ومن العجيب أن يجرؤ مثلى من الرعايا المصريين على أن يتكلم بلهجة الرثاء عن الملكة العظيمة ، التى طالما ارتجت مصر للقياها : الملكة الإلهية ( إيزيس) ابنة الشمس ، كليوبتره !
ولكن الملكة العظيمة جديرة بالرثاء والعطف ، لما أصابها من الظلم جيلا بعد جيل . ظلمها القدر فى حياتها ، فكدس عليها الشدائد والمحن حتى ذهبت فى اليأس إلى الموت ساعية سعيا حثيثا ، وقتلت نفسها قبل أن يهبط التاج عن مفرقها . ثم ظلمها الروم الفاتحون ، فلوثوا اسمها ، ودنسوا ذكراها ، واختلقوا عليها ما شاءت لهم العداوة من صفات الخبث والدهاء ، والقسوة والفجور . ثم ذهب الرومان وحلت فى أرضهم أمم أخرى ، ولكن قصصهم بقيت فى الصحف تتوارثها الآجيال جيلا بعد جيل ، وبقيت المثالب التى ألصقوها بذكرى الملكة المصرية تتقفها العامة طبقة بعد طبقة حتى صار اسمها عاما على المرأة الخليمة الماكرة القاسية .
ولكن التاريخ لم يغفل كلمة الصدق ، ولم يضن على كليوباتره فى صحائفه بذكر حقيقتها لمن أراد الانصاف . ففى استطاعة الباحث دائما أن يراجع ويقارن ويناقش ، حتى يصل إلى الصورة الحقيقية لتلك المرأة العجيبة التى كانت خاتمة الملوك فى مصر القديمة . وقد قطن العالم اليوم إلى كثير من الحقيقة ، وأخذ يرد إليها كما يقولون اعتبارها ، وأخذت (كليوبتره ) تحل فى مكانها الجدير
بها بين أشخاص التاريخ غير خجلة ولا غاضبة .
ولم يكن ظلم كليوبتره مقصورا على أعدائها ، بل شارك فى ذلك طائفة من الأدباء والشعراء ، رأوا فيما تداوله الناس عنها من القصص العجيبة الشاذة مجالا فسيحا لخيالهم ، فلم بتورعوا عن المشاركة في طعنها وتجريحها وتصويرها ملكة فاتكة ، ماجنة متهتكة ، ماكرة قاسية ، تستغل حسنها وسحر جمالها فى الغواية وإشباع أطماعها وشهوائها . فما تكاد تخلو لغة من لغات الأمم المتحضرة من قصص أو قصائد بالغت فى وصفها مثل هذه الأوصاف ، ولم يشذ عن ذلك إلا أفراد قلائل من كبار الأدباء ، كالشاعر الانجليزى الأعظم شكسبير ، فإنه كتب عنها آية من آيات الأدب الانجليزى الخالدة ، وهى رواية " أنطون وكليوبتره " ، فبلغ فيها القمة من الاجادة والإبداع مع القصد والعدل . وإنه لمن الواجب علينا أن نعترف بأن عبقرية ذلك الشاعر الإنجليزى قد أبت عليه أن يصور الملكة المصرية فى صورة مزرية ، وكان إلهام نبوغه قد مكنه من اختراق حجب الأوهام والأكاذيب ، وجعله يصل إلى الحقيقة بنفوذ قلبه الذكى .
ولم تخل العربية من ذكر كليوبتره ، فقد ألف شاعرنا العظيم شوقى قصة شعرية عنها ، وهى " مصرع كليوتره " ، مثلت على المسارح المصرية غير مرة ، وظهرت اخيرا على مسرح الاوبرا الملكية ، إذا أخرجتها الفرقة القومية منذ أسابيع قليلة .
