ولد في قرية المحدثة من اعمال لبنان سنة ١٨٨٩ - وهاجرالى مصر سنة ١٩٠٠ وعمره احدى عشرة سنة فاشتغل بالتجارة هناك مع قريب له دون ان يتم دراسته الابتدائية . وفى سنة ١٩١١ قصد الولايات المتحدة الامريكية وأقام فى بلدة سنساني يعمل فى التجارة ويشارك فى تحرير بعض الجرائد وفي سنة ١٩١٦ انتقل الى نيويورك وانضم الى الرابطة القلمية التى تأسست سنة ١٩٢٠ برئاسة جبران خليل جبران وفي سنة ١٩٢٩ انشأ مجلة السمير بنيويورك نصف شهرية وظلت تصدر الى حين وفاته فى شهر نوفمبر ١٩٥٧ .
ظهر له اول ديوان بعنوان " تذكار الماضى " طبع بالاسكندرية سنة ١٩١١ ولم يلاق نجاحا يذكر ، وفى سنة ١٩١٩ ظهر له جزءان بعنوان ديوان ايليا أبى ماضى ومقدمة لجبران وفيه بعض شعر التأملات والوطنيات والقصص الشعري .
وفي سنة ١٩٢٧ ظهر في مطبعة " مرآة الغرب " بنيويورك ديوان الجداول الذى طبع بعد ذلك مرتين بالنجف مع بعض تعديل وفى سنة ١٩٤٠ طبع " ديوان الخمائل " الذى اعيد طبعه فى بيروت سنة ١٩٤٦ فكان متوجا لحياة كلها كفاح فى سبيل المجد الادبى
آخر شاعر روما نطيقى
رحم الله أبا ماضى لو مات قبل ربع قرن او نحوه لاحدث موته رجة في المحافل الادبية لا تقل عن الرجة التى احدثها موت شوقى ؛ ذلك ان الرومانطيقية كانت في اوج قوتها وانتصارها .
كان الشابي فى تونس وعلى محمود طه فى مصر وأبو شبكة فى لبنان وايليا ابو ماضى وصحبه في امريكا من اقوى دعائمها واكبر ممثليها في العالم العربي -
وكان العالم العربى حينذاك روما نطيقي الروح في حياته الفنية - وكانت قصائد ابي ماضى تعد حين صدورها حدثا ادبيا فكانت تتناقلها الصحف وتتدارسها النوادي وتستنسخ فى الكناشات كانفس الاعلاق . وكان جيل ١٩٢٧ وما بعدها مفتتنا بشعر ابى ماضى يبحث عنه في كل مكان وينقله حيثما ظفر به ويحفظه عن ظهر قلب ويود . بكل شوق . الظفر بديوان الشاعر من نيويورك ولو بذل في ذلك المال والجهد وهيهات ان يصل اليه .
نعى ابو ماضى منذ اشهر قلم يثر نعيه إلا اصداء خافتة في الصحف والمجلات الادبية والمحافل الشعرية ؛ وكانت كلمات التأبين كلمات جانب اللياقة فيها اظهر من جانب التقدير والتفجع .
فهل معنى ذلك ان عصر الرومانطيقية قد انقضى واننا ودعنا بوداع ابى ماضى آخر شاعر رومانطيطي في العربية ؟
نظرة في شعره
اول ما يبدهك من شعر ابى ماضى نزعته الباسمة المحبة للحياة او ما يسمونها " بالتفاؤلية " ؛ فالقصائد والابيات التى يريد الشاعر ان يقنع فيها الناس بترك الشكوى من الحياة وتقبل آلامها بعدم التوجع والبحث فيها عن جوانب الجمال كثيرة تكاد تستوعب اغلب شعره .
وهي على كل لسان بل هي من محفوظات اطفال المدارس فهو الذى يقول " كن جميلا تر الوجود جميلا "
والذى يقول : والذى نفسه بغير جمال لا يرى فى الوجود شيئا جميلا وهو القائل : خل البكا ياصاحبى والاسى الليل لا يقصيه عنك النحيب
وفى قصيدة "عش للجمال" يقول :
عش للجمال تراه العين مؤتلقا في انجم الليل أو زهر البساتين
وفى الربى نصبت كف الاصيل بها سرادقا من نظار للرياحين
خير وأفضل ممن لا حنين لهم الى الجمال تماثيل من الطين
ولكن المتامل فى هذا التفاؤل يبدو له وكانه نوع من الخداع يخدع به الشاعر نفسه او غيره . وانه لا يعدو ان يكون هروبا من عالم الواقع المؤلم خصوصا لمن كان مثله في غربة وجهاد لاجل العيش
ان الشاعر يفزع من رؤية الاشياء كما هى في الواقع فيضعها فى عالم محلى بالرؤى مزخرف بالأوهام والاحلام .
