من أعجب كلمات القرآن الكريم هذه الكلمة ذات الحرفين ، أو هذا الأمر بالقول الكثير الورود فى القرآن . وأبرز عجائبه عندى أنه يبطل فى حرفين زعم من يزعم أن القرآن من كلام النبى صلوات الله عليه ، لأنه يظهر بوضوح أن القرآن كلام من وجه إلى النبى هذا الأمر المتكرر المطرد ( قل . . ) :
( قل هذه سبيلى ، أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعى ، وسبحان الله ، وما أنا من المشركين ) ، (( سورة يوسف )) .
( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد ) (( سورة الكهف )) .
( قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء ، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) (( سورة الأعراف )) .
( قل ما كنت بدعا من الرسل ، وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم ، إن أتبع إلا ما يوحى إلى ، وما أنا إلا نذير مبين ) (( سورة الأحقاف )) .
( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ، أفلا تعقلون ) (( سورة يونس )) . فلو تأملت هذه الآيات الكريمة ، وهى قليل من كثير مثلها فى القرآن ، وصرفت النظر عن إعجازها الدال على أنها ليست من قول البشر ، لما وجدت شيئا يحمى القارئ المؤمن من أن يسبق إلى نفسه أنها من كلام النبى إلا هذه الكلمة الكريمة ذات الحرفين ، أو هذا الأمر ( قل .. ) فى أول كل منها ، لأن ضمير التكلم فى كل منها راجع إلى النبى صلوات الله عليه . فإن كان القارئ غير مؤمن وجد أمر ( قل ..) هذا قائما حيال كل آية يوقظه وينبهه أنه يقرأ كلاما لا يمكن أن يكون محمد قاله من عند نفسه ما دام مأمورا بالقول هكذا فى كل آية .
أو على الأقل يجد غير المؤمن أن العقيدة التى تلقاها ووقرت فى نفسه من أن القرآن كلام محمد تريد أن تتقلقل وتتزعزع بكلمة ( قل ) هذه كما قرأها فى مواطنها من الآيات . فكان هذه الكلمة الكريمة تقوم حيال كل آية وردت فيها تذود الشك عن نفس المؤمن وتزعج نفس غير المؤمن أن تطمئن . كما أراد غير المؤمن أن يفهم أن محمدا يقول : ( هذه سبيلى ) ، (إنما أنا بشر مثلكم) ، ( لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ) ، ( ما كنت بدعا من الرسل ) أزعجته كلمة (( قل )) عن هذا ، كانها تقول له فى كل مرة ليس هذا من كلام محمد ، ليس هذا من كلام محمد ، حتى ليجد نفسه مضطرا - إن كان يطيع داعى عقله - أن يتساءل من الذى يقول لمحمد قل .. قل .. قل .. هكذا بهذا لتكرار فى تلك الآيات وأمثالها فى القرآن .
وعجيبة أخرى لتلك الكلمة الكريمة كلمة ( قل .. ) أن ذكرها من رسول فى صلب رسالة المأمور هو بتبليغها يخالف كل مألوف الناس ، أو إن شئت يخالف إجماع الناس فى كل لغة وفى كل عصر فى الأدب أو فى الخطاب . واسأل نفسك هل تعرف فيما قرأت أو سمعت أن أحدا حين يبلغ رسالة حملها إلى فرد أو جماعة يبلغها مصدرة بقول قل أو بلغ أو نبئ أو أى صيغة أخرى من الصيغ التى يمكن أن تستعمل عند الأمر بالتبليغ أو الإخبار ؟ طبعا لا . فإن حامل الرسالة أو الخبر عند أدائها أو أدائه يجد نفسه بالطبيعة بين أمرين : إما أن يقتصر على الخبر أو الرسالة يلقيها بالنص أو بالمعنى من غير إشارة إلى مصدرها ، وإما أن يخبر أيضا عن الطبيعة بصيغة من صيغ الخبر التى جرى بها عرف اللغة فى الخطاب . أما أن يعيد نفس كلام الآمر عند الأمر حتى قول قل (( ونبئ )) فهذا يخالف كل ما جرى عليه البشر فى الكلام .
ولقد روى ثقات المحدثين عدة أحاديث للنبى صلى الله عليه وسلم بلغ فيها عن ربه بصيغة الخبر التى يقضى بها عرف اللغة ، مثل حديث : ( إن الله كره لكم ثلاثا :
قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال ) . رواه البخارى ومسلم وغيرهما فيها ذكر المنذرى ومثل الموعظة المشهورة له صلى الله عليه وسلم : ( أوصانى رب بتسع أوصيكم بها : أوصانى بالإخلاص فى السر والعلانية ، والعدل فى الرضا والغضب ، والقصد فى الغنى والفقر ، وأن أعفو عمن ظلمنى ، وأعطى من حرمنى ، وأصل من قطعنى ، وأن يكون صمتى فكرا ، ونطقى ذكرا ، ونظرى عبرا ) .
