أتيحت لنا فرصة الاطلاع على الخطة التي وضعها الفنيون من رجال وزارة المعارف العمومية المدارس الريفية المزمع إنشاؤها ، كما اتيحث لنا فرصة النظر في بعض المناهج التي رسمت لإنفاذ تلك الخطة . وقد كان ذلك جزءا من خطة الإصلاح الذي رسمه معالي أحمد نجيب الهلالي باشا في تقريره .
ونري من واجبنا ان نتجه بهذه الكلمة إلي معالي الوزير مدفوعين برغبة مخلصة في بلوغ تلك الاغراض التي يحرص عليها معاليه ، كما يحرص عليها كل مخلص لشعب هذه البلاد .
الخطة المرسومة ، والمناهج التي فصلت الدراسة على مقتضاها كلها سليمة ، ولا يتردد خبير في أمور التعليم في أنها قد درست دراسة فيها كل ما يتطلبه المربي من تمحيص ونظر دقيق . ولا شك ان الخطة في مجموعها يمكن ان تعتبر مجهودا عمليا قويا في سبيل إصلاح ما نشكو
منه في التعليم الإلزامي . فهناك مبادئ عدة قد اعترفت بها الخطة الجديدة ، وهذا الاعتراف وحده يبعث إلى الاطمئنان على سلامة الاتجاه الجديد .
التعليم في الخطة الجديدة يشمل اليوم كله . والخطة الموضوعة محتوي علي الدراسات النظرية الكافية من لغة ودين وحساب ورسم وصحة ورياضة بدنية .
وتشمل الخطة كذلك الناحية العملية . ففي المدرسة الريفية الجديدة طرف من دراسة الفلاحة والنبات والحيوان والصناعات المتعلقة بالزراعة في الحقل والدار ، والصناعات المتعلقة بغلات الحقل والماشية ، وذلك كله يختلف باختلاف من التلاميذ واختلاف بيئة المدرسة
وقد بينت الخطة فوق هذا أن تتجه دروس الدين والحساب والأطوال والمساحات والتعاون ودروس الصحة إلي الوجهة العملية
هذا كله يدعو إلى أعظم الارتياح ، فإن في هذه الخطة تحقيقا لما نرجوه من توسعة الأفق التعليمي ، وجعل الدراسة حيسة يستطيع التلاميذ ان يجعلوها جزءا من فكرهم الحي .
وتتضمن الخطة فوق هذا أمورا لها أعظم الخطر في الدراسة فهناك ذكر لمكتبة تنشأ في المدرسة الريفية ، والأمل عظيم في أن تكون هذه المكتبة حقيقة يستطيع المدرس والتلميذ في أن يستفيدا مما فيها . كما ان بالخطة دلالة على أن عدد حصص المدرس ستكون بحيث تترك له فسحة للتنفس والاطلاع ، فلا يبقى الحال كما هو عليه الآن ، إذ المدرس يعمل اليوم كله بلا انقطاع لا يجد فرصة للراحة ولا للاطلاع
كل هذه حسنات نري من الواجب التنويه بها والإشادة بفضل من رسمموها
ولنا بعد ذلك كلمة خالصة رأينا أن نتجه بها إلي أولى الأمر في وزارة المعارف قياما بما نحسه من واجبنا نحو التعليم
إذا نحن نظرنا في تفاصيل الخطة وجدنا مواضع كثيرة تقف عندها في شك وتردد . فهناك عدد الحصص المقدرة لكل موضوع ، وهناك تفاصيل الموضوعات المختلفة في مقرراتها وفي إدماج بعضها في بعض ، وهناك الترابط بين المواد المختلفة فيما بينها والترابط بين جهود المشروعات العملية وجهود التعليم في الفصول ؛ ثم هناك موضوعات أهمل ذكرها كالتاريخ والجغرافيا ، وأغلب الظن أنها أدمجت في المعلومات العامة التي قدر لها في الخطة أن تضم إلى اللغة العربية .
وهناك ما هو أهم من ذلك . كيف يستفاد بالمشروعات العملية في توسيع الثقافة العامه ؟ فالمشروعات العملية ليست مقصودة بذاتها للتدريب العملي وحده ، بل هي على الأ كثر وسيلة من وسائل توسيع أفق المدارك . ولكن المنهج الذي وضع لها لا يحقق مثل هذا القصد .
فنحن بإزاء ذلك لا نري بدا من أن نطلب إلى أولى
الأمر أن يجعلوا أول خطوة في سبيل إنفاذ المشروع الجديد تلك الخطوة الطبيعية التي لا غنى عنها ، خطوة وضع المشروع موضع التجربة في نطاق ضيق حتى يمكن بعد حين - سنتين أو ثلاث سنوات - أن نتبين المواضع المحتاجة إلى التعديل فيقوم الفنيون بتتبعها وإصلاحها . هذه هي الوسيلة التي تجعل المشروع حيا مرنا قابلا للإصلاح والتعديل حتى يطمأن أخيرا إلي صلاحه ويكون تعميمه ممكنا بعد ذلك .
وأهم اعتبار يحملنا على هذا الطلب هو أن التعليم في المدارس الجديدة أساسه فهم الروح المقصودة من التعليم ، والتنسيق بين الجهود العملية والجهود الدراسية داخل الفصول ؛ وهذا يتطلب تشرب الروح ، وفهم المقصود ، وإدخال المعلمين إلى لب الفكرة ، وتوجيهم إلى الطريق المؤدية إلى الغاية المقصودة . وهذا لا يكون إلا مع البدء في نطاق ضيق ، يكون فيه المشروع موضع الدراسة المستمرة والتحوير والتعديل مع المراقبة لسير الأعمال من قريب . نحن نطلب إلي أولى الأمر ألا يبدأوا بالتجربة حتى يتحققوا من أن الآلة المدرسية قد تم التنسيق بين أجزائها ، وأن الأيدي التي تحركها قد مرنت على إدارتها . وتحذر منذ الآن مما آلت إليه الإصلاحات السابقة في التعليم الأولى عندما بدىء فيه على نطاق واسع قبل أن يتحقق أولو الأمر من صلاح النظام المقترح - لقد كانت تلك المشروعات القديمة على الورق صالحة لا يظهر فيها عيب ، ولكن الحقيقة لم تلبث بعد مضي الزمن أن ظهرت ، فعلم الجميع أن التعليم الإلزامي لا يؤدي إلى المقصود منه ، وانه لابد فيه من هدم الكثير قبل أن يؤخذ في البناء .
وليس من غضاضة في البدء بوضع المشروع الجديد موضع التجربة لمدة معينة ، بل إن هذا هو السبيل الطبيعي . وأملنا عظيم في حرص معالي الوزير على تحقيق هذا الإصلاح الجليل ، أن يضع الأسس التي تكفل له أن يكون اصلاحا حقيقيا دائم الأثر .