" ان التفكر فى الحياة يزيد اوجاع الحياة "
اذا انا لم اجد مريعا خلقت الحقل فى روحى وذهنى
اذا انا لم اجد حقلا مريعا خلقت الحقل في روحى ودهنى
فكادت تملا الاثمار كفى ويعبق بالشذا الفواح ردنى
أليس من باب التعلل وخداع النفس قول الشاعر :
كل نجم الى الافول ولكن آفة النجم ان يخاف الافولا
حقا ان ابا ماضى ليخدع صاحبه حين يقول له " ابتسم " :
قال السماء كئيبة وتجهما قلت " ابتسم " يكفى التجهم فى السماء
ذلك ان الابتسام والتفاؤل غريبان عن الروح الرومانطيقية ؛ ان نفس ابى ماضى نفس حزبنة كئيبة اذا هو ارسلها على سجيتها ولم يتكلف التفاؤل فهو الذى يقول :
وكيف اغتباط المرء لا اهل حوله ولا هو من يستعذب الصفو نائيا
ويقول ايضا :
لاارى لي من همومى مهربا فهى في هذا وذياك الطريق
وفي قصيدة : " يا نفس " يخاطب نفسه الحزينة الباكية :
مالك يا هذه لا تضحكين للحبب الضاحك فى الكاس
ويحك لا فى عزلتى تطربين ولا اذا كنت مع الناس
وفي قصيدة " وقائلة " نجد نفس المرارة والكآبة . فلقد سالته صديقته عن سبب صمته ووجومه والدنيا حوله جميلة مغرية والشباب عنده فى ريعانه فاجابها :
فما حطمت يد الايام روحى وان حطمت ابريقى ودنى
ولم اعقد على خوف لسانى ولا ضنا على الدنيا بفنى
ولكنى امرؤ للناس ضحكى ولى وحدى تباريحى وحزنى
ولي وحدي تباريحي وحزني
وهكذا يأبى ابو ماضى الا ان يكون رومنطيقيا وإن تظاهر بالابتسام والبهجة ودعا اليهما .
وابو ماضى كثير التناقض والحيرة فى شعره ، متردد بين الايمان والكفر شاك في ما يحسبه الناس حقائق ومسلمات ؛ ولنضرب لذلك مثلا برأيه فى الانسان
ومصيره . فنحن نراه فى قصيدة " الطين " يفضل الطبيعة على الانسان ويرفع من قدرها بقدر ما يحقر من شانه ويحط من قيمته
نسي الطين ساعة انه طين حقير فصال تيها وعربد
وكسا الخز جسمه فتباهى وحوى المال كيسه فتمرد ......
وفي قصيدة " الشاعر والسلطان الجائر " يثبت العجز للسلطان المتكبر المعتز بقوته وجبروته ويسميه " الكائن المغرور " ويذكره بان النملة والعنكبوت ابرع منه واحكم ؛ يقول الشاعر للملك الجائر:
ولقد نقلت لنملة ما تدعى فتعجبت مما حكيت كثيرا
قالت صديقك ما يكون ؟ أقشعما أم أرقما ام ضيغما هيصورا ؟
أيحوك مثل العتكبوت بيوته حوكا ويبنى كالنسور وكورا
والانسان عند ابى ماضى مجنون تشغله رؤية جلاله وجماله عن رؤية جمال الليل وجمال الشهب
ليس جلال الليل ما ادهشني وانما ادهشنى جلالى
ولا جمال الشهب ما حيرنى وانما حيرنى جمالى
ان كان بى شوق الى وصال
فانما شوقى الى خيالى
والانسان " اله ثرثار " يحسب نفسه كل شىء وانما هو في الكون جزء من الكون مثل الثرى والنبت والحصى :
زعم المرء انما هو رب كم يلوك الكلام هذا الاله فى التراب الذى تدوس عليه الف دنيا وعالم لا تراه انت جزء من الكيان وفيه كثراه كنبته كحصاه
ولكنه في قصيدة " العليقة " يعود ويعلن ايمانه بالانسان وبجدوى جهوده، في الحياة ويؤمن بالمجد ويسعى له حتى فى السراب بل ويجد لذته في العذاب :
ان عودا فيه ماء ليس عودا لا حتطاب
انا في فجر حياتى انا فى شرخ شبابى
انا لم اضجر من العيش ولم املل صحابى
وفي قصيدة " التينة الحمقاء " التى ابت ان تقدم ثمرها ضنا به على الناس كما
أبت ان تجود بظلها للطير والبشر وقالت انها ستفصل ظلها على جسدها وتحبس عوارفها على ذاتها فانكمشت على نفسها وكانت نهايتها ان اكتسي الشجر كله فى فصل الربيع وظلت التينه عارية يابسة فاجتثها البستاني من اصولها ورماها للنار لانها صارت عديمة النفع رافضة لفكرة الاخذ والعطاء .
