ها هو قد تزوج ، وها هو يقبل زوجته ، في كل قبلة يدعو الله أن يرزقه ولداً صالحاً تتجدد من بذرته شجرة أسرة ، ليست - وهنا العجب - بذات جاه أو ثراء وجاء يومه المرجو وسلمته القابلة لفة لها لين العجين ورائحته . وقالت :
- بنت بنت ، هذه نعمة من الله .
فسماها نعمات .
لم يفهم أن أغلب الرجاء طمع ، وأن بعض الدعاء جحود وتدخل في الملكوت . وعاد إلى سؤال ربه في صلاته ، وأطال تضرعه في ركوعه وسجوده .
وجاء يومه المرتقب ، بين الخشية والأمل ، وسلمته القابلة لفة تتلوي كالحشرة وقالت :
بنت . بنت . هذه عطية من الله .
فسمى بنته الثانية عطيات .
" نعمات " و " عطيات " ولم تكن أسماء بمثل ما هي تلميح إلي الرضا عن اضطرار ، وأن انصياع اليوم مرتبط بالرجاء في تحقيق الوعد غداً ، حرك الأب الابتر كل ما في قلبه من شعل الإيمان . وتوجه إلى الله بكل ما قدر عليه من خشوع ، وكرر ابتهاله وتذلـله . فاستجيب في يوم دعاؤه واستقر في بطن الأم سر الصبي الموعود حينئذ مات أبي ، وهو لا يعلم أنه فاز بأمنيته . قد أوفي جهده على الغاية ، وتحقق الغرض من وجوده ، وكان ثمن انطلاق السهم تمزق الوتر المشدود ، وإن سعادة الأفراد لا وزن لها في تسلسل الأجيال .
وهكذا ولدت يتيماً . ومع ذلك لست بغريب عن أبي كل مرة أدخل فيها غرفة الاستقبال وتقع عيني على صورته الفوتوغرافية الشاحبة معلقة على الجدار ، أراه يبتسم لي ويكاد ينادينى ...
ولم أكد أوظف بالحكومة وأقبض أول مرتب حتى ماتت أمى . كأنـها لم تقو علي فراقنا إلا بعد ان اطمأنت على . سرت وحيداً منفردا خلف النعش ، أما شقيقتاي ، نعمات وعطيات ، فقد بقيتا تنوحان وتلطمان الخدود وهما متدليتان من النوافذ . رأيت أ كثر المشيعين يتطلعون إلي وجوههما ونهودهما من اطراف العيون . في تلك اللحظة استفقت . وأدركت أنني أصبحت رب أسرة ، أية أسرة ! فتاتان جميلتان ، نعم جميلتان ، وإن لم تصح شهادتي ، ليس لهما غيري . قومت من ظهري المنحنى وسرت رافع الرأس ، وتقبلت - على القبر - دون ثورة او غضب وكره ، عبارات التشجيع والعزاء والوصية بالصبر والرجولة .
ثم مرت الأيام ودرج النسبان بأذباله علي الماضي وأهله ، وإذا بي في صحبة شقيني من أهنا الناس . ثلاثنا في مقتبل الشساب ورونقه ، في مرحة ونزقه ، في جريه وقفزه ، في عطرء ونضرته ، تساو طليق ، لا تضغطه شيخوخة مولية ، ولا تأخذ بخناقه طفولة هاجمة . من حسن الحظ أننا لم نكن في سعة تكفي للانفاق علي ثلاثتنا ، فقدم الصبي وحجزت البنتان في الدار ، وكذلك نجاهما الله من الجامعة بآدابـها وفلسفتها ، وسلم لهما عقل غير ملتو يضل في الفضاء ، وطبع غير متكلف .كل منهما نمت أنثى ، جسما وعقلاً . لا يعكر حديثنا نقاش أو جدال ، صحبة لم يترك لي صفاؤها مطمعا ... فمن مثلي من الرجال تحوطه فتاتان - لا فتاة واحدة - بكل ما وسعهما من عناية وإخلاص ؟ لا تقل ملابس هنداما ولا أكلي جودة عن زملائـي المتزوجين ، دون أن أدفع ثمن هذه النعمة بالكدر والهم والضيق الذي أتبينه على وجوههم كل صباح في المكتب ، وكانت نفسى قائمه وجسمي سعيدا . نعيش متلاصقين كصغار القطط وهن عمي . حلقتنا كاملة : هذه نعمات لبسها دور الأم الحنون فلبسته . هي أكثرنا رزانة وأتزانا . في يدها