ولقد رأينا القصة الممثلة كما رآها الناس ، وقرأناها من قبل أن تمثل كما قرأها الناس ، وهى قصة قيل إنها تاريخية قبل كل شئ . ألفها الشاعر المصرى الكبير ليحيى بها كليوبتره ، وأخرجتها الفرقة القومية لتبرز فيها صورة كليوبتره ؛ ولكنا لا نستطيع أن نكتم أنا منذ قرأناها ؛ ومنذ رأيناها ممثلة ، شعرنا بالفرق الذى بين صورتها المصرية ، وبين صورتها التى أحياها الشاعر الانجليزى ، كما شعرنا باليون الكبير الذى يفصل بين شخص كليوبتره الذى خلقه شوقى ، وبين شخص كلبوبتره الذى احتوته صحائف التاريخ العادلة ؛ فعادت إلينا ذكرى ذلك الظلم الذى أنزلته المقادير بالملكة العظيمة فى حياتها ، وذلك الظلم الذى أوقعه بها حقد أعدائها فى دعايتهم التى بثوها للزراية بها والحط من قدرها ، أو تلك القصص والقصائد التى ألفها الأدباء عنها ، ولم يتورعوا فيها عن قذفها وتلويث سمعتها . ولم تملك عند ذلك أنفسنا من أن نحس لذعة ألم شديدة ، أن يكون شاعر مصر العظيم داعية من دعاة الظلم للملكة التى كان هو أولى من رعى حقها ، وأنصف فى وصفها وتحرى حقائق التاريخ فى تصويرها .
ولسنا هنا فى سبيل التحدث عن شوقى الشاعر ؛ فلسنا ننكر أنه شاعر مصر الكبير ، الذى سما إلى مراتب الخلود فى قصائده . ولسنا ننكر ماله من الفضل العظيم ، فى فنون الخيال الرائع والمعنى السامى ، ولسنا نجحد أنه شاعر العاطفة الوثابة والقلب الكبير ، والبيان الساحر ، واللفظ اللؤلؤى العذب . لسنا ننكر ذلك كله ، ولسنا نستطيع انكاره ، فهذا ديوانه بين أيدينا ينطق بما له من فضل وعظمة
ولكنه ألف فى كليوبتره رواية ، وجعلها كما ينبغى رواية تاريخية ، فإذا نحن قرأنا هذه الرواية أو رأيناها
ممثلة ، لم نكن حيال قصائد من الشعر ، بل حيال قصة تاريخية ، قوامها خلق الأشخاص خلقا طبيعيا حيا ، وتحريك هؤلاء الأشخاص فى ميدان من ميادين التاريخ ، الذى لا يصح فيه التبديل ، ولا يقبل فيه الاغفال أو المسخ والتغيير .
وقصة " مصرع كليوباتره " على هذا الوضع ذات جانبين متباينين . فأما شعرها فشعر شوقى ، وكفى أن نقول إنه شعر شوقى ، ثم ينزل فيه عن سموه ، ولم يتزعزع عن روعته وحلاوته . وأما أشخاصها وحقائقها ، فلها شأن آخر نرجو أن نبينه بالإشارة والتمثيل ، وإن كان المجال لا يتسع للافاضة والاستيعاب . وسنكتفى بذكر بعض أمثلة من مخالفات شاعرنا لحقائق التاريخ فى أمور صغيرة ، نرى أنه كان أولى به لو عنى بتحرى الحق فيها ، إذ لا نجد حكمة لمخالفتها ، بل إن مخالفتها قد أذهبت كثيرا من قوة القصة وروعتها .
تبدأ قصة شوقى بعد الهزيمة التى ألحقها أكتاف الرومانى بأسطول منافسيه الخطيرين انطون وكليوبتره ، عند ا كتبوم في بلاد اليونان . وفى أول القصة تظهر كليوتره مع وصيفتين ، سماهما الشاعر "شرمبيون "و " هيلين " وجعل معهما قيصرون ابن كليوبتره من يوليوس قيصر ، وكان عند ذلك شابا فى السابعة عشرة من عمره . ونحن نعرف فى التاريخ أنه كان لكليوبتره وصيفتان أثيرتان إحداهما (شرميون) والآخرى ( إبراس) وقد ظلتنا مخلصتين لها طول الحياة ، حتى ماتتا إلى جوارها عند موتها . ولسنا ندرى لم عدل الشاعر عن مجاراة حقائق التاريخ هنا فأبدل ( إبراس) بهيلانة ، ثم جعل ( هيلانة ) يحيا بعد أن كادت تموت مع سيدتها ، ثم جعلها تذهب مع حبيب لها لتنعم معه بالحياة ، وهى ترى جثة مليكتها ملقاة تحت عينيها ، فأذهب بذلك التغيير أكبر الأثر للفاجعة الأخيرة ، وجعل ختام القصة
أشبه بتلك المهازل العامية التى لا تبلغ نهايتها إلا عند حادثة سعيدة من لقاء أو زواج . وهنا فرق واضح بين قصة شوقى وقصة شكسبير ، فان الشاعر الانجليزى لم يستبح لنفسه مخالفة التاريخ فى الوصيفتين ولم يمس ختام المأساة التاريخي بما يذهب بشئ من روعتها ، فجعل الوصيفتين تصحبان سيدتهما إلى الموت فى قصته ، كما صحبتاها إلى الموت فى حياتهما الأولى فى صحائف التاريخ .
