الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1021الرجوع إلى "الرسالة"

كوليرج، للكاتب الناقد .اي.في .كيلر كوج

Share

من العسير علينا أن نكتب حياة كوليرج , أو بمعنى آخر أن هذا العسر سيزداد ويشتد باطراد كلما حاولنا التغلغل فى ماهية هذه الحياة , وذلك بسبب نكسات الإرادة التي أصيب بها وعللها المختلفة ومعايها المتعددة , وهذه الحقائق التي يتطلب منا البحث النزبه ذكوها وتسجيلها هي التي ستضفى ظلالا داكنة على ذلك الوجود الحي الجميل الذى شهد بعظمته جميع معاصريه؛ومع ذلك يقتضينا الحق والإنصاف أن نركن إليها حتى نكون قد أدينا واجينا حق الاداء زد على ذلك أن هذه السيرة صعبة الإدراك , لأن كثيرا ممن سيطالع دقائقها سينكر سماحة كوليرج ولطفه ، وسيقتصر على مآسى حياته الظاهرية ناسيا بذلك أحسن ما فيه , أعني كوليرج الحقيقي , كوليرج المحب الإنساني السمح , الذى يسعى جاهدا لمعالجة أدوائه بشغف وحب , والذى كان فى أشد الشوق لكى يفتتح عيون الناس على

الجمال الأسنى فى براءة وإيمان عميقين , وفى خفر ونزاهة بارزتين . مع انه تلقى حكم الدينونة القاسية ببرودة (كشخص تافه فى وسط البهاء والإشعاع اللذين كانا ينبثقان من ذهنه الوقاد فى جلال وسمو )

فقصته لا تثير المزاج ولا تغيظ الطبع وحسب , بل إنها تراوغ الفهم نفسه , فتجعل حتى القارئ الهادئ الرصين فى حيرة من أمره , كما حدث لأوديوس بعد محاولته الثالثة لمعانقته والدته فى ( الظلال ). لأن العناية الربانية كما يقول دى كونزى ( وضعت أمامه احتياطا دائما من المشاق فى طريق حياته ) ولو تتبعتا أثر الرجل والتقينا بزرافات من أصدقائه وسالنا أى رجل منهم لكان جوابه : ( كوليرج ؟ ذلك الصديق المدهش ؟لقد كان هنا قبل مدة وقد ساعدناه في سفره قليلا . لقد أخذ المرحوم جيمس كامبل على نفسه أن يكتب حياة كوليرج بحماسة وصدق , وقد أدى هذا الواجب خير أداء وبنجاح تام ( وعلى القارئ أن يرجع إلى كتابه ( حياة كوليرج ) ليرى البرهان بعينه ) ولم يكتف كامبل بذلك بل انه أكرم ذكرى الشاعر ( فى هذا الجانب الوثنى من الكون ). ومع ذلك , فلو أنا اقتفينا أثر قصته الملخصة خطوة خطوة لرأينا ازدياد

الشكوك الحائمة فى ذهن الكاتب مما اضطره أن يعلن فى النهاية قوله :( إنني إن كنت لم أقدم - فيما اعتقد حقا - إلى مايؤول - على العموم - إلى مايرفع من قدر كوليرج فى عيون الناس فإنني اعترف بجريرتى بشعور الدهشة وخيبة الأمل ) ويستطرد المؤلف المذكور قائلا :( إننى على يقين بأن هذا الهيكل القدس , على ما فيه من أنقاض ممتزجة بالرخام أبهى مما يمكن أن نشيده نحن من هذه الأحجار المتناثرة هنا وهناك في الحقول والطرقات ). لقد كان كوليرج تبريرا أمينا صادقا لوجوده . فالرجال والنساء الذين لم يشاركوه فى قصوره ومعايبه لم يتوددوا إليه ولم يتقربوا منه فقط , يل أنهم أحبوه وأكرموه واتبعوه مسرورين . فقوة الجاذبية هذه هى التى يمكن اعتبارها شاملة عامة - على اختلاف الطبائع والمشارب التي كانت تؤثر فيها وتسحرها - هى وحدها بالدليل القاطع واليرهان الناسع على القابليات الفريدة التي كان يمتاز بها . لنا أن نقرأ ونعيد قراءة حياته ولكننا لا يمكن - مع كل هذا - أن نعرفه كما عرفه آل ( لامب ) أو آل ( وردذ ورث ) أو ( بول ) او ( هوكمان فرير ) او ( جلمان ) او ( غرين ) لأن البعض أعمى كالحب سواء بسواء . ولكن الصداقة لها عيون مفتحة وشهادتها كفيلة بإقناعنا إن نحن استعملناها بحكمة لتصحيح انطباعاتتا وآرائنا )