وفي قصيدة " بردي يا سحب " ، نراه يؤمن بالنفعية وبان كل شئ فى هذا الوجود يجب ان يقوم بالوظيفة التى خلق من اجلها والا فهو لا يستحق البقاء .
كل نجم لا اهتداء به لا أبالى لاح او غربا
كل نهر لا ارتواء به لا أبالى سال أو نضبا
وهكذا نجد ابا ماضى ، في خاتمة المطاف . ينقلب من الرومانطيقية الحالمة والصوفيه الذاهلة الى الواقعية الارضية . كما ينتهى به الامر بعد الهزء بعجز الانسان وجنونه الى الايمان بجدوى جهوده فى المجتمع فكل من يرفض القيام بوظيفته في الحياة كان مصيره مصير التينة الحمقاء .
ويضيق بنا المقام لو رحنا نستعرض القضايا الفلسفية التى آثارها أبو ماضى فى شعره والتي نراه لا يستقر فيها على حال ولا يحاول ان يجيب عنها او يجد لها حلولا بل لا نجد الا الحيرة والتناقض والاضطراب وما قصيدة " الطلاسم " الا مثال على حيرته واضطرابه - فانه يثير المشكلة ويعقبها باسئلة عديدة محيرة ويستعرض لها اجوبة متعددة دون ان يختار واحدا منها بل يختمها باللازمة " لست أدرى "
التأمل العاطفى في الطبيعة
من اهم الموضوعات التى يتناولها الادب الرومانطيقى مسألة التأمل العاطفى في الطبيعة . ولم يشذ شعراء العرب الرومانطيقيون ، ولا سيما شعراء المهاجر, عن هذا المذهب فالطبيعة من اهم واوسع الموضوعات التى طرقوها فى اشعارهم . ونظرتهم اليها هى النظرة التى يتبادل فيها الشاعر العطف مع الطبيعة ويقف امامها وقفة الكائن الخاشع امام الكائن الجليل على حد تعبير الشابى,
والطبيعة عند الشعراء الرومانطيقين - هي كما يقول العقاد " قلب نابض وحياة شاملة ونفس نحن اليها ونأنس بها وذات نساجاها العطف ونجاذبها المودة "
ولا شك ان ابا ماضى كان من اكثر الشعراء المهجريين حديثا عن الطبيعة . وقصائده فى هذا المجال كثيرة وشهيرة . وربما رمز شعراء المهجر الى الطبيعة بكلمة " الغاب " التى يكثر ترديدها فى اشعارهم والتى تتضمن دعوتهم الحارة للرجوع الى الطبيعة والتمرد على قيود الحياة المدنية ومظاهر النفاق والزيف فيها . فمن قصائده الشهيرة في هذا الباب القصيدة التى اولها :
سئمت نفسى الحياة مع الناس وملت حتى من الاحباب
والتى يقول فيها :
قالت اخرج من المدينة للقفر ففيه النجاة من اوصاى
وليك الليل راهبى وشموعى الشهب والارض كلها محرابي وكتابى الفضاء اقرأ فيه صورا ما قرأتها فى كتاب
ومن ابدع قصائد ابى ماضى قصيدة " المساء " وفيها يخاطب الشاعر صديقته التى جزعت لذهاب نور النهار ومجىء ظلام الليل بوحشته ومخاوفه فهو يقول لها : لم الجزع والحيرة ولليل جماله وسحره
لكن لماذا تجزعين على النهار وللدجى
احلامه ورغائبه
وسماؤه وكواكبه
ويقول لصاحبته : ان غاب عنك الجمال ولفه الليل في برقعه الاسود مساويا في ذلك بين الجميل والقبيح فهناك الجمال الذي يتجلى في الليل :
فأصغى الى صوت الجداول جاريات فى السفوح
واستنشقى الازهار في الجنات ما دامت تفوح
وتمتعى بالشهب في الافلاك ما دامت تلوح
ومن قصائده البديعة قصيدة " ليل الاشواق "
رب ليل نجومه ضاحكات مثل احلام غادة فى صباها
لمست اصبع السكينة اشواقى فهبت مذعورة من كراها
ويحدثنا ابو ماضى فى " الجداول " عن زهرة اقحوان يرى فيها سرا من اسرار قلبه التى دفنها فى الغاب ؛ وفى صباح يوم ساقه روح خفى نحو ذلك المكان الذي دفن فيه سره
فاذا بالسر اضحى
زهرة من اقحوان
