قال صاحبي : هل تظن يا صديقى أن رجلا مثلي يتمتع بسلامة العقل ، واستقامة التفكير ، قد حنكته التجارب ، وخبر الناس ، وعرف الكثير من ألاعيبهم وخداعهم ، يقع صيدا سهلا في حبائل ذوي الأغراض والمآرب !
قلت : لا أستبعد شيئا ، خصوصا في هذا الزمن . قال : إذا استمع إلى قصتي ، وستقف منها على مبلغ ما وصلت إليه غفلتي " وعباطتى " مع نفر من هؤلاء الماكرين ، الذين تمكنوا بدهائهم ، وطول ألاتهم ، من استغلال إخلاصي لهوايتي في الرحلات ، فجروني إلي خدمة أغراضهم باختياري ، مدة أربع سنوات كاملة ، دون أن أفطن لنياتهم ، إلا بعد أن فات الأوان بزمن طويل . قلت لصاحبي : كفي ، هات ما عندك ، وأوجز قوقتي
لا يتسع " الدردشة " الطويلة قال : حسنا ! أعدك بهذا ، اسمع يا سيدي : - في أحد أيام شهر يناير سنة ١٩٣٥ ، خرجت بمفردي في رحلة إلى صحراء الأهرام ، وبعد أن تجولت طويلا بمنطقة " أجران المغول" حول جبل أبو رواش ، حل وقت المظهر ، فجلست في ظل صخرة لأستريح وأتناول الغداء ، ثم تمددت فغلبني النعاس ونمت ، وبعد نحو ساعة استيقظت على صوت سيارة مقبلة نحوي . ثم وقفت حيث كنت ، ونزل منها ثلاثة من الإنجليز ، عرفت منهم اثنين لسابقي الزمالة بيننا بوزارة المعارف ، وتقدم إلي الثالث على أنه
مهندس بالسكة الحديد المصرية ، وبعد أن تبادلنا عبارات المجاملة ، اندمجنا نحن الأربعة في حديث لطيف عن مباهج الصحراء ، وعن الرحلات إليها ، وطاب الحديث في هذا الموضوع ، وتشعب ، وطالت جلستنا في هذا اليوم حتى قبيل الغروب . ثم افترقنا .
قامت بيننا بعد هذه المقابلة صلات من الود ، فكنا نتزاور في منازلنا ، ونلبي الدعوات على الشاي أو الطعام التي ندعو إليها بالتبادل ، وكنت أصاحبهم أحيانا في بعض رحلاتهم ، وكان أحدهم يجيد تصوير المناظر الطبيعية بالألوان ، فكان يلتقط مناظر الصحراء أثناء الرحلات بسرعة عجيبة ويعرضها علينا عند اجتماعنا بمنزله . لوحات جميلة فاتنة وكان الثاني كاتبا مجيدا ، فكان ينشئ المقالات الشائقة في وصف هذه المناظر . ويقرأها علينا ، وكان الثالث يجيد رسم الخرائط ، وخبيرا بإصلاح السيارات ، فكان يتولى إصلاح ما يطرأ على السيارات أثناء الرحلات من خلل .
وطالت عشرتنا ، وزادت صلاتنا مع الأيام توثقا . ودار حديثنا يوما عن الطرق في الصحراء . وعدم وجود الصالح منها لسير السيارات ، ورمينا نادي السيارات المصري بالتقصير في هذا الباب ، لحرمان رواد الصحراء من لذة الرحلة في هذا الفضاء الواسع الجميل ، فاقترحت عليهم أن نبدأ نحن بمشروع لتحديد طريق من الأهرام إلى وادي النطرون ، فقابلوا هذا الاقتراح مني بالهتاف والتهليل .