ولد صموئيل تايلور كوليرج فى الحادى والعشرين من أكتوبر سنة ١٧7٢ فى مقاطعة ( أوترى فى ديفون شاير ) وكان أصفر تسعة أبناء من زواج ثان . وكان والده المحترم جون كوليرج رجلا شقيقا وعالما متتبعا منقبا شارد الذهن معروفا بعدم واقعيته . وقد نشر عدة كتب بعد ان جع اشتراكات من قرائه مقدما , كما حاول إصلاح قواعد اللغة اللاتينية . وقد توفى سنة ١٧٨١ وبعد انقضاء عدة اشهر تمكن صموئيل الصغير من الحصول على القبول فى كلمة ( كرايمت ). وقد صور شارلس لامب هذه

المدرسة وكوليرج تلك الأيام تصويرا خالدا . وقد كان كوليرج أكبر من زميله تشارلي بسنتين , ومع ذلك فقد بزه فى مضمار الدراسة وسيقه فى سلم التقدم وحصل على درجة أعلى منه بعدة أشهر . في مقالة تشارلس الآنفة الذكر والموسومة ( كلية كرايست قبل خمس وثلاثين سنة ) تجد تلك الأساليب البارعة والنكت اللطيفة التى تحبب إلينا تشارلس ، نجدها باعترافه الصريح تخلف مقالته ( ذكريات كلية كرايست ) وتشير من طرف خفى إلى ذلك الشاب الذى فقد حنان والديه وأهله . فيقول :( كنت صبيا فقيرا لا صديق له . فأهلى ومن يجب عليه أن يعتنى بى بعيدون عني . أما معارفهم فى المدينة الكبيرة (١) والذين اعتمد عليهم الأهلى وأحسنوا فيهم الظن , ولكن هؤلاء المعارف خيبوا ظن أهلى , لأنهم تخلوا عنى بعد أن تنازلوا واستقبلونى فى أول زيارة لهم لاستثقالهم لزيارتى فى العطل ظنا منهم أن زيارتي هذه ستتكرر كثيرا . وهكذا بعد لأى شعرت بالوحدة القاتلة تلفنى بأذيالها بين أترابى الكثيرين . ياللظلم ! كيف يمكن أن يحول حائل بين طفل فقير وبين بيته الذى ترعرع فيه ؟ وما أشد الحنان الذى كان يساورنى تجاه ذلك البيت وتلك الحيرة فى تلك السنوات العجاف ! وكيف أن بلدتى الأصلية تعاودنى فى أحلامى بكنيستها وأشجارها ووجوهها ! وكيف أننى كنت استيقظ باكيا وفى قلبى ألم ممض وشوق جامح لرؤية ( كالن ) الجميلة فى ( ولتشاير )

وطبيعى أن يكون الصبي هو كوايرج بالذات و( فالن الجميلة هو ( او ترى ) فى ديفون ولكن بصورة مقتعة , ومن الواضح الجلى أن كوليرج شعر بهذه الوحدة : لأن طبيعة مرهفة الاحساس كطبيعته لا يمكن إلا أن تشعر بها بكل حرارة وبكل قسوة وقد ذكر ذلك بجزع مروع فى قصيدته ( البرد فى منتصف الليل ) كما أنه وعد ابنه بحياة أسعد . ومن الحق أن نقول إنه لم يشعر بذلك طوال

حياته . لأن رسائله الأولى تتضمن بعض التلميحات والإشارات إلى الأمور العرضية والتافهة , ثم نرى لهجة هذه الرسائل تتغير تبعا لنموه الروحى والفكري فتتحول إلى ذكر أشياء أخرى . وقد قال فى سياق إحدى رسائله :( أرجو المعذرة إن ذكرنكم بأن عطلتنا ستبدأ فى الأسبوع المقبل ، وإننى سأخرج للنزهة لعدة أيام , فاطلب أن ترسلوا لى سروالا جديدا , لان ذلك سيكون شيئا لائقا بمظهرى وخصوصا لأننى مضطر إلى الظهور أمام النساء ). وأصبح وفى الوقت الملائم إغريقيا , فوقع في أحبولة الحب وتظم شعر اصبيانيا فى هذا المعنى . ولو ان الغرام وما تبعه من نظم الشعر , لم يكن ذا هذا شأن بذكر فى عنفوان شبابه , إلا أنه قدر لكل هذا أن يكون له أعظم التأثير فى الفترة التى تلت هذه الحقبة الجامحة من حياته . أما الفتاة التى علق به والتي أوحت بكل هذا فكانت تدعى الآنسة ( مارى ايفانز ) وهي ابنة أرمل وأخت أحد أتراب كوليرج الذى كان يعتز بصداقته كثيرا