" والسجينة " هى زهرة جناها ولوع بالزهور واودعها حجرة من أحسن حجر قصره " لتشبع منها اعين وقلوب " وقد اوحى له مصير هاته الزهرة من معانى التفجع والرثاء ما جعلنا نرثى - بدورنا - لحالها ونبكى لمصرعها ولنهايتها الحزينة حين تلقى فى المزبلة وتداس بالنعال:
إسارك يااخت الرياحين مفجع وموتك يا بنت الربيع رهيب
ولكنها الدنيا ولكنه القضا وهذا لعمري مثل تلك غريب
وهو يحتفل حتى للفراشة فيصفها ارق وصف ويحدثنا عن صبية كانوا يجرون وراءها وهى تفلت من ايديهم وتنتقل من زهرة الى زهرة حتى اذا اتعبت الصبيان واتعبت نفسها احست بالموت يتمشى فى كيانها فاذا هي واهية القوة مسترخية الجناحين تعانى النزع والحشرجة واذا الشاعر يرثى لها ويكتئب لما صابها ولا يلبث ان يقارن مصيرها بمصير البشر اجمعين
فراشة الحقل فى روحى كآبته مما عراك ومما قد تولاك
ما اقدرالله ان يجيبك ثانية مع الربيع كما من قبل سواك
فيرجع الحقل يزهو في غلائله وترجعين - وأغشاه فألقاك
ورغم ان ابا ماضى قد فارق وطنه لبنان وهو ابن احدى عشرة سنة ولم يرجع اليه الا غداة عزمه على الرحيل الى امريكيا سنة ١٩١١ حيث قضى فصل الصيف هناك ثم ظل بعيدا عنه ما يزيد عن ثلاثين سنة (1) فانه لم ينفك مستبدا بجماله واصفا له فى شعره - مثل بقية شعراء المهجر . وصفا يزيده الحنين والشوق حرارة وابداعا . فهو لا يفتأ يذكر امسياته فى الصيف وثلوجه فى الشتاء وسماءه المرصعة بالنجوم وصباياه المرحات فى الحقول - لبنان :
نشتاقه والصيف فوق هابه ونحبه والثلج فى واديه واذا عد له ذكاء حبالها بقلائد العقيان تستغويه واذا تنقطه السماء عشية بالانجم الزهراء تسترضيه واذا الصبايا فى الحقول كزهرها يضحكن ضحكا لا تكلف فيه
وفيها يقول هذا البيت القوى المؤثر:
وطني ! ستبقى الارض عندي كلها
حتى اعود اليه ، ارض التيه
ومن رائع شعره في هذا المجال القصيد الذي قاله فى تكريم صاحب المقتطف وفيه يتحدث عن لبنان :
ماثم من ذكرى اذا خطرت على قلبى استراح سوى خيال الوادى
افلا تزال الشمس تصبخ وجهه بالورس آونة وبالفرصاد
افلا يزال يذوب في امواجه ذهب الاصيل وفضة الآراد
لهفي اذا ورد الرفاق عشية وذكرت انى لست فى الوارد ....,
وفي الخمائل قطعة اخرى تتحدث عن جمال لبنان بعنوان "تاملات منها:
الشهب اسطعها التى فى افقها ليس الجلال الحق غير جلالها
واحب غيث ماهمى في ارضها حتى الحيا الباقى على اطلالها
فن ابي ماضى ورأي معاصريه فيه
بدأ حياته الادبية مقلدا ما يقرأ من قصائد القدماء معارضا لا شهرها وكثيرا ما يختار البحور الطويلة والاوزان الصعبة . وقد اكتسب ابو ماضي ثقافته من الكتب والدواوين شانه في ذلك شأن البارودى الذى كان احد اساتذته فى نظم الشعر. ويتفق مترجموه على انه لم يتم حتى دراسته الابتدائية بل كان يدرس بنفسه اللغة والنحو وبعض المبادئ العربية - ويمكن اعتبار ديوانيه الاولين نتيجة هاته الدراسة الفردية فهما محاولتان في الشعر قد فشل الشاعر فى اغلب ما جاء فيهما من القصائد حتى اذا اتصل ابو ماضى باعضاء الرابطة القلمية ظهر التحول واضحا تاما فى تفكيره وفي اسلوب شعره وبدأت شاعريته تبرز بجلاء فى " الجداول " لتكمل وتتالق بكل انوارها فى " الخمائل "
لقد سار ابو ماضى في الجداول مدى بعيدا فى التحرر والانطلاق وخطا خطوات شاسعة في الابداع والتفنن فاذا الاسلوب سهل نقى والالفاظ رقيقة والأفكار واضحة جلية والمعاني طريفة مركزة واذا القوافى متعددة والبحور مجزوءة والعبارة مبسطة حلوة الجرس .