وأما قيصرون فله قصة أخرى : كانت كليوبتره لا تطمع فى آخر حياتها إلا فى أمر واحد ، جعلته محورا لكل سياستها ، وذلك أن تمهد البقاء الملك لولدها الحبيب قيصرون ، باذلة فى سبيل ذلك كل ما فى وسعها من جهد وحيلة . وأرادت أن ترشحه لوراثة الملك قبل أن تتحرج الأمور وتشتد الكروب ، فأقامت له احتفالا عظيما عند بلوغه سن السابعة عشرة مؤذنة ببلوغه سن الرشد السياسى ؛ وكان هذا الاحتفال آية باهرة من آيات بذخ الملكة ومجدها ؛ وشارك الشعب المصرى فيه كعادته من مشاركة ملوكه فى أفراحهم ؛ فكان الاحتفال اعترافا عاما بولاية قيصرون للعهد وترشيحه الملك . ولما انتهى ذلك الاحتفال فى أول الربيع ، أسرعت الملكة فأرسلت ولى عهدها إلى مكان بعيد ، ليكون فى مأمن من طوارئ الحروب ، واختارت له مدينة ( برنيقه ) على ساحل البحر الأحمر ( قرب موضع القصير اليوم ) ، وبعثت معه معلمه ( رودون ) ليكون له دليلا ومشيرا . وسافر قيصرون إلى تلك المدينة فى أواخر مايو من عام ٣٠ قبل الميلاد ، أى قبل بدء المعارك التى ثارت حول الإسكندرية بين أنطون وأكتاف بنحو شهرين .
ولكن الشاعر شوقى جعل قيصرون يسير وراء امه الملكة ، ويقابل الكاهن (أنوبيس ) عندما كانت
الحرب على أبواب الإسكندرية ، وعند ما كان أنطونيو يعد عدة الدفاع عن العاصمة ، ويتوقع هجوم عدوه عليه . ولم يكن ذلك إلا فى صيف ذلك العام ، أى فى شهر يوليو من سنة ٣٠ قبل الميلاد ، وكان قيصرون عند ذلك بغير شك بعيدا فى مقره على ساحل البحر الاحمر ، يتنسم أخبار الحوادث عن أمه بالاسكندرية .
ثم صور الشاعر كليوبتره وهى ترجو الكاهن (أنوبيس) أن يبارك ولدها . وقد سبق وصف حرصها على اعتراف الناس به ، واحتفالها الباهر ببلوغه سن الرشد ، وقلقها العظيم عليه من خوف حوادث الدهر ؛ ولكن الكاهن (أنويبس ) لم يبارك ولدها ، ولم يجبها ، ولم يعبأ بتوسلها ، بل قال (لنفسه ) :
إيزيس كيف أسلى على ابن يوليوس قيصر
أبوه عال ولكن فرعون أعلى وأكبر
ومع ذلك فقد أغفلت الملكة أمر هذا العصيان ، ولم تظهر غضبا ، ولم تخاطب الكاهن بكلمة ، بل انصرفت انصرافا عجيبا إلى ضجة سمعتها عند ذلك ، وجعلت تسأل عن سرها ، وهل هى لها ، أم هى عليها . ثم علمت بسر الضجة ، وعرفت أنها صيحة الشعب وهو برتل الأناشيد فرحا بما ذاع بينه من نبأ انتصارها . ولكن الملكة التى كانت شديدة الحرص على بقاء هيبتها ، والتى كانت تعرف أن نبأ الهزيمة قد يحرض الشعب عليها ، ويغريه على الوثوب بها ، لم ترتح إلى هتاف الشعب لها ، وترتيله الأناشيد فى تمجيدها ؛ فأقبلت على من حولها تظهر التألم من أن تذيع بين الشعب أنباء كاذبة عن انتصارها الموهوم ، وتتأسف أشد الأسف على أن شعبها قد انخدع عن علم حقيقة خذلانها وهزيمتها . وما نظن ملكة فى مثل ذكاء كليوبتره ، وفى مثل موقفها الحرج تجزع من ذيوع مثل هذه الأنباء الكاذبة ، بل إن الذى ينبغى أن يزعجها
هو اطلاع الملأ على ضعفها وفشل أمرها .
