الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 377الرجوع إلى "الثقافة"

كونيات

Share

حدثني صاحبي قال : أعطيت صغيري راتبه اليومي من المسائل الحسابية واجلسته على مكتبه الصغير وواعدته ان اعود إليه بعد زمن قصير حددته له لأري ماذا فعل بها وكان حتما علي ان افعل ذلك لكثرة ما عودني من تشاغله عن واجباته التى أ كلفه بها وانصرافه إلى غيرها مما لا يدخل في برامج دراسته ومما لا يتفضل اساتذته بسؤاله عنه في امتحاناتهم .

فسكنت إذا سلمته مثلا ( تمرينا ) في تكوين الجمل دخلت عليه بعد قليل فوجدته منهمكا في خلط بعض الوان الماء تمهيدا لرسم صورة تشبه الصورة الجميلة المعلقة على الحائط الذي يواجهه - وإذا كلفته بحفظ آية من آيات الكتاب الكريم ثم عدت إليه في موعد تسميعها وجدته يلهو بصنع علبة من ورق الكرتون . وهكذا فلما سلمته أمس هذه المسائل لحلها شددت عليه في وجوب الفراغ منها في أجل حددته له أقفلت عليه بابه . ثم عدت إليه في الأجل المضروب فوجدته  يمسك بحدوة ممغطة . وقد وضع أمامه علي المكتب بضعة دبابيس ، منها الدقيق ومنها الغليظ وهو يداعبها بمغناطيسه . يجذبها فتنجذب نحو بدء ثم يقر منها فتقف . ويجعل بعضها يقف فوق سنه ثم يرفع يده ويخفضها بالمغناطيس فوقه ويلهو بمنظر الدبوس وهو يتراقص تحت أصابعه كما تفعل السيدة العابثة بكلبها المدلل

فلما أحس بوجودي تجاهه القي ما في يده وبسط كفه الصغيرة من فوقه يريد ان يخفيه . فتجاهلت ما رايت . وسألته عن المسائل وما انتهى منها . فملأه الحرج في أول الأمر . ولكنه ما لبث أن نظر إلي نظرة تحتم ظاهر وقال - أي جدوي في مطالبتي بتحويل هذه الارادب الى أعطيتنيها إلى أقداح . وفي حساب مكسب هذا التاجر وخسارته ؟ وهذا المغناطيس أجدر أن يشغل أحسن العقول .

فتعال قل لي أنت أولا لماذا يفعل هذا المغناطيس فعله بهذه الدبابيس ؛

فوجئت . وعز علي أن أري نفسي معه في موقف الدفاع الهين وقد كنت تجاهه منذ لحظة في موقف الهجوم الحصين . وخشيت أن اتقهقر فيطبق على الخبيث ويحرجني في كرامتي العلمية التي اتيه عليه بها كثيرا وأنا أشرح له غوامض عمليات الجمع والطرح التي يقوم بها ويخطى فيها . ولكن الله من على في تلك اللحظة بخاطر كنت قد استخلصته لنفسي وأنا أطالع كتابا عن " الحاسة السادسة ( ١ ) ومؤدي هذا الخاطر أن كل مادة في هذا الوجود تنبعث عنها موجات ذات خواص معينة وان ما ائتلف من هذه الموجات يتناغم ويستجيب بعضه لبعض . وذكرت أن مؤلف هذا الكتاب ضرب عدة أمثلة لتوضيح هذا المعنى . فرأيت أن استعين بهذه الأمثلة أولا أشرحها لصبي لعلى من بعدها استطيع الوصول إلي سر هذا المغناطيس الذي في يده .

فقل له : اترى إلى هذه النحل التى تحوم امام عينيك في الحديقة ؟ قال : أجل قلت : هل نعرف أين خلاياها ؟ قال : إني لم أر قط حول منزلنا عشا من أعشاش هذه النحل

قلت : فاعلم أن خلاياها قد تكون على مسيرة ساعات من بيتنا هذا ، أو هي قد تكون في بلدة اخري لا صلة لها قط بضاحيتنا هذه التي نسكنها قال : وهل يعقل هذا الكلام ؟ قلت : وما وجه الغرابة فيه ؟ قال : إن خادمنا الجديد ظل أكثر من سبعة أيام كلما