فها هو ذا النبى يبلغ عن ربه كما ألف الناس ، ليس فى الكلام قل ولا نبئ ولا أنذر ولا ماشابهما من الكلمات ، أقتبست كلمة ( قل ) و ( نبئ ) و ( أنذر ) وما ماثلها فى القرآن الكريم ، منفردة ومجتمعة ، شاهدا واضحا ومذكرا ناطقا على أن القرآن ليس بكلام محمد صلوات الله عليه ، وإلا لاتبع محمد الفصيح البليغ طريقة البشر فى التبليغ ، ولما خالف عرف الخطاب عند الناس أجمعين على اختلاف الألسنة واختلاف الألوان ؟
وعجيبة أخرى لهذه الكلمة المباركة كلمة ( قل ) أنها وأمثالها تدل دلالة واضحة على أن النبى صلى الله عليه وسلم حين أمر بتبليغ الرسالة القرآنية أمر أيضا بألا يغير منها حرفا ، ومنع من أن يتصرف فيها أى تصرف ، ولو كان ذلك فى الصيغة ، ولو كان ذلك بإسقاط كلة قل مع أداء منقول القول بالحرف دون أدنى تغيير . أليس من عجيب الحكمة وعظيم الرحمة أن أثبت هذا الحرف وأمثاله فى القرآن رمزا للرسالة وشهادة بها ، وليبدل الناس فى إيجاز وصراحة على أن القرآن ليس من عند محمد ، وأن محمدا تلقاه من عالم الغيب ونقله إلى عالم الشهادة بكل لفظ فيه وكل حرف ؟! فكل لفظ فيه وكل حرف هو من عند من أوحى القرآن إلى رسوله ليبلغه بنصه وقصه للناس .
( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. إن هو إلا ذكر للعالمين ) (( سورة ص )) . ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ، إن أجرى إلا على الله وهو على كل شئ شهيد ) .
( قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب . قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد . قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى ، وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى ، إنه سميع قريب ) .
ماذا يا ترى يمنع القارئ الذى لا يفقه إعجاز القرآن أن يقول فى نفسه إن هذا كلام من يرجع إليه ضمير المتكلم إلا كلمة ( قل ) هذه تقوم فى أول كل آية كالحارس القائم بسلاحه على مستودع ذخيرة جيش ، أو كالدريئة القائمة دون صدر جندى من جنود الله ؟
والآيات الأخيرة فى القوس الأخير آيات متتالية من آخر سورة سبأ . فأعد قراءتها الآن . ماذا تجد وقعها فى نفسك ؟ ثم اقرأها مرة أخرى من غير كلمة ( قل ) فى أول كل منها ، ماذا نجد الآن ؟ أرأيت الفرق بين الأيات الكريمة كما أنزلها إلى وبينها نفسها بعد حذف هذه الكلمة المتكررة فيها ، والتى قد يظن الملحد والجاحد أن لا لزوم لها فى الكلام ! فهذه عجيبة أخرى وسر آخر من أسرار هذه الكلمة الكريمة كلمة ( قل ) ، التى تميز القرآن وتفرد بكثرة ورودها فيه من بين جميع الكتب المنزلة على الأنبياء .
وفى القرآن آيات قليلة جدا لعلها لا تتجاوز الاثنتين فيها ضمير المتكلم راجع إلى النبى صلوات الله عليه ، لكنها لم نصدر بهذا الأمر الكريم أمر ( قل .. ) كمثلها من الآيات . لكن شاءت رحمة الله وحكمته أن يحيطها بما يذود خاطر السوء عن قلب القارئ ذود اليقين ، مثل آية آخر سورة النمل ؛
( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها ، وله كل شئ ، وأمرت أن أكون من المسلمين . وأن أتلوا القرآن . فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين ) .
