الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

كلمة السيد كاتب الدولة للتربية القومية

Share

اني قد حاولت التخلص لبعض لحظات من شواغلى ككاتب دولة للتربية القومية للحضور بينكم ، وقبلت بابتهاج رئاسة جلسة افتتاح أشغالكم ، لكن واحتراما للصفة الحرة غير الحكومية التى لمنظمتكم ولاجتماعكم فأنى قبلت ذلك بوصفى جامعيا فحسب . وهكذا أكون قد قمت قياما بسيطا - ولكنه لا يخلو من خالص العطف - بواجب محبب الى النفس ألا وهو اقتبالكم اقتبلا أخويا وتوجيه تحية الجامعة التونسية الناشئة اليكم والى المنظمات التى انتدبتكم  .

وهل توجد فرصة أحسن وأفضل من هاته التى سنحت للجامعة التى نخدمها كلنا أن تثبت مرة أخرى دوام تقاليدها وقيمها المثلى ، وللفكر أن يعلن باعتزاز من جديد عن حريته المطلقة وكرامته الاصيلة ؟ كيف لا وأن أشغالكم ستهتم أولا وبالذات بالفكر أى بالانسان وان اجتماع كل هؤلاء الجامعيين والعلماء والمثقفين من أنحاء العالم ضمن مؤتمر حرية الثقافة ولجنة العلوم والحرية ، وانعقاد هذا الملتقى نفسه لمن الادلة العديدة المؤثرة الساطعة على بحث الانسان وجوسه المتفانى فى سبيل تحقيق مصيره الفكرى وان اختياركم تونس لملتقاكم له معنى رمزي بعيد .

ذلك أن هذا البلد ليستقبلكم فى نطاق وحدة فكرية كاملة حيث أن تونس التي يقودها منذ 30 سنة رسول الحرية والثقافة الرئيس الحبيب بورقيبة . والتي دخلت بحماس ، منذ حصولها على استقلالها ، معركة تشييد - الانسان - تهئ لكم جوا يساعد على الاستفسارات والمباحثات والمجادلات الاساسية . وان جغرافية وتاريخ تونس - التى تقع وسط البحر الابيض المتوسط كجسر ممدود بين الشرق والغرب تتلقى من قرن لآخر مد وجزر الفكر الذي يهب من الشرق أو من الغرب - يجعلانها تشعر بنحو من الميل الى مساعدة مثل هذه المحاولات الشريفة.

وهذه الارض - التي شاركت منذ القديم مشاركة فعالة في جميع المبادلات والاتصالات بين الحضارات والشعوب من الفنيقيين والاغريق والرومان الى العرب والوندال والاتراك والفرنسيين - قد جعل منها العصير التاريخي لا نقطة اتصال

بين حركات الشعوب المتنوعة فحسب بل ملاذا وملجأ يحتمى به أثناء الغزوات فتجتمع به الاجناس المتنوعة ويختلط بعضها ببعض وتقوى وتزدهر . وهكذا حافظت تونس على مؤلفات مختلف الكتاب من ترتيرليان والقديس أوغيستينوس الى ابن خلدون ، كما حافظت على آثار المعتقدات المتنوعة من يهودية ومسيحية واسلامية وآثار المذاهب الفلسفية والدينية المختلفة .

وهذا العصير الذى نشأ عن وضع تونس الجغرافى والذى صاغ وطبع بطابعه الخاص روح البلاد ذاته قد نما بفضل الحوادث العالمية العصرية وبفضل تكاثر المبادلات التي سمحت بها فنون العصر الحديث.

وقصارى القول انه ينبغى أن نستعرض جميع أطوار تاريخ هذه البلاد العربية الاسلامية لنتبين المكان الذى وقع فيه أكثر تحاكك وأدومه بين الثقافات والحضارات ، ان تونس تعطينا الدليل تلو الدليل على أن مناهج سلوكها وجوهر فلسفتها وتفكيرها السياسي والثقافى مستمدة من هذه الرسالة الطبيعية.