والتاريخ يذكر لنا أن كليوبتره قد عمدت قصدا إلى إخفاء هز يمتها ، فأمرت برفع الاعلام ، وإضاءة الأنوار ، وإقامة الزينة فى أنحاء الإسكندرية ، لكى تظهر للناس أنها إنما عادت من أكتيوم بالنصر والتوفيق ، ولكى تبعد عنهم ظن انكسارها وغلبتها . والحق ان هذا الموقف العجيب الذى صوره شاعرنا يجعل الملكة تتحرك كأنها دمية جامدة تتكلف القول ولا تبين .
ثم يبدأ المنظر الثانى ، فإذا بالملكة فى قصرها والحرب دائرة فى ظاهر المدينة ، ومصير البلاد ومستقبل عرشها معلقان على نتيجة تلك الحرب الدائرة . ولكن الشاعر شوقى يجعل الملكة تفرغ من كل هذه الهموم الكبيرة ، لتجمع بين وصيفتها (هيلانه) وبين حبيبها (حابى) ، ونأتى بالكاهن (أنوبيس) الذى أبى أن يبارك ولدها ، لكى يبارك للحببين زواجهما ؛ ثم تتنبه إلى نفسها أخيرا ، فتذكر الحرب الدائرة فى خارج المدينة ، كأنما قد عاد إليها الوعي بعد سنة من النسيان ، فتقول للكاهن :
أبى ، قد نسينا حديث القتال فمنذ الصباح تدور الرحى
كأن ذلك القتال الدائر ، لم يكن قتالا يحكم فيه عليها وعلى دولتها إما بالحياة وإما بالموت ؛ ثم بمضى النهار ويعود انطونيو من ميدان القتال ، بعد أن يوقع بعدوه أول الهزيمة ، وأراد أن يقضى ليلته فى الإسكندرية لكى يذهب فى الصباح الباكر لاستئناف الحرب لاتمام ما بدأ فيه من الايقاع بجيوش منافسه المخيف . ويذكر التاريخ أن أنطونيو أمر خدمه فى تلك الليلة بأن يجهزوا له وليمة عظيمة ، وان يكثروا له فيها من الطيبات والخمر ، وكان فى تلك الليلة يحس فى نفسه انقباضا وحزنا ، ولعله أراد بالخمر أن تفرج له كربته ، وتزيل عنه ضيقه . والتاريخ يخبرنا أن أنطونيو أظهر ذلك الحزن الدفين فى كلماته لأتباعه
وأصحابه ، إذ قال لهم : " لا تضنوا بالخمر فى هذه الليلة فلعلكم فى الغد تكونون فى خدمة سيد غيرى ، وأكون أنا فى الميدان صريعا " .
ولم يخل حزنه وقوله من أن يعديا من حوله ، فأخذوا فى البكاء حتى أشفق انطونيو عليهم من وقع كلماته ، وأخذ فى مواساتهم وإزالة ما أحدثه قوله من إيلامهم ، وجعل يحور معنى كلماته ، ويشرح لهم قصده الذى عناه منها ، وهو يتكلف الضحك والمرح .