ألا ترى إلى كلمة قل فى آخر الآية الثانية كيف صححت موقف العقل من الآيتين جميعا ، وسدت عليه باب احتمال أن تكون الآيتان من كلام النبى أدرجنا فى القرآن ؟ إن لها وقعا بلاغيا عظيما . ففرق بين الآيتين الكريمتين
كما أنزلنا وبينهما بحذف كلمة قل من ثانيتهما مع إثبات الفاء طبعا . لكن هذا الفرق لا يبلغ مبلغه فى حالة الآيات الكريمة التى سبق الاستشهاد بها من آخر سورة سبأ. فهناك يتفكك الكلام ويذهب عنه كثير من الروعة ، وهنا لا يدرك تفككه وإن ذهب عنه من الروعة والجلال ما ركز فى كلمة ( قل . . ) هذه . لكن بقطع النظر عن هذا لا تتغير الرسالة الكريمة المودعة فى الآيتين بحذف ( قل ..) من ثانيتهما ، وإنما يتفتح للشيطان باب الوسوسة إلى الإنسان ؛ وأقل ما يوسوس به أن هذا كلام للنبى اندرج فى القرآن ، ليزلزل بذلك من القارئ المؤمن اعتقاده أن القرآن كلام الله كله ، ليس لمخلوق منه حرف ، نبى أو غير نبى . وسيلجأ المؤمن طبعا إذ ذاك إلى خاصة الإعجاز يدرأ بها الوسوسة عن نفسه . ولكن كم فى الناس من أوتى من البصر ما يستطيع به إدراك إعجاز الآيات ؟ سهل على الشيطان أن يشكك فى الإعجاز اللغوى لآية أو آيتين ، لكن من الصعب حتى على الشيطان أن يطمس الدلالة العقلية لكلمة ( قل .. ) فى آخر الآية الثانية إن الآيتين كلتيهما ليستا من كلام النبى ، وإنهما لا يمكن أن تكونا من كلام النبى بوجه من الوجوه .
الحق أن وجود كلمة قل وأنذر ونبئ وأمثالها فى القرآن لا يمكن أن يستقيم فى عقل مع الفرض الذى يلبس به الشيطان على الملحدين والجاحدين أن القرآن من كلام محمد بن عبد الله . فكل منها كاف لزعزعة هذا الفرض فى نفس مفترضة إذا اقترن بشىء من الإخلاص ؛ وكلها كاف لاقتلاعه من أساسه وإبطاله كل الإبطال عند طلاب الحق من مفكرى غير المؤمنين ؛ وتكون الخطوة التالية لهم إذا تابعوا التفكير أن يتساءلوا من هو ذلك الذى وجه إلى محمد هذا الأمر بالقول أو الإنذار أو الإنباء ما دام قد وضح أن القرآن هو نص كلام ذلك الآمر ؟ إذ لا يمكن فى طبيعة التفاهم اللغوى الإنسانى أن يكون هو كلام محمد الأمور المشهود له بالإخلاص حتى عند هؤلاء .
وقد سهل الله لمن يتجه هذا الاتجاه ويبلغ هذه المرحلة من التسآل أن يصل إلى الحق بالدلائل العقلية الأخرى التى أودعها الله سبحانه واضحة جلية فى القرآن . ومن غير الممكن الآن أن نوضح إلا بابا منها ببعض الأمثال .
خذ إليك الآيات الكريمة الآتية :
( قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتى يوم لابيع فيه ولا خلال ) (( سورة إبراهيم ))
( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ) (( سورة الزمر ))
(نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم . وأن عذابى هو العذاب الأليم ) (( سورة الحجر )) .
( قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) (( سورة الإسراء )) .
فهذه آيات كريمة حوت هذا الأمر الكريم قل ونبئ ، ولكنها حوت أيضا ما يدل دلالة قاطعة على أن الآمر محمد - صلوات الله عليه - لا يمكن أن يكون أحد من الخلق ، لأن ضمير المتكلم فيها لا يمكن أن يكون راجعا إلا إلى الله رب العباد ورازقهم ورب الخلق أجمعين .
ويلاحظ أن رجوع ضمير المتكلم إلى الحق سبحانه لا يكفى وحده دليلا على قرآنية الكلام ، فهناك أحاديث شريفة رواها ثقات المحدثين فيها ضمير المتكلم راجع إلى الله سبحانه ، وسموها من أجل ذلك أحاديث قدسية تمييزا لها ، ولكن لم يقل أحد إنها من القرآن خذ إليك منها :
عن أنس رضي الله عنه ، قال سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول : ( قال الله يا ابن آدم ، إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى ) رواه الترمذى .
عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال الله عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به ) الحديث . رواه البخارى ومسلم .
عن أبى ذر رضى الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول الله عز رجل يا بنى آدم : كلكم مذنب إلا من عافيت . فاستغفرونى أغفر لكم وكلكم فقير إلا من أغنيت فاسألونى أعطكم ، وكلكم ضال إلا من هديت فاسألونى الهدى أهدكم ) رواه مسلم .
فهذه أحاديث شريفة فيها ضمير المتكلم راجع إلى الحق سبحانه وليست بقرآن . والفرق بينها وبين الآيات الكريمة المستشهديها أخيرا هو - بعد فرق الإعجاز - صيغة الأمر (قل . . ) فى الآيات ، وصيغة الخبر قال الله ويقول عز وجل - فى الأحاديث .
هذه دلالة لفظ واحد من ألفاظ القرآن على حقيقة القرآن . والقرآن كله بعد ذلك دلائل على أنه من عند الله لا من عند أحد من خلقه . ولكن يسر الله القرآن للذكر لو يذكر الإنسان .