وخرجنا يوما إلي صحراء الأهرام ، فعينا مبدأ هذا الطريق واتجاهه ، وتطوعت أنا - ( نعم أنا ) - للحصول من مصلحة الحدود على موافقتها ، فأذنت لنا بذلك ، وجئنا إلى المكان في يوم جمعة ، وأقمنا عند مبدأ الطريق علمين من الحجر الأبيض على جانبه ، كتبنا على وجه أحدهما بالبوية السوداء ، باللغتين العربية والإنجليزية " الطريق إلى وادي النطرون" ، ورسمنا على وجه الآخر سهما يشير إلى اتجاه السير ، ثم أخذ رفيقنا المهندس بمعونة البوصلة وآلة التبودليت في تحديد اتجاه الطريق . وكان كلما انتهي من تحديد مرحلة
منه ، فمنا نحن بإقامة أعلام من الحصي على جانبية ، واستمر العمل هكذا بنشاط وهمة ، في أيام الجمع والعطلات طيلة أشهر فصل الشتاء ، حتى بلغ طول ما مهدناه وحددناه ، في هذه الفترة ، خمسة كيلومترات ، ولا تسل ، يا صديقى ، عما كابدناه ، في سبيل هذا العمل ، من مشقة وعناء ، وعما بذلناه من نفقة ومال ، غير ما نالنا من " بهدلة " وتمزيق ملابس وإتلاف أحذية ، ثم جاء فصل الصيف فتوقف العمل .
ولما عدنا في الشتاء التالي وجدنا مجهوداتنا السابقة ، قد ذهبت أدراج الرياح ، فالطريق الذي خططناه ، سقت عليه الرمال وغطته ، وطمست معالمه ؛ فاستأنفنا العمل مرة أخرى واستعضنا عن أعلام الحصى بأخري من أعواد الحديد ، التي اشتريناها من وكالة البلح ببولاق بمبلغ عشرة جنيهات جمعناها من بيننا ، وكنت أنا في هذا أكثرهم سخاء وبذلا ، ولم تكف الأعواد التي اشتريناها إلا لثلاثة كيلومترات من الطريق ، وقصرت مواردنا المحدودة عن شراء غيرها ، فاقترحت أنا - نعم أنا أيضا - أن تؤلف جمعية من هواة الرحلات ، يشترك أعضاؤها في الصرف على هذا العمل وغيره من المشروعات التي كنا قد وضعنا تصميمهاتها ، فحازت الفكرة موافقة الزملاء وإعجابهم ، وانطلقنا ندعو لإنشاء الجمعية في الأوساط الرياضية وبين هواة الرحلات ، من مصريين وأجانب ؛ واستجاب الكثيرون لدعوتنا وتكونت الجمعية ، وأسميناها " جمعية الرحلات المصرية " واجتمعت جمعيتها العمومية لأول مرة في مكتب بعثة التبشير البريطانية بعمارة " ديفزيراين " بالقاهرة ، وتم انتخاب مجلس الإدارة ، وحصلنا الرسوم والاشتراكات ، ثم أنشأنا للجمعية مكتبا بعمارة " شل " بشارع علوي ، وفرشناه بالأثاث اللائق ، وزودناه بالكتب والراجع ، وبالخرائط التي تبرعت بها مصلحة المساحة المصرية ، وزاد نشاط مجلس الإدارة بعد ان توافرت لديه الأموال من الاشتراكات ، ومن تبرعات الحكومة المصرية والشركات .
وجاءنا في شتاء سنة ١٩٣٧ ضيف كبير من الأعضاء البارزين في نادي السيارات البريطاني ، ونزل ضيفا على الجمعية بغندق شبرد ، ثم زار مقر الجمعية واطلع على الخرائط التي رسمناها ، وفحص سجل الجمعية ، وأثنى على مجهوداتنا ، ولحظت أنه يخصني بكثير من الرعاية والتقدير ثم توالت بعد ذلك زيارات ذوي النفوذ والمكانة من السائحين الإنجليز لمكتب الجمعية ، وزادت تبعا لذلك الهبات والتبرعات والتسهيلات ، ولحظت أني قد أصبحت ذا شأن كبير في مجلس الإدارة وفي أعمال الجمعية ، فازددت همة ونشاطا واستغراقا في العمل ، ثم تولت مصلحة الحدود تخطيط طريق الأهرام - وادي النطرون - الإسكندرية وفتحته لمرور السيارات فتحول نشاطنا إلى جهات أخري ، فوضعنا في ربيع هذا العام مشروعا للوصول إلى واحة سيوه عن طريق وادي النطرون ، فخرجنا يوما نحن الأربعة من وادي النطرون في سيارتين ، واتجهنا صوب الطرف الجنوبي لمنخفض القطارة ، واجتزنا في طريقنا مفازة شديدة الوعورة . لم يدخلها على الأرجح أحد قبلنا بالسيارات ، وقد وقع لنا في هذه المفازة حادث مروع انقلبت فيه إحدي السيارتين وكاد يقضي علي راكبها.
