الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 489الرجوع إلى "الرسالة"

كلمات. . .

Share

في يوم ٢٩ أكتوبر الماضي أقامت تركيا الجمهورية احتفالات  حكومتها ومهرجانات شعبها بعيد الجمهورية والتحرير قبل  ثماني عشرة سنة.

وتركيا القديمة كانت   (الرجل المريض)  المحتضر الذي  تتقاسم الدول كبراها وصغراها مخلفاته وأسلابه. وتتحيف  حدودها وتهزم جيوشها دول كانت ولايات محكومة لها بحد  السيف؛ تركيا القديمة التي كان شعبها جاهلاً فقيراً مريضاً  منحل الخلق متلاشياً، والتي كانت حكومتها وتاجها وخلافتها  شخوصاً لا حول لها ولا قوة؛ تركيا المهيضة الجناح قد  استحالت في ثماني عشرة سنة إلى دولة، واستحال شعبها أمة لها  عزة وكرامة ولها جيش تتحدث صحف العالم به، وأصبحت  تركيا الجديدة لها صوت ولها اعتبار وأكثر من اعتبار في  معركة السياسة والحرب القائمة، ونحن نعرف ما هي السياسة  والحرب القائمة.

نحن كانت لنا نهضة قريبة الاتصال الزمني بالنهضة التركية،  أو نستطيع مع التواضع أن نقول: كانت لنا هبة وانتباهة منذ  ثلاث وعشرين سنة وكنا نستطيع أن نصل بهذه الهبة وبداية  اليقظة إلى ما استطاعت تركيا أن تصل إليه.

والآن عندما نذكر نهضة تركيا ويتحدث الناس أو يكتبون  عن تركيا الحديثة في هذه الحرب القائمة: حرب الحديد وحرب  العقول والأذهان، نذكر زعماء تركيا وقادة جهادها في هذا  السبيل، قادتها في بدء نهضتها وفي تسربها وفي بدء شبابها  وشرف كفاحها

ونحن كان لنهضتنا زعماء وقادة سنذكرهم بالخير عندما  نذكر النهضة المصرية، ولكن يجب علينا أن نتمم ما بدءوه  لنصل إلى ما وصل إليه غيرنا من القوة والعظمة

ظفر بألقاب الجامعة القديمة والجامعة الجديدة، فماذا صنعت  في دنياي؟

إن قصائدي ومؤلفاتي ومقالاتي لا توحي إلى نفسي شيئاً  من الازدهاء، لأني أفهم جيداً أن للنبوغ والعبقرية غاية إنسانية  لا غاية محلية، فأنا لا أقنع بأن يكون الجامعي هو المصري الأول،  وإنما أسمو إلى أن يكون الإنسان الأول، فاستعدوا للنضال  في ميدان تكونون فيه أوائل الأبطال

لا قيمة للأرقام في حياة الوجود، ولن يكون من أسباب  ازدهاء الجامعيين أنهم بلغوا بضع ألوف، فالشمس واحدة والقمر  واحد، وهما عندنا أنفع من النجوم التي تفوق الإحصاء

وأنا من أجل هذا المعنى لا أقيم وزناً للتضامن الجامعي،  لأن التضامن سناد الضعفاء، أعاذني الله وأعاذكم من وباء  الضعف. وهل تتجمع في الأرض أمة كما تتجمع أمة النمل؟

الجامعي الحق هو الذي يسير في كل ارض وفي عقله فكرة  الجامعة، كما يسير المسلم في كل ارض وفي روحه هدى المصحف

كونوا آحادا، ولا تكونوا جماعات، فالوحدانية هي العقيدة  التي ارتفع بها الشرق، وبها ارتفع الغرب، إن كنتم تذكرون  طلائع النهضات في التاريخ

إن الأدب الإسلامي أوصاكم بالتخلق بأخلاق الله، وأعظم  صفات الله هي صفة الوحدانية. ولن يكون للتضامن قيمة  إلا أن كان أرقاماً صحاحاً تضاف إلى أرقام صحاح، وأعيذكم  أن تكونوا أصفاراً تزيد قيمة الرقم الصحيح

الصفر وحده عدم، ثم تكون له قيمة إن تضامن مع الرقم  الموجود، فماذا تريدون بأنفسكم، يا أبناء الجامعة في هذا الجيل؟

أنا أحب لكم ما أحب لنفسي، وأنا أكره أن يكون لأي  مخلوق عليّ سلطان، فتحرروا من بوارق الدنيا كما تحررت،  ليسبغ الله عليكم نعمة الأدب الرفيع

لا تنشروا بعد اليوم على صفحات الجرائد شكايتكم من قلة  الرواتب، فإن سطراً تكتبونه صادقين هو الرزق النبيل. وذكاء  المرء محسوب عليه، كما قال الأسلاف

العقيدة الادبية والعلمية هي الأبوة الكريمة للرجل الحصيف،

فلا تعرضوا مواهبكم لليتم الدميم. . . وفي الناس أيتام آباؤهم  أحياء!

يجب أن يكون للجامعة في كل ميدان جنود. يجب أن  يكون إليها الرأي في جميع المعضلات الأدبية والفلسفية والتشريعية  والهندسية والطبية والعلمية

ويجب أن يكون الجوع أشرف قوت يقتات به الجامعيون  الأصلاء

أترونني أسرف في الأماني؟ إن قلتم هذا القول فإني أجيب بأن ليس في الخير إسراف لقد كانت بلادنا أول مشرق للعلوم والآداب والفنون،  وكانت وثباتها العلمية والأدبية والفنية موكولة إلى رجال لا يقيمون  وزناً للأقوات، فكيف نيأس وتأخرنا المادي هو الشاهد  على صدق بنوتنا لأولئك الآباء؟

أما بعد فماذا أريد أن أقول؟ لم أقل شيئاً، لأني قلت أشياء، وبعض الإيجاز أبلغ من  الإطناب

الهدف الأدبي لهذا الموسم هو أن نخلق للقاهرة شواغل  جدية، بعد أن طال عهدها باستصغار قيمة الوقت، وبعد أن  كان غذاؤها لا يزيد عن اجترار القيل والقال

الهدف الأدبي لهذا الموسم هو أن ننطق بعض الكليات  التي لا تنطق!

الهدف الأدبي لهذا الموسم أن ننقل القاهريين من الاختصام  في التوافه، إلى الاختصام في الحقائق

باسم الله نفتتح هذا الموسم، ولن يتخلى الله عن بناء كان  اسمه أول ما سطر على حجر الأساس   (وقل اعملوا فسيرى الله  عملكم ورسوله والمؤمنون)

اشترك في نشرتنا البريدية