بعثناه إلى السوق يضل الطريق عند عودته إلي المنزل وهو على كل حال من بني آدم . فكيف يتسني لهذه النحل - وهي حشرة - ان تعود إلى مساكنها التى تفصلها عنا الساعات الطوال ؟

قلت : هذا ما أريد أن أدلك عليه . فقد رأي بعض العلماء ان في جسم هذه النحل خلايا تهتز اهتزازات لطيفة غير محسوسة تطابق في خواصها موجات اخري تنبعث من عش النحل . فتطوف هذه المخلوقات ما تطوف في أرض الله الواسعة حتى إذا استوفت حظها من رحيق الزهور عادت على متن هذه الموجات تستهدي بها في رحلتها كما يفعل الترام وهو ينطلق فوق قضبانه .

قال : هذا كلام يسهل على كل إنسان أن يقوله ولكن يصعب على أعقل الناس أن يقدم الدليل عليه . قلت : لقد قام العلماء باثباته إلي حد كبير . قال : فكيف صنعوا ؟

قلت : يروي عن عالم فرنسي مشهور اسمه جان فاير - jean Fabre - كان لا يزال حيا حين كنت أنا في مثل سنك - أنه كان مولعا بدراسة الحشرات كالنحل وغيرها . وانه ذات يوم عثر على يرقة كبيرة في بعض الحقول فحملها إلي منزله ووضعها داخل صندوق في غرفة مكتبه .

وبينما هو جالس في غرفة الطعام ذات ليلة إذ دخل عليه خادمه فزعا ، واخيره ان غرفة مكتبه امتلأت بفوج كبير من الذباب الضخم . فلما ذهب ليري ما حدث وجد أن يرقته - وكانت أنثى - قد خرجت من هذا الطور وأن عددا كبيرا من ذكروها يحوم حول الصندوق . ولما كانت كلها من نوع غير مألوف في هذه المنطقة فقد حكم بأنها لابد جاءت من مكان سحيق . فأغلق النافذة وأمسك بها جميعا وعددها خمسة عشر ذكرا . وأراد ان يعرف هل استعانت هذه الذكور في حضورها بحاسة الشم أو لم تستعن بها فنزع منها ملابسها . وهي الأعضاء التي تحمل هذه

الحاسة . ثم وضع الذكور في كيس ووضع هذا الكيس في قطر - وفي صباح اليوم التالي نقلها إلي غابة بعيدة تبعد عن منزله نحو ميلين . وأطلق سراحها جميعا . ولكنها لم تلبث بعد الغسق ان شوهدت كلها متجمهرة في حجرة مكتبه لم يتخلف واحد منها . عندئذ ايقن ان حاسة الشم لم تكن النبراس الذي اهتدت به الذكور إلي مكان الأنثي . وقد انتهي هذا العالم من هذه التجربة ومن غيرها من التجارب الكثيرة التي قام بها هو ومن كان يعاونه من العلماء الكبار إلي ان هذه القدرة المدهشة في النحل وغيرها قد يكون مردها إلي قوة تشبه المغناطيس .

فسكت الصبي الخبيث هنيهة شعرت في خلالها أني بدات استرد في نظره اعتباري العلمي . بيد أنه ما لبث أن ابتدرني بقوله :

- ولكني بدأت كلامي معك بسؤالي إياك عن قوة المغناطيس ما هي . ثم ها أنت تدخل معي في مبحث آخر عن النحل وغير النحل لتنتهي من شرحك إلى ان هذه القوي الغريبة التي تتمتع بها هذه الحشرات تشبه قوة المغناطيس فلتبدأ إذا من جديد . ولأذكرك بسؤالي الأول وهو : ما الذي يجعل المغناطيس يجذب هذه الدبابيس ؟

فبلعت ريقي وانا أتميز من الغيظ ، إذ أري هذا الصبي العنيد لا يرضي بكل هذا الذي سقته إليه من علم مفيد ، ويصر على ان لا تصرفه الحواشي عن أصل الهدف الذي سدد نحوه سؤاله الأول ، فاستعنت بكتابي الذي استقيت منه هذا العلم . وقلت أهل الكلام المطبوع يكون اقوى عنده حجة من كلامي الذي أجادله به وهو لا يري مصدره ووقعت على بنبني في مثل آخر كان قد اورده ذلك الكتاب في صفحاته الأولى فجعلت أقرأه له :

