لاتتعجل في الاجابة . ولا تقل ما يقوله كل أحد : اعرف كل شئ واعرفه احسن من كل احد ، وكيف يعرف غيري من نفسي أكثر مما اعرفه منها !
فجواب كهذا ، لمجرد عجلته ، قد يحتوي الخطأ الكثير فأول شئ جسمك ، كم تعرف منه ؟ إنك لا تعرف إلا القليل مما يعرفه غيرك ولا أقصد جسمك العاري ولكن جسمك الكاسي ، فللعاري قصة أخري
لقد خلق الله لك عينين ، ولكنه ركبهما من خريطة جسمك ، في طرف من اطرافها . وركبهما معا ، فلم يفصل بينهما ، كان يجعل عينا في الصدر ، وعينا في الظهر .ليرى صاحبهما أمام ، وخلف ، وما كان على الله بكثير ان يفعل هذا . ولكنه لأمر ما شاء أن يحمي جانبا واحدا
من القلعة الانسانية
والعينان عينان اثنتان ، ولكنهما لا تتحركان إلا معا ، فان اتجهت عينا يمينا صحبتها الاخري غصبا ، وان اتجهت يسارا دارت الآخرى يسارا . أو فوق فقوق ؛ أو تحت فتحت فالمظهر عينان ، والمخير عين واحدة ، وما كان على الله بمستكثر ان يطلقهما من هذا القيد ، فتكون كل عين حرة تتحرك وحدها ، فتري العينان في ان نصف الكرة الذي يلف جسم المرء من هذا الوجود ، وتراه كله . ولكنه سبحانه لم يشأ أن يفعل حتى هذا
ثم انظر إلي العينين ، اين وجهتهما ؟ إنهما كالمصابيح ركبتا في الجسم ليشع نورهما على غير هذا الجسم . إن العيون الأنسانية ركبت في الأجسام ، أصلا ، لا لترى هذه الأجسام ، بل لتري ما حولها من اشياء ومن اجسام ، فالعين لا تري من جسم صاحبها شيئا إلا إذا دار الراس وااوي على نفسه وهي مع كل هذا لا تري ما تستطيع أن تراه من جسم صاحبها إلا جزءا جزءا ، بينما هي ترى
جسم الغير كلا لا يتجزأ
ونصف الجسم لا تراه عينه أبدا ، وأعني بالنصف الخلف ، قفا وظهرا وما دونهما
ومن أجل هذا اخترع الناس المرايا ، يستكملون بها هذا النقص الطاهر المقصود في جهاز الرؤية بهذه المكنة الانسانية . والمراة تريك مالا ترى من نفسك ، هي تريك مالا تراه عينك منك إلا إذا هي خرجت من رأسك ، وابتعدت عنك مترا ، ثم استسدارت نصف دورة ، ثم أخذت تحدق فيك
والمرآة تريك مالا تراه من نفسك ، ويراه مع ذلك منك غيرك ؛ ومن أجل هذا قالوا صديقك مرآتك
والمرآة على كل حال تعجز عن إراءتك ظهرك . ولهذا تستعين بمراتين ، تظل توافق بينهما وبين جسمك حتى تكسب منهما بعد جهد لمحة من جانب من جوانب هذا النصف الخفي الخافي من كينونتك ، يكشف لك عنه على هذا النحو خلافك أو طرزيك ، ليسوءك أو يسرك
أي والله ، فما إلي النكتة قصدت . فكثيرا ما كشفت المرآة الواحدة ، والمرآتان ، عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن سرت المرايا عشرات فقد اساءت إلي ألوف . وأكثر السرور غرور . والحمد لله ان الانسان يرى نفسه صغيرا فيشب ألفا ما رأي . والالفة التي تذهب بحلاوة الحسن ، جديرة بأن تذهب بمرارة القبح وهكذا أراد الله رحمة بالأكثرية الكبرى من عباده .