مصروف البيت وتدبير خزينه . وبقيت عطيات " دلوعتنا الغنونة " التي من أجلها نحرص - في خفية منها - على تذكر أقل رغبة لها ترد عرضا في سياق حديثها . وننتظر إلي أن تحين الفرصة ، فنجد أكبر اللذة في تعب البحث عن طلباتـها ، وفي التحايل علي كتمان أمرها ، إلى أن نعثر عليها في تمام مناسبتها ، فنضحك معها لدهشتها ، ونشاركها الفرح بـهديتنا . . في بعض الأحيان أضع رأسي على ركبة عطيات فتعبث بأصابعها الطويلة في شعري ، كأم القرد تفلى رأسه وتناغيه . بجانبنا نعمات تغمرنا بابتساماتـها الحلوة وهي تخيط لي بعض ملابسى الداخلية ، لو تركنا لأنفسنا لعشنا سعداء. في هناء يكمل بعضنا بعضا . ولكن كيف يأتي ذلك وفي الناس إخلاص ومحبة ورغبة في مساعدة الغير وتطوع لعمل الخير والتحريض عليه !! بدأ أقاربي ومعارفي يهمسون لي : " متي تزوج أختيك ؟ لقد أن الأوان ! " ثم في مرة أخري : " كيف تأمل أن تعثر لهما على زوج صالح وأنت قابع في داركم القديمة المختبئة بدرب الحجر من وراء حارة التمساح لا تزور ولا تزار . . أم تراك معتمداً على الخاطبة ومقالبها " ؟
أخذت وأنا خائف أتطلع إلي عيون شقيقتي على غفلة منهما وأسأل نفسى :
- هل هذه عيون ظامئة جائعة ؟
خيل إلي في بعض الأحيان أن نظرتـهما الناطقة تخرس فجاة وتشرد في الفضاء " وأن تحت وشي هده النظرات الجميلة يختبيء قزم من الحزن والحرمان له عين البوم وأسنان الفأر وعناد الثور ونزق الجدي . . أيها الشيطان الأسود ! مهما تراوغ فلن تخفي علي بعد الآن !
سهرت الليل أفكر . وأنار الفجر ظلام الليل وبصيرتي . فاستبانت لي الحقيقة على ضوء النهار ، جسدا نيئا قبيحا عاريا قوي العضلات ، لا فائدة من مغالطة الطبيعة . ولا بد من التضحية وتحمل الوحدة ، والصبر علي مرارة التسليم
والانسحاب . . رسمت لنفسي برنامجا وصممت على تنفيذه دون استشارة أحد حتى شقيقتي . لن ألجأ إلى الأقارب ، فهم - كما يقول المثل - عقارب ، ولا إلي لخاطبة فهي سمسار بين عجزة ، أليست المشكلة أن الزوج الصالح لم يأت إلينا ؟ إذاً فلنبحث عنه ، ولنذهب إليه ، وفي موطنه ، ولو أدي الأمر إلى اصطياده احتيالاً ، سأعد الشبكة الماكرة بنفسي ، وألقيها في طريقه بيدي . هذا صيد حلال . واي شيء أعظم ثوابا عند الله من تدبير زوج صالح لأعز الناس إلي ؟
بعت بعض الحلى ، وسحبت كل نقودي المودعة بصندوق التوفير ، وأجرت شقة كالحـُــق - ولكنها غالية على !- في جاردن سيتي ، واشتريت لها بعض الأثاث من معارض سليمان باشا . عن إذنك يادرب الحجر لقد ألغي الرق فأعتقنا لوجه الله ! وأنت أيتها الصناديق والشكمجيات ، وانت أيتها الشمعدانات والمرايا المذهبة . وأنت أيتها الكنبات والمقاعد المطعمة بالصدف ، منك إلي صالة المزاد خطوة مباركة ! وداعاً . وداعاً . فنحن في دار كل مقام فيها قصير ، وكل صحبة إلي فراق . اتنتظرين أن أرثيك بدمعة ؟ من تلفت إلي الماضي لم تكفه دموع الخنساء ! تسألينا البكاء ؟ بل اسألينا النسيان ، والنسيان السريع . .