فلم تكن مأدبة أنطونيو إذا بالمأدبة الصاخبة الماجنة ، بل كانت أقرب إلى حفلة وداع يريد بها القائد العظيم أن يذوق آخر جرعة من مباهج الحياة ولذاذاتها . ولم تكن كليوبتره عند ذلك خلية مرحة ، بل كانت مشغولة مضطربة ، تتوقع ما يحمله لها الغد من حوادث جليلة ؛ وما كان أحراها أن تكون فى تلك الليلة موزعة القلب ، غارقة فى تذكر ولدها النازح وما يكون من أمره وما تخفى له الأقدار فى طياتها .
وكانت فوق ذلك كله كما يقول التاريخ زوجة شرعية لانطونيو ، وكانت شديدة الأنفة والاعتزاز بمجدها ، تامة العقل ، وقد بلغت سن الثامنة والثلاثين ، ولها من الابناء خمسة ، وكانت معروفة بأنها لا تذهب مع الخمر إلى حد السكر ؛ حتى قال أعداؤها عنها إنها كانت تستعين بالسحر لك تجعل الخمر لا يحدث فيها اثرا . ثم كانت ترى من أنطونيو وأعماله فى السنوات الأخيرة وسوء تصرفه أثناءها ما جعلها كثيرة المغاضبة له والخلاف معه . ولقد أحسنت استقباله بعد عودته من الحرب فى ذلك اليوم لكى تبعث فى نفسه القوة ؛ ولكنها لم تكن بعد بالمحبة المولهة ولا الفتاة الغريرة التى جعلت كل نفسها للحب العنيف . ولئن كانت كذلك فى سن الشباب وأنطون فى كل قوة عقله وشخصيته ، فأنها لم تكن كذلك فى ذلك اليوم ، وقد تحول أنطون فصار
رجلا غريب الأطوار ، مدمنا للخمر ، ضعيف الرأى خائر النفس .
لتذكر كل هذا قبل أن نرى كيف صور شاعرنا مأدبة تلك الليلة التى كان (انطونيو) و(كليوبتره ) ينتظران بعدها نهاية الحرب الفاصلة . ويجب ألا ننسى مخرج الفرقة القومية الذى أضاف ما أضاف إلى هذه الصورة حتى برزت فيها كليوباتره وانطونيو فى ذلك الموقف العجيب :
يبدأ المنظر على قول أنطونيو يخاطب كليوبتره .
مرى بالكاس والطاس وبالندمان يسقينا
وبالقصف وبالعزف وحذاق المغنينا
وما طيب ألوانا وما طاب رياحينا الخ
إلى أن قال :
غدا نستأنف الحرب وتطويها ميادينا
فيجيب ( أنشو ) الضحكة قائلا :
ونغشاها مخامير ونلقاها مجانينا
ثم تبدأ الحفلة الصاخبة ، ويأخذ أنطونيو على غير انتظار فى التحدث عن الحرب ، ويخاطب (أخيل) القائد فى شأن الاستعداد للغد وما يتوقعه فيه من حوادث ؛ فيجيبه أخيل على قوله بمثله ، ويأخذان فى الاهتمام بأمور القتال ، فلا ترضى الملكة بهذا ، بل تخاطب أخيل قائلة :
أخيل دعنا من غد إن غدا توهم
أخيل ما العيش سوى ساعة صفو تغنم
فلا تكن كداخل على الندامى بلطم الخ
ويبدأ القصف والشرب ، وتأخذ كليوبتره فى محادثة من حولها من خدمها وحشمها حديثا لا كافة فيه ، تمزجه بالمزاح والمداعبة والمجون ، ويجئ العراف فيقرأ لها كفها ، ويجعل يتغن بمحاسنها ، وأنطون زوجها يضحك ويبدى سروره ، ثم يطلب العراف تقبيل يدها جزاء له على خدمته ، فتسمح له بذلك ، ولكنه يتردد ، فيحضه أنطون على التقبيل ! ويستمر القصف فتقول كليوبتره :
يا غانميز هات النبيذ
هات اسقنى واسق الحبيب
واسق الملا
ثم يطلب أنطونيو من المغنى أن يطربه بأغنية على لسان الملكة ، أو بشعر من تأليفها ، فيصدع المغنى بالأمر ، ويغنى تلك القصيدة الثائرة المضطربة بأعنف الحب وأعمقه :
أنا أنطونيو وأنطونيو أنا ما لروحينا عن الحب غنى
ولا ينتهى الغناء إلا بذلك البيت الذى يتنبأ بزوال الملك عن أنطونيو وتزول كليوبتره عن تاجها ! نعنى ذلك البيت :
هو أعطى الحب ناجى قيصر لم لا أعطى الهوى ناجى منا
وكان الأمر قد استقر فى قلب كليوبتره وسخت نفسها بزوال تاجى قيصر وتاجى منا فى سبيل غرامها العجيب من زوجها الذى طالما ذكر لنا التاريخ أنباء خلافها معه ، والذى قضى معها فى حياة الزوجية تلك السنين الطويلة .
