أطال الأستاذ محمود على قراعة فى الاستشهاد بأقوال بعض العلماء والصوفية وفلاسفة الأخلاق، وملأ أربع صفحات من الرسالة الغراء (العدد ٣٢١) ليثبت أن لذة الروح أرقى من لذة الجسم حتى يتسنى أن يثبت أن نعيم الآخرة روحى. وأنا لا أنكر أن لذة الروح أرقى من لذة الجسم، ولا أحتاج عليه إلى دليل من كلام أحد، وأرى الأمر أهون من أن يحتفل به هذا الاحتفال مادام الله تعالى لم يكلفنا - بعد الإيمان بالآخرة والجزاء فيها - أن نعلم نوع هذا الجزاء أهو حسى أم روحى
على أن جميع ما أتى به الأستاذ - ومثله معه، وإن كان من نوعه طبعاً - لا يجدي شيئاً فى تأييد دعواه. وأما دعوانا فهى واضحة جلية أعجب كيف يكابر فيها وهى تستند إلى هذه الأمور المسّلمات:
١ - إن جميع النعم الحسية التى ذكرت فى القرآن الكريم كالمأكولات والمشروبات والأزواج(1) ورؤية الله تعالى، هى
حسية حقيقية لا مجازاً، وإن كانت على غير ما نتصوره فى الدنيا؛ فالتفاح والرمان مثلاً هو تفاح ورمان، وإن كان من الجودة بحيث لا نعلم.
٢ - أجسامنا فى الآخرة - كيفما كان الرأى فى إعادتها - هى أجسام، وإن كانت على نشأة أخرى كما تقتضى إرادة ربنا تعالى ٣ - مادامت النعم الحسية لا تتغير أسماؤها هناك، ومادامت الأجسام لا تصير أرواحاً هناك، فإدراك الأجسام لتلك النعم إدراك حسى، وإن كانت حسيته بحسب قابلية الجسم فى ذلك الوقت فإذا سُلم هذا - وهو مسلم - يُبرهن على دعوانا بقياس منطقى اقترانى من الضرب الأول من الشكل الأول، تؤخذ مقدمتاه من هذه المسلمات، فيقال:
(النعم فى الآخرة تدرك بالحواس الجسمية؛ وكل ما يدرك بالحواس الجسمية فهو حسى؛ فالنعم فى الآخرة حسية). ونتيجة هذا القياس لا تنقضُ حتى تنقضَ المقدمات، وهيهات. وبعد فلا أضن الأستاذ قراعة يفهم من هذا أننا ننكر أن النعيم الحسى لا يتصل بالروح، ولكن اتصاله بالروح، لا يمنع أنه نعيم حسى. والسلام على الأستاذ ورحمه الله. فلسطين