ورغم مواجهتها في آن واحد للمشاكل العويصة التى تعترض البلدان القليلة التطور عند ما تتحرر فأن تونس - أرض الثقافة - لم تزل منذ ثلاثة سنين - أى منذ ان أرجعت استقلالها - توالى بذل المجهودات فى سبيل التربية والجامعة حيث أن نصيب التربية والتعليم من الميزان الذى أثقلت كاهله حاجيات التمويل والتجهيز الاقتصادى فى ازدياد مستمر ، فقد بلغ هذه السنة ما يقرب من 19 في المائة أى خمس ميزانية الدولة تقريبا

وان الارقام التالية لتدلنا على مدى انتشار التعليم الابتدائى بالبلاد

التونسية :

فمن مجموع 000 800 طفل تقريبا يؤهلهم سنهم لمزاولة التعليم لم يقبل منهم في المدارس الابتدائية فى أكتوبر سنة 1955 الا 000 250 وقد بلغ هذا العدد أكثر من 350000 في مستهل السنة الدراسية الحالية وان المشاريع المضبوطة تجعلنا نأمل أن يجد جميع الاطفال مكانهم فى المدارسة بعد مضى أقل من عشرة  سنين .

وفي ميدان التعليم الثانوى لم تزل شبكة المعاهد الثانوية في نمو حتى تعم المدن الجهوية الصغيرة التى كانت محرومة منها ولم يزل عدد التلامذة في ازدياد متواصل ، وهكذا الامر بالنسبة لمعاهد التعليم الفنى والتكوين الصناعي

ولكن لا تتجلى مراعاة جهود بلادى لمبادىء ومقتضيات الثقافة بهذه الصورة فحسب ، فان مشروعا لاصلاح التعليم قد أنجز ودخل حيز التطبيق في غرة أكتوبر من هذه السنة وهو يهدف أولا وبالذات الى ملاءمة التربية والتعليم لمقتضيات

تطور الامة ولمقتضيات العصر الحديث والى تحوير برامج التعليم حتى تصبح أكثر فاعلية وذلك بالتخفيف من المواد الثانوية والاكثار من المواد الاساسية وخاصة العلوم والرياضيات

ولقد مكننا هذا التحوير الاصلى من الاقتصاد في مدة التعليم وساعاته وخول لنا تحقيق انتشار التعليم دون الزيادة في محلات التعليم وفي عدد المعلمين.

أما النتيجة الحاسمة لهذا التحوير فهو اعطاء تعليمنا صفة علمية وتوجيها فنيا وذلك تماشيا مع الاتجاه الحالى الذى أصبح من خصائص فكر وعالم خاضعين كل الخضوع للعلوم والفنون.

واخيرا يختص اصلاح التعليم بارادة تخليص التربية من آفاق قومية ثقافية ضيقة حتى يكون التعليم التونسي متصلا كل الاتصال ببقية العالم وبمختلف الحضارت والثقافات

فبفضل دراسة اللغات والآداب الاجنبية دراسة ضافية وبفضل اتساع نطاق البحوث التاريخية والجغرافية أصبح التعليم يهدف بصفة مباشرة الى اظهار التضامن المتين الذى يجمع بين الثقافات والى اثبات معنى الدوام التاريخي وتطور احداث الحضارة البشرية الهامة وأخيرا الى بيان الارتباط الذي يوجد بين الاحداث الاقتصادية والاجتماعية فى عالم ليسوده روح التضامن المتـين

وأخيرا تتمة لهذا المشروع الثقافى الكامل فان انشاء جامعة تونسية قائمة بذاتها يسترعى انتباه الحكومة . فمنذ ثلاث سنين أحدثت معاهد مختلفة للتعليم

العالي :

- دار عليا للمعلمين تسهر على تكوين أساتذة التعليم الثانوى

- مركز للدراسات الاقتصادية .

ومدرسة عليا للحقوق .

وبالاضافة الى الجامعة الزيتونية والى معهد الدراسات العليا الذى يحتوى خاصة على أنواع مختلفة من الدراسات العلمية تحت أشراف جامعة باريس فان هذه المؤسسات تكون عناصر صحيحة لجامعة تونسية ذاهبة نحو تطور ونمو سريع.

انى لم أرد بهذه المعلومات التي بسطتها لكم فى شأن الجامعة واصلاح التعليم الجديد أن أسبق البيانات المفصلة التى سيقدمها لكم فى هذا الباب زميلاى الفاضلان الفاني والشابى بل كل ما أردته هو أن أبين لكم باختصار المبادىء التي سارت عليها مجهودات و انجازات بلادى فى هذا المضمار .