أليس من العجيب أن تبذل كليوبتره ملكها بهذه السهولة ، وهى التى لم ترض بالحياة نفسها عند ما أيقنت بزوال ذلك الملك عنها ؟
ولما انتهى الاحتفال قامت كليوبتره . وأبى شوقى إلا أن يجعلها سكرى تترنح " وتتعثر فى خليع غدارها " ، وهى التى عرف عنها أنها لم تسكر قط ، كما أشرنا من قبل ؛ ولما أراد أنطونيو أن يستأذن فى الذهاب للاستعداد للقتال ، ولأخذ نصيب من الراحة قبل استئناف الحرب فى الغد ، لم تجبه الملكة إلا بقولها :
مكانك قيصر لا تذهبن ولا تبرح القصر أهلك أمنى
كأنها قد نسيت كل شئ من ملكها ومستقبلها ومستقبل ولدها وعرشها فى سبيل أن يكون أنطون قريبا منها ساعة أخرى . فالحق أننا لا نملك إلا أن تجهر
بالقول أن شاعرنا لم يقف عند مسخ التاريخ وتغيير حقائقه ؛ بل أخرج لنا صورة غير طبيعية ، لا يلتئم أولها مع آخرها ، ولا يبدو روح ولا انسجام فى حركاتها .
ثم استمرت الحرب فى اليوم التالى ، وحلت الهزيمة الطاحنة بأنطون ، وعاد إلى الإسكندرية مخذولا خائر النفس . ويقول لنا التاريخ إن الملكة قد بلغ منها اليأس عند ذلك مبلغا عظيما ، وعزمت على ترك العالم والاستعداد للموت ، فأسرعت إلى مقبرتها التى كانت قد أعدتها على مقربة من القصر ؛ وهناك حدثت لها الفاجعة الأخيرة ، فقتلت نفسها بالسم او بلدغة الأفعى ، بعد أن كان أكتاف المنتصر قد أوقف حولها الحراس والجنود . ولكن شوقى أبى إلا أن يجعلها فى قصرها تقابل من تشاء وتتردد حيث تشاء ، وفى ذلك ذهاب بروعة الموقف ورهبته ؛ وكانت صورة الملكة بذلك بغير شك ، دون تلك الصورة المجيدة التى رسمها الشاعر الانجليزى شكسبير ، الذى لزم الحقيقة التاريخية
وجعل ختام القصة بديعا مناسبا لمأساة الملكة العظيمة .
هذا كله فى القصة ذاتها ، وأما مخرج الفرقة القومية فانه زاد فى ابتذال القصة ، وإضعاف أثر المأساة بأن أضاف من عنده زيادات إن دلت على شئ فانما تدل على أنه لم تكن عنده صورة تقرب من حقيقة الملكة ولا مأساتها : وكأننا به قد أراد أن يخرج لنا صورة إمرأة خليعة من تلك الفتيات اللاتى يمرحن فى الحانات بين أذرع طلاب اللهو من الماجنين ، وهى صورة لا تمت بسبب إلى ملكة مصر ذات التاجين ، سليلة الآلهة وابنة الشمس ، ووارثة عرش أجيال الملوك - تلك الملكة التى أبت أن تنزل من كبربائها وعزتها لأعظم عاهل منتصر فى العالم ، وآثرت الموت على حياة الذلة ، والتى كانت تمثل أعلى ما بلغته الثقافة فى عصرها ، وأصفى ما يمكن أن يبلغه الذكاء الانسانى في طول الآباد .
محمد فريد أبو حديد