ثم امتد نشاطنا بعد ذلك إلى ما بعد واحة سيوة غربا حتى حدود برقة ، وجمع لدينا من هذه الرحلات قدر كبير من المعلومات عن الصحراء الغربية ، فكنا نسهر الليالي في تبويبها وترتيبها وتدوينها في سجل كنا نحتفظ به في مقر الجمعية .
وبينها كانت تسير أعمال الجمعية هكذا في تقدم مطرد ، وتتوالى اكتشافاتها في نواحي الصحراء الغربية ، حدث أمر لم أكن أتوقع أن ينتهي إلى ما انتهى إليه من نتيجة . فقد كان لي صديق ألماني من هواة الرحلات ، وكان على جانب كبير من التثقيف ودمائة الخلق . فدعوته ليكون عضوا في الجمعية ، وقمت بتزكيته لدي مجلس الإدارة . ولما عرض طلبه ، قوبل من الأعضاء بفتور شديد لم أكن اتوقعه . ثم أجل النظر في قبوله عدة مرات ، بتعلأت مختلفة .
ثم لحظت بعد هذا الحادث ، أني أفقد مكانتي في مجلس الإدارة رويدا ، وان أمورا كثيرة من شئون الجمعية يقضي فيها في غيبتي ، وأن الخرائط التي كنا قد رسمنا عليها مسار الدروب في الصحراء الغربية قد اختفت من مقر الجمعية ؛ فثارت نفسى لهذه المعاملة ، فقاطعت أعمال الجمعية ، وامتنعت عن حضور جلسات مجلس الإدارة ، وعن تسديد الاشتراكات ؛ كما امتنع كذلك رفقاقي الأعضاء عن زيارتي ، وعن دعوتي لمشاركتهم في رحلاتهم ؛ ثم شغلت عن الجمعية ونسيت كل ما يتعلق بها .
وجاءت الحرب العظمي في سنة ١٩٣٩ ، وهجمت جيوش رومل علي مصر . ثم ارتدت ، وانتهت الحرب بانتصار الحلفاء .
ودارت الأيام ، وجاء لزيارتي بمكتبى بوزارة المعارف في سنة ١٩٤٨ أحد الرفقاء الثلاثة في أمر مصلحي ، وجلسنا نتحدث عن ذكريات رحلاتنا في الصحراء ، وعن الجمعية ، وعن الحرب ؛ فذكر لي أنه هو ورفيقاه الآخران ، قد قاموا بدور هام فيها ، وأنهم الثلاثة كانوا قوادا لفرقة " جرذان الصحراء " التي عاونت في طرد جيوش رومل ؛ ثم قال :
إن ثلاثتهم قد نالوا رتبا وأوسمة رفيعة ، لأعمالهم المجيدة ، في الامبراطورية ، ثم سكت برهة ، ونظر إلي نظرة إشفاق وأسف ، وقال : اسمع يا صديقي ، إنه لولا رغبتك الملحة في قبول صاحبك الألماني عضوا في جمعيتنا ، لكان صدرك الآن يتحلى بمثل الأوسمة التي منحت لنا .
فارتعت لهذا الكلام ، وقلت له : أهكذا كان شأنكم ! فأجاب : نعم . فقلت : يظهر أني كنت معكم أبله مغفلا . فبهت الرجل لهذا التصريح ، وقال : كيف تنعت نفسك بهذا الوصف ، إنه لخليق بك أن تفاخر بالمجهودات التى قمنا بها نحن الأربعة في الصحراء والتي كان من نتيجتها نجاح حملتنا ، إبان الحرب ، في تدعيم أركان الإمبراطورية في شمال أفريقية ، فقلت : كفي يا رفيقي ، إني كنت معكم مخذولا لا بطلا .