يقول كوليرج متذكرا تلك الأيام ( أواه ! ما أجمل ساعات الفردوس بين السادسة عشر والتاسعة عشر من سنى العمر ، حيث كان ( ألن )( تلميذ مدرسة ) وأنا نحرس إيفانز فى طريقها إلى البيت فى أمسيات السبت , وقد كانت فى تلك الأيام تشتغل فى معمل للقبعات النسوية ... وكنا معتادين أن نحمل إلى هناك في صبيحة كل يوم من أيام الصيف باقات الأزهار الناضرة . ولكن الوحي لم يأت كله من مارى , بل ن ابنة ممرضة المدرسة شاركتها فى ذلك , وقد وجه شاعرنا قصيدته ( جتيفياف ) اليها . ويقول كامبل فى ذلك ما يلي :( كانت العادة المتبعة فى ذلك الوقت تجيز للطلبة المتقدمين أن يرتبطوا بأولئك البنات الصغيرات ارتباطاً غرامياً ). أما مارى فقد أعانت ( وليم لسل باول ) على إيقاظ القابلية الشعرية لديه , كما يشرح لنا ذلك الفصل الأول من كتاب ( البيوغرافية الأدبية )(٢)،

وقد وجد النقاد على اختلافهم موضعا للدهشة والاستغراب فى كل هذا , إلا اننا لا يجب أن ننظر إلى ذلك بشئ من هذا القبيل

ولنبدا الآن بباولز , فان أغانيه على علاتها ليست رديئة , وأكثر من ذلك , فهى تشير ولو بصورة شاحبة الفجر الذى انبتق فى حياة الشعر الانجليزي . ولا شك انه لو حدث ان وقع فى يدى كوابرج شىء من شعر ( بليك ) أو ( كاولي ) او ( برنز ), وهو على عتبة الستة السابعة عشرة من عمره , اتبدلت قصة حياته ولكان تحوله أجمل إيقاعاً وأحسن نتيجة . ولكن حدث فى سنة 1790 أو حوالى ذلك أن ظهرت إلى الوجود الحركة الشعرية الجديدة , وقد سرت عدوى هذه الحركة سرياناً هائلا جارفاً , وكان إقبال الشباب عليها شديداً جداً ، ولم يكن ينظر الشباب إلى مصدر ذلك قطعاً , بل إنه التمس فيها عونا له في حيرته التي كان يتخبط فيها (3), ولو أن كوليرج استمد فكرته من مصدر قوى آخر لتغيرت نتائج تفكيره ولأصبحت حياته أكثر تهوراً وأشد عنفاً وغلياناً ..أما وقد وقع الأمر كما كان , فان ( الأغانى ) البريئة ومجتمع عائلة إيفاتز تعاونتا على إبعاده من الميتافيزبقا واللاهوت اللذين أمداه بغذائه الروحى فى وقت مبكر من حياته , وكان هذا الابعاد رقيقاً لطيفاً ( بحيث لم يشعر به ). وقد اعترف كوليرج بفضل باولز لأنه كما يقول ( أدى له فضلا لا يوازيه إلا فضل الكتاب المقدس ), ومع ذلك فان محاولاته فى نظم الشعر كما اعترف بذلك نفسه فى استكانة واستحياء لم تخرج من طوق ما تعارف عليه الأقدمون من أوزان ومقاييس .وبحور . وفى كانون الثاني ( يناير ) سنة ١٧٩١ وافقت لجنة الوكلاء بكلية ( كرايست ) على السماح له بالالتحاق بجامعة كيمبردج , وكانت بداية عمله هناك ودراسته جيد جداً بحيث أنه نال وساماً ذهبياً فى سنة ١٧٩٢ لقصيدته الرائعة في ذم تجارة الرقيق ,

وكاد أن ينال زمالة ( كرافن ) لولا تعصف بور سون ( أحد المحكمين ) ضده . وفى تشرين الثاني سنة 1793 ترك كوليرج كيمبردج إما خوفاً من تراكم ديُونه أو من آثار نوبة عصبيه شديدة أصابته بسبب رفض مارى إيفانز لالتماساته . ومع ذلك يشك الآن فى اهمية هذين السيين فى تقرير مصيره . وعلى كل حال فقد اتجه كوليرج إلى لندن لينخرط فى الثانى من كانون الأول في سلك الجيش ) فيصبح أحد جنود الفرقة الخامسة عشرة للقرسان والمعروفة بفرقة ( دراكون ) الملكية تحت اسم مستعار هو ( سايلاس تومكن كومربيك ) وربما كان من سخرية القدر أن يدعى ( بالفارسي ) لأنه كان قصير القامة بديناً , أبعد ما يكون عن الرشاقة . وفى نيسان ١٧٩٤ تمكن أقاربه من الحصول على ترخيص بتسريحه من الجيش . بعد مشقة شديدة , وبعد ذلك أعيد قبوله فى كلية ( كرايت ) مرة أخرى

البقية فى العدد القادم

اشترك في نشرتنا البريدية