ولما دخلت العمارة ، وقام لنا بواب بربري له وقار القديسين وهيبة الأباطرة ، ولما دلفت إلي المصعد بعد سلالم قليلة فرشت بالبساط وزينت بأصص الزهر ، ولما سمعت الوكيل يقول : " هنا الانترية ، وهنا الأوفيس " اطمأن قلبى وقلت : قد أحكمت الشبكة ، فلننتظر صابرين ، وعلى الله توكلنا ...
عشنا غرباء زمنا ، ثم بدأنا نألف الحي وأصواته ، ووجوه سكانه وعاداتـهم . خرجت من الشقة ذات صباح
فإذا بي أواجه صاحب الشقة المقابلة خارجا بدوره . واحتوانا المصعد سويا ... لا أدري لماذا اطمأن قلبي إليه . ابتسامة منى ، وكنت أنا البادئ ، وابتسامة منه ، أوصلت الحديث بيننا ، هو موظف كبير ، على المعاش . دعوت الله ان يكون له ابن صالح ، أو ابن أخ ، أو ابن أخت ، أو صديق ، أو معرفة ، وقلت : لعلهم إذا روأوا أخلاقا وشرفنا ، وخبروا أحوالنا واستقامتنا ، تقدموا بالخطبة . دعوته لزيارتنا ، فإذا به -لشدة دهشتي - يقبل بسهولة . جاء وزوجته سيدة نصف ، حنت على أختي حنو الأم الرءوم ، دعتنا لشرب الشاي عندهم وقالت وهي تنصرف :
- عسي أن تكون ابنتي سنية قد عادت من الإسكندرية فأقدمها إليكم .
حاولت ألا يظهر همي على وجهي . كنت أنتظر أسماء رجال لا نساء وقلت في نفسى " فلتكن زيارتنا الأولي هي الأخيرة . فلم أجيء هنا من أجل التزاور مع عائلة ليس لديها رجال " .
وذهبت في الموعد المضروب ، وانا متحرج ضيق الصدر ... . وجاءت سنية ! أيها الناس ! لا تبخلوا علي بكرمكم وطيبتكم . أشفقوا على شاب قليل الخبرة والتجربة مثلي ، ولا تبتسموا إذا وصفت لكم اضطرابي أمامها وحيرتي .
ماذا أقول ؟ كان اللقاء هو بدء تاريخ حياتي ، ما قبله جاهلية معتمة ، وما بعده نور وإشراق . أحدثها وأسارقها النظر ، وإلا كيف تقوي عيناي الغاشيتان على مواجهة هذا الجمال كله ؟ كنت بجانبها كالجرو المبتل يوضع في الشمس . ما كنت أدرك قبل رؤيتها أن اللباس من الفنون الجميلة . كأن جسدها تمني فكان ثوبـها تحقيق أمنيته . وكأن الثوب نفسه اشتهي ، فكان هذا الجسد خليلته التى وجد لديها السكينة وطعم الحياة . ثوب كم أبدي وكم أخفي : استدار عليها يكاد يأسرها ، فإذا أسيرته طليقة تتحكم فيه . هابط إلي أن يقف حيث يتأرجح الذيل بين الكتمان والأفصاح ،
وحذاء تغنيك إناقته عن التساؤل عما يدار به . كل شعرة في رأسها تسابقت إليها واصطفت راضية بجانب أختها أو التفت معها أو من تحتها ، عالمة أنها تشارك في زينة ، سعيدة ناعمة بالدور الذي رسم لها . لو تـهشم هذا الجسد وتفتت ألف كسرة لما خدش جماله . وضحكت فأسمعتني ضحكة تختصر العمر كله ، فيها سذاجة الطفولة ، ومرح الصبا ، ومرارة التجربة . . فم متهم وعيون بريئة . . لم تـهتم بي كثيراً وما وجهت لي غير نظرة أو نظرتين . ومع ذلك عندما انصرفت - وأنا أجر رجلي جراً - كنت شاعراً بتعب من جس دقيق تناول روحي وجسدي بأصابع توهم أنها تمسح وتربت وهي تندس وتنقب . . شعرت أنني عريت ، وقلبت ظهراً لبطن ، وفحصت واختبرت ، قيست قامتي ، وسيرت ، وزنت وكيلت - عركت وعضضت بالأسنان وزنت على الأرض . حركت أوتار روحي واستمع لموسيقاها ثم استخرج من تحته كتابي الدفين , فروجعت في النور صفحاته وقرئت سطوره كلمة كلمة كل هذا والعيون مترددة والشفاه مستفهمة . ثم اصدرت حكما لن يكون له نقض أو إبرام إلي آخر حياتها وحياتي .