فاذا كان من أهداف الاصلاح الاساسية نشر التعليم بصفة شاملة وجعله اجباريا في أقرب وقت ممكن ومتماشيا مع تطور العلوم والفنون ومع واقع العالم الحديث ومقتضياته ، واذا كانت الجامعة التونسية الناشئة من جهة أخرى تسعى الى أن تقوم على أساس البحث العلمى وأن تستنبط قواها الاساسية من سلطة

الفكر الخلاقة ومن جهوده في سبيل اكتشاف الحقيقة - فان تونس - الدولة المستقلة والدولة العصرية رأت أن من أول المهام التى يجب عليها القيام بها - بعد ما تحررت - العمل علی ایجاد نظام تعلیمی وتثقيفى وجهاز جامعي يلائم في آن واحد عبقريتها الخاصة وتقاليدها الثقافية ومثل العصور الحديثة حيث أنها فهمت ان الحرية والثقافة لا تنفصلان بعضهما عن بعض وان لا حرية حقيقية للانسان اذا لم تسم قوات الانسان الحيوية لتبحث بحثا عميقا لا نهاية له عما يمكن الانسان من اصابة مصيره وكيانه وذلك بانتهاج سلوك فكری علمی وتمحيص قيم الحضارة تمحيصا مضبوطا موضوعيا .

ان الثقافة التي هي من عمل الانسان والتي هي خلق حر حسب مفهومها - ودائم حسب جوهرها - تخلق من جهتها وتخلد الانسان الحر البالغ من الكرامة البشرية المستوى اللائق بمعنى انسانیته

ان بلادي تريد أن تبقى مخلصة لهذا المعنى من الثقافة وذلك بواسطة نظامها  التعليمي وجامعتها تماشيا مع رسالتها ومع تقاليدها وهي لا تنسي أن التراث  الفكرى والتقاليد الثقافية العربية الإسلامية التى تنتسب اليها والتى تعمل على  احيائها وتعصيرها ترفض كغيرها من الحضارات البشرية الكبرى « اشتراكية الانسان » وهى ما زالت متعلقة تعلقا عميقا بحرية البشر الذى تريد أن تبتعد به عن تحديده بالمجتمع أو بالاقتصاد وهى لا تنسى كيف استطاع الاسلام مع احترام الكرامة والحرية البشرية أن يخلق وأن ينمى فى الانسان الضمير الاجتماعي ذلك المعنى الجماعي الذى ألف طوال القرون بين الملايين من البشر دون أن يحدد أو يفسد من ارادة الانسان الحرة .

ان تونس لا تجد عناء في أن تقيم من جديد التعليم والجامعة والثقافة العصرية التي اختارتها بعزم ثابت على أساس تلك الانسانية التي سلكت مذهبا ديناميا » والتي تحافظ عليها بحماس . فبفضلها استطاعت أن تلائم على أحسن وجه بين ارادة التعصير وبين المحافظة على ذاتية ثقافتها وأن تجد حلا للمشاكل الناجمة عن علاقة الثقافة بالحرية وعلاقة المجتمع بالثقافة وعلاقة المجتمع بالجامعة .

هذا سيداتي سادتي هو باختصار أهم عناصر المثل التى تسير على هديها الى الامام تونس المستقلة ، ولهذا قلت في بداية حديثى منذ حين ان تونس البلد الذي التقت فيه الحضارات والمكان الممتاز لتحاكك النظريات الخلاقة ومرفأ السلام البعيد عن الاضطرابات والهيجان والساحل السعيد لهذا البحر الابيض المتوسط الذى كان مهد ومنبع كثير من الحضارات ، هذا البلد يستقبلكم وهو في صعيد واحد معكم من الافكار والمبادىء . وهذا ما يجعلنى أثق بنجاح ملتقاكم وبنتائجه المثمرة.

ولا يسعنى فى ختام هذه الكلمة الا أن أتمنى - وأنا أفتتح هذا الملتقى - أن تنجح أعمالكم نجاحا تاما

اشترك في نشرتنا البريدية