يتبين من هذا أن المرء حتي بممراته ، لا يري إلا بعض ما يراه الرجل الآخر منه . ويراه ناقصا
وشيء آخر تعجز المراة عن إراءته - ذلك السير . فالناس تسير وقلما تتصور كيف تسير ، إلا رجلا صادف في الطريق عربة بها اثاث ، وبالاثاث مرآة قامت في آخر العربة ، فتبعها لتريه كيف يسير . او رجلا تعمد أن يسير إلي مرآة كبيرة قائمة . وهذه مصادف لا تتفق لاصحاء العقول كثيرا .
فالرجل منا إذا ، والمرأة طبعا ، كل يسكن بيتا يعرف
الناس منه أكثر مما يعرف هو من بيته
وإن أردت زيادة في التحقق فاعرض على أصدقائك صورهم ، وخبئ وجوههم ، إذا لاستحال عليهم تحقيق هذه الأجسام - استحال على كل تحقيق جسمه ، بينا هو قد يحقق أجسام الآخرين .
على أن المسألة ليست بسيطة كل هذه البساطة . اتدري أي شئ يراه الانسان من نفسه أكثر من غيره ؟ إنهما يداه . فهما اللتان تبرزان من جسمه إلى عينيه أكثر بروز . وهما اللتان تطعمانه وتغسلانه وتلبسانه ، وتكتبان له ، وتحملان له الأشياء . فهما دائما متعرضتان لبصره ولكن بتجربة اجراها الباحثون ادت إلي ان المرء لا يستطيع ان يستبين صور يديه من بين الأيدي إذا عرضت عليه صورها مجتمعة .
وأغرب من ذلك صوت الإنسان . فأي صوت يسمعه الإنسان من الأصوات أكثر من صوت نفسه . ومع هذا فالإنسان لا يفرق صوت نفسه إذا حكاه له الحاكي فتغرافا كانت الواسطة او مذياعا وهنا احسب بعض المذيعين سيقول إنه يعرف صوت نفسه . وهذا حق ، ولكنه لم يعرفه ساعة سمعه لأول مرة . وإنما هو عرفه بالأسلوب الذي عرف به صوت الناس ، فقد قيل له اولا إن هذا صوتك ، فاستمع له ، ثم استمع ، حتى عرفه والفه كما يألف ويعرف الغريب .
فيدا الانسان ، وهما تحت بصره ، وصوت الانسان ، وهو ملء سمعه ، يعجز المرء عن استبانتهما .
أفليس في هذا إيمان في مشيئة الطبيعة ، ومشيئتها من مشيئة الله ، ان يظل المرء لا يعلم من نفسه إلا بمقدار .
وشئ آخر يزيد المتفحص عجبا - ذلك مشية الإنسان . فقد سبق أن قدمت أن الانسان لا يعرف كيف يسير ، اي على أي صورة يسير ، لانه لا يري نفسه يسير ، ومع هذا فقد دلت التجربة التي اجراها الباحثون ان المشية هي أيسر ما يتبين الرجل من نفسه .
فقد صوروا عدة رجال وهم يمشون في احذية سواء ،
وسراويل سواء ، قماشا ولونا ، وبسرعة سواء ، ثم عرضوا هذه الصور السينمائية على اصحابها مجتمعة ، وعرضوا الارجل وحدها ، فما كان أكثر العجب عند ما استبان الرجال أرجلهم وهي على الشريط تسير
يعجز المرء أن يستبين على الشاشة ما قد يرى في الحياة ثم هو بقدر على استبانة مالا يري في الحياة - المشية .
فما تفسير هذا ؟ ! تفسيره أن المشية موسيقى . أن المشية إيقاع . إنها حركة إيقاعية موسيقية ، في قلب الرجل صاحبها تتألف موسيقاها ، ومن أوتار أعصابه تنطلق أنغامها
والمشية ليست حركة بسيطة ، تتأدى برفع رجل وخفض اخري كما تمشى الرجال من الخشب ، بل هي حركة مركبة . هي ما يعبر عنه الميكانيكيون بأنها حاصل حركات ذات مقادير مختلفة ، واتجاهات مختلفة ، لا يختلف بعضها عن بعض حسب ، بل هي مختلف كذلك بين الإنسان والإنسان تبعا لاختلاف أثقال هذه الأجسام ، وتبعا لاختلاف توزع هذه الأثقال في الأبدان .