أيها الناس ! أشفقوا علي مرة أخري ولا تبتسموا من جديد إذا قلت لكم إنني تعبت حقاً ، ولكني مع ذلك وجدت في هذا التعب لذة كبرى . . لم أخش حكمها . بل سرني أنـها تناولتي بالفحص . كنت كالمريض لا يسعده أمل الشفاء بقدر ما يسعده تقلبه بين يدي طبيب مدل ممتنع وراء أجر باهظ . . انصرفت وأنا لا أزال ألوك في فمى لذة مذاقها . . ولما دخلت شقتنا ، حانت مني التقائــة إلي أختي فقلت في نفسي - والأسي يملأها - ما ينقصهما والله إلا تطول الضفيرة ، ويغطى الجورب السميك الركبة ، لتبدوا شابتين من الريف . . من غد إن شاء الله سأعني بتوجيههما إلي الاعتناء بهندامهما وزينتهما وإلا كان فشل برنامجي المرسوم محققا .
ولكني في غد نسيت كل شئ إلا سنية ! حاولت أن أجد مسوغاً لتكرار الزيارة فلم أوفق . بل وجدت باب الشقة موصداً في وجهي . ألأنـهم رأوا لعابي يسيل وانا أحدق في ابنتهم خلسة فرثوا لحالي وأرادوا تجنيبـي التعلق بسراب ؟ لما شعرت أنهم يتعمدون صدي زاد هياجي ، فإذا بي - وأنا المعروف بإتزاني وأدبي - أفقد كل سيطرة على نفسى , ورأيتني لشدة دهشتى آتي بحركات وتصرفات لا تصدر إلا عن أطفال أو مجانين . حاولت أن أستعين برشوة الخدم فضحكوا مني . تصديت لها في الطريق . ألقيت أمامها رسائلي . تتبعتها كظلها . كل هذا وهي لا تتكرم على بكلمة أو بابتسامة . اقسم لكم أني لا أدري كم من الزمن مر على وأنا في هذه الحالة ، قد يكون أسبوعاً ، وقد يكون شهراً . وأخيرا ضاق ذرعي وأحسست أن العذاب لو طال لقصفني الألم ودمر قلبي وقضي علي . هجمت عليها ذات يوم وهي سائرة وأمسكتها من ذراعها . لمسة فيها رعشة الغيظ والأمل . وقلت لها صارخاً :
- ماذا تظنين ؟ أجري وراءك طول العمر ؟ أليس لي عمل في هذه الدنيا إلا أن أسير في ركاب حضرتك ؟ العفو ! الآن أريد كلمة واحدة : نعم أو لا .
فنظرت إلي وابتسمت . .
زرت معها معالم القاهرة فكأنني سائح يجوس خلال مدينة مجهولة ساحرة لم يكن يعرفها من قبل . . كنت أتلو كالببغاء قصيدة النيل فشرحتها لي سنية بيتاً بيتاً , وأفهمتني جمال معانيها وأفنانـها . في حديقة الحيوان ، التي طالما زرتـها فلم أر شيئاً . كلمتني لأول مرة ، من وراء أعمدة السجن المؤبدة ، عيون صافية جميلة حزينة ، وشكت إلي وحدتـها وآلامها . الفضل لسنية في الراحة الكبرى التي شملت نفسى عندما آخيتهم جميعاً .. من زحف منهم أو طار . أو دب على أربع . .
قالت لي ذات يوم :
- ما العمل إذاً ؟ إن بابا يرفض بتاتاً لأنك موظف صغير ، ومرتبك قليل ، ولا يدري كيف تقوي بهذا المرتب على المعيشة في جاردن سيتي .
ولما رأتني مطرق الرأس غماً ، أضافت تقول :
- ولكن ماما في صفي . .
وكان القرار أن أنتقل إلي مسكنهم ، على أن تذهب نعمات وعطيات للأقامة مع إحدي خالاتي . .
كلهم قالوا لي إنني ساعة " كتب الكتاب " كنت شارد اللب ، ثم إذا بى فجأة أبتسم ابتسامة خفيفة . ظنوها من حرج سؤال المأذون الصريح . لا يعلمون أنني - ولا أدري كيف - انتبهت إذا ذاك فحسب ، إلى قسوة الفكاهة ، وهي تنطبق علي ، في المثل القائل :
" راح يصطاد ... اصطادوه .. .."