" إن من ينعم الفكر في فعال الكائنات الحية ينتهي حتما إلي الاعتقاد بأنه لابد من وجود طريقة اخري للمعرفة

خلاف الحواس الخمس المعلومة . في عالم النبات نبتة صغيرة تسمى ( ورد الشمس ) لا تقنع بالحصول على غذائها من الأرض والهواء كغيرها من النباتات بل تتطلب أيضا غذاء لها من الحشرات ولذلك كان لها وريقات مستديرة في حجم القرش تقريبا صالحة لان تقتنص الذباب في سهولة عجيبة . وهذه الوريقات قائمة علي سوق دقيقة طول الواحدة منها بين بوصة واحدة وثلاث بوصات ، وعلى الجانب الأعلى لكل ورقة عدد من الشعيرات الحساسة تغطيها مادة صمغية براقة . فإذا مستها ذبابة أمسكت بها الأوراق واطبقت عليها الشعيرات إطباقا محكما . فأما اطيب ما في الذبابة فيهضم ويمتص وأما اخس ما فيها كالأجنحة والأجزاء القاسية فينبذ نبذ النواة

فإذا أنت نقلت واحدة من هذه النباتات إلي دارك ووضعها تحت ملاحظة دقيقة بعد أن تكون قد أبعدت عنها الذباب وغيره من الحشرات بضعة ايام رايتها تتحرك حركة ظاهرة ، فتري الوريقات التي كانت شعيراتها دائمة الإنتصاب قد نكست رأسها كأنها تبحث في الأرض أو فيما يحيط بها من الطحلب عن بعض الحشرات الدقيقة التي قد تكون ساعية حولها . إلا أنها تؤثر الذباب علي غيره دائما . وآية ذلك أنك إذا رشقت في طرف إبرة ذبابة ووضعتها علي بعد بوصة او بوصتين من هذه النبتة رأيت الوريقات تبدأ فتتحرك ببطء نحو الذبابة . ورأيت أن أقرب هذه الوريقات تحاول الوصول إليها

فهل في استطاعتنا أن نفسر ذلك ؟ أما الجواب فنعم ذلك بأن كل جزء من جزئيات المادة في هذا الكون في حالة ذبذبة مستمرة وبنبعث منه على الدوام نشاط إشعاعي وباقي كل جزء في الاثير إشعاعاته الخاصة به. فان هي التقت بموجات مماثلة لها حصلت الاستجابة حتما . وهذه النبتة قد تأثرت بالمادة الحية فكانت هذه الاستجابة الواضحة . ولقد اعتادت أسلاف هذه النبتة من آلاف

الأجيال أن تقتص الذباب حتى صارت هذه العادة المتوارثة جزء من طبيعتها ، اي انها ضبطت نفسها علي طول الموجات التي تنبعث من الذباب

وأيسر من ذلك أن نلاحظ عادات النباتات المتسلقة . " فانك إن غرست شيئا منها إلى جنب جدار املس لا تجد فيه لنفسها دعامة أو متكأ قريبا منها ، القيتها تلجأ إلي واحدة من اثنتين فاما أن ترسل فرعا من فروعها ، وإما ان تتجه برمتها نحو اقرب مسمار في ذلك الجدار بل إنها لتفعل اكثر من هذا . فهي إذا وجدت في طريقها مسمارين متقاربين اختارت أكثرهما ملائمة لها . فهي تفضل مثلا المسمار القديم الذي تقوس ظهره ، وعلاه الصدأ . وهذه التجارب وأمثالها لابد مقنعة كل مفكر دقيق الملاحظة أن ثمة وسائل اخري للادراك لا تستخدم فيها حاسة من الحواس الخمس " .

قال صاحبي : ولما فرغت من قراءتي لهذه الفقرات لمحت على وجه الفتي انه ارتاح لهذه الملاحظات والشاهدات التى قصصتها عليه وآنست فيها انها شغلت باله وصرفته عني . ورأيت الفرصة مواتية للانسحاب قبل أن يعود في إلي حديث المغناطيس . فدلعت مسرعا إلى خارج الغرفة . وتركت عوضي علي الله في مسائل الحساب التي كنت كلفته بحلها . وعدت راضيا من الغنيمة بالإياب .

اشترك في نشرتنا البريدية