فالمشية حركة معقدة مؤتلفة أجزاؤها ، تصدر عنها موسيقى معقدة مؤتلفة أيضا . موسيقى مركبة متناسقة مما يسميه الإفرنج بالهرموني . وهي ذات خفاء إلا على القلب الذي ألفها . والعصب الذي وقعها ، ومن أجل هذا لم يدرك المشية على الشاشة إلا صاحبها ، وهو لم يدركها لأنه كان رآها في واقع الحياة وهو يمشى ، ولكن لأن الشاشة ترجمت إلى قلبه وعصبه نفس تلك الأحاسيس التوقيعية التي يتقمصها عصبه وقلبه إذا مشت رجلاه .
في تلك الأحاسيس الخفية عرف مشيته كأنما رآها . فهذا شأن الجسم ظاهرا ، فكيف به باطنا
لا تقل لي أيها القارئ إنك تعرف تركيب جسمك باطنا . ولا تحدثني عن الرئة والقلب والمريء والمعدة والأمعاء والكبد والطحال ، إلى آخر تلك الأحشاء إنك تعلمها ، وقد تعلمها جميعا ، ولكنك لا تعرفها لأنك لم ترها أبدا . بل إنك لم تر مثلها في إنسان . إنك تعلمها
كما تعلم عن طوكيو أو عن جنة الميعاد . أي تعلمها سماعا واستنتاجا . بل إنك لتعرف من ظاهر ظهرك اكثر مما تعرف من باطن بطنك . هذا إن كنت عالما . أما الرجل العامي فلا يكاد يعرف أين كبده .
ومع علمنا بالذي في بواطننا سماعا واستنتاجا ، لا سلطة لنا على شيء مما فينا . بل إن سلطتي علي معدتي وقلبي وطحالي تكاد تساوي سلطتي أنا على معدتك انت وعلى قلبك وطحالك . إن المعدة تهضم ما وصلها الطعام ، وليس لنا من بعد ذلك نهي عليها ولا أمر . وهي تهضم على هواها ، إسراعا وإبطاء ، ولا نستطيع لديها سرعة من إبطاء ولا إبطاء من سرعة . وهي قد تفسد هضمها ولا تدري لم فسدت ، ولا يدري حتى الأطباء إلا تظننا ، وهم من بعد درايتهم لا يستطيعون المعدة نهيا أو أمرا ، وإنما مراودة وملاينة من بعيد
ومثل المعدة القلب ، ومثل القلب الكبد . ومثل هذه سائر الأحشاء
إن الرجل منا يحتل من جسمه ما يحتل قائد السيارة من سيارته إنه يمس ذراعا فيعطي بنزينا ، ويمس ذراعا آخر فيعطى الحركة ، ويمس حلقة فيذهب بالسيارة يمينا أو شمالا . وهو في كل هذا لا يرى مما يجري في احشاء السيارة شيئا وقد لا يعلم من طريقة جريانها شيئا
وإذا فسدت أحضر لها الطبيب من الجراج الا أن هناك فوارق عظمى بين الحالتين ؛ فطبيب الجراج يفتح بطن السيارة ، ويفك أحشاءها فكا ، والسيارة فاقدة الحركة ، فاقدة الحياة . أما طبيب العيادة فقد يفتح بطن الإنسان على حذر وهو لا يفك أحشاءه فكا ، لأنه بذلك يوقف الحركة ويوقف الحياة . وهو عندئذ لا يستطيع إعادتها سيرتها الأولى
وفرق آخر : أن طبيب الجراج يستبدل قطعة الميت بأخرى جديدة . أما طبيب الجسم فلا يستعيض عن بال بجديد . ليس عنده قطع غيار
