واحدة فجاء توا ، واتخذ وجهه وعيناه لوناً وسطا بين التغضبب والأسف . فلما قلت له بلقة الكلاب لا بأس عليك زاط ونط وأراد ان يغمرنى بلطف منه كثير وعدت فألقمته اللقمة بعد أن زدت من شحمها فأكلها ، وأتبعتها لقما غير ذات شحم أو لحم امتحاناً ، فأكلها ونفسه راضية .
لقد نشأتا ، ونشأ أكثرنا في الشرق علي كراهة الكلاب ، ففقدنا صحبة من أصدق وأهنا وآنس ما يجد ابن آدم على ظهر هذه الأرض ؛ فقدنا صحبة قبيل من خلق الله كان يأنس به أنبياء الله . ألم يكونوا رعاة ؟ وما الراعي بلا كلب يهش عليه غنمه ويؤنس ولحدثه في الساعات الطويلة التي يقضيها في الحقول المنبسطة أو الوديان والجبال الفارغة الخالية إلا من خضرة أعشاب وخرير أمواء ، وإلا من تغاه أغنام و نباح كلاب .
لقد علمونا كراهة الكلاب ، فأصبح الصبى فى الأحياء المحافظة لا يلقى الكلب إلا بحجر أو عصا ؛ وتعلم الكلب إلا يلقي صاحب الحجر والعصا إلا بنبحة زاجرة . وظل سوء التفاهم هذا قائماً بين رجال الله وكلاب الله ، وهو ككل سوء تفاهم يقوم على الجهالة من ناحية أو ناحيتين ، فضياع الثقة في إحدي الناحيتين أو في كليهما
إن طعام الكلب العظام ، ولقد عللوا هذا بتلك الصحبة القديمة التي هي أقدم من الأهرامات ، وأقدم من
تقسم الجمعية البشرية أفخاذا وقبائل . عللوها بتلك الصحبة القديمة يوم كان رزق الرجل من سيد الوحش في الأدغال فكان يمينه الكلب على الصيد ، فيأكل الرجل والرجال اللحم ، ويأكل الكلب والكلاب ما تخلف من عظام ، وكانت شركة أساسها المنفعة للطرفين فدامت مادامت السنون ، وقالوا ما تلك الصحبة القائمة الحاضرة إلا أثراً من تلك الصحبة القديمة الغابرة .
والصحبة الحاضرة قائمة على النفع كذلك وإن تغيرت الأوضاع . فصاحب الكلب اليوم لا يخلف لكلبه العظم مما يصطاد من الوحش ؛ ولكن مما يشتري لنفسه من الأسواق . والكلب لا يعينه على صيد ، وإنما يحرس داره ومتاعه ، من ساكن ومتحرك ، بأوفى وأرخص مما يخرسه الأجراء من الآدميين . فالحارس الآدمي ينام ، والحارس الأدمي ينام ويحلف لك أغلظ الايمان أنه لم يتم . وقد يكون حاميها حراميها . أما الكلب فلا ينام ، وإن هو نام أيقظه أخف الأصوات مما لا تدركه الأذن الإنسانية ، فكأنما نوحى إليه . وهو لا يكذب لأنه لم يبلغ هذه المرتبة الإنسانية من الذكاء ، وهو لا يسرق من خمس والحارس ذو الرجلين تعطيه أجرا ثلاثة جنيهات أو أربعة ، والحارس ذو الأربع لا يتقاضاك غير العظمتين والثلاث
وعلى ذكر السرقة أذكر أن كلابنا له ولع كبير بالكعك والفطائر ، ويأتينا الأصدقاء فيدور حول الكعك وهو مكشوف لعينه ، قريب من يده وفمه ، ولكنه لا يقربه أبدا ، ويظل يجري بين الكعك وبيننا رائحاً غاديا ، ولو كان الكعك في غير حجرتنا ، ولكنه يعسف أن ينال ما لا يؤذن به ، ويربأ نفسه أن يكون لصا .
إلا مرة واحدة ، غفلنا عن طلبه ساعات طويلة وفرغ الكمك أو كاد وقمنا نودع الضيوف . فلما عرف بحسه الفطري العجيب أن يقيه الكعك لا بد مرفوعة ، وكان الإغراء له شديداً ، تلصص إلي الأطباق وأخذ ينظر لها ولنا ، ثم هجم عليها في لمحة البصر، وأخذ كعكة ، وأسلم أرجله للريح ولم ينفع فيه دعاء