ومع هذا التطور والانطلاق ومع هاته " الفتوحات " فى عالم الشعر الحديث فاننا نرى بعض النقاد في مصر . وفي غيرها . لا يرضون عن أبى ماضى وينقدونه
بدون هوادة - فالدكتور طه حسين في الجزء الثالث من حديث الاربعاء يعنف على الشاعر ويقسو عليه فيحكم على لغته بالرداءة وعلى صياغته بالوهن ويقول انه يتورط في المعانى الفاسدة وانه فاقد للحاسة الموسيقية وانه كثيرا ما يقع فى اخطاء نحوية وان كان يعترف له فى اثناء النقد بانه شاعر مجيد حقا خصب الذهن نافذ البصيرة ذكى القلب متقن الفهم لما يريد ان يقول موفق الى ااجادة التصوير لما يحب ان يصور .
والدكتور أبو شادي يمزج بين الاطراء والذم فى تقدير أبى ماضى ولكن جانب الذم والتعصب عليه اظهر من جانب الاطراء فهو يقول عنه ( المقتطف ١٩٥٢ ) " وابو ماضى من اقل شعراء المهجر اصالة فهو دون جبران ونعيمة وايوب وعريضة والشاعر القروى مثلا فى الطاقة الشعرية الاصلية وان كان اعذب من معظمهم لفظا واسلس بيانا وابو ماضى لا يعيش الا فى جوانب قليلة من شعره اهمها محبة الحياة والتمتع بها . وان جانبا غير قليل من نظمه الذي لا يمثل اية رسالة له يحيا لها ويحيا فيها - هو من قبيل الرياضة الذهنية فحسب ...."
والظاهر ان ابا شادي - رحمه الله -كان يضيق بمكانة أبى ماضى وسيرورة شعره ففضل عليه شعراء لا مجال للمفاضلة بينهم وبينه .
وممن كتبوا عن ابى ماضى الاديب الاردنى عيسى الناعورى فقد خصه بكتاب اسماه " ايليا ابو ماضى رسول الشعر العربي الحديث " والاديب السورى زهير ميرزا وله كتاب " ايليا ابو ماضى شاعر المهجر الاكبر " والاديب العراقي نجدة فتحى صفوت وكتابه بعنوان " ايليا ابو ماضى والحركة الادبية فى المهجر " ولم نطلع على هاته الكتب .
ويقول جبران عنه فى مقدمة المجموعة الثانية لشعره " وايليا ابو ماضى شاعر وفى ديوانه هذا سلالم بين المنظور وحبال تربط مظاهر الحياة بخفاياها وكؤوس مملوءة بتلك الخمرة التى - إن لم ترشفها - تظل ظمآن حتى تمل الآلهة البشر فتغمرهم ثانية بالطوفان .
ويقول ميخائيل نعيمة عنه فى مقدمة " الجداول " : " فبين هاته الجداول ما تنسكب معه روحي متر قرقة متر نمة مطمئنة جذلة بنور فى عينيها وجمال على جانبيها ، مرحة بحرية لا ارصاد عليها ولا قيود ومدى لا آفاق له ولا حدود " وسوف يمر الزمن معفيا على المنافسات والعصبيات ولا يبقى الا شعر هذا الشاعر الفذ يحتل اسمى مكانة في ديوان الادب العربى الحديث .

