الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

كيف أخرج منى عفريتى، قصة واقعية المكاتبة مع أحد تلاميذ العلامة فرود، لخصها عن الأنجليزية الأستاذ محمد بدران

Share

جلست في غرفة استقبال صغيرة قليلة الأثاث ، وقلبى يدق دقات سريعة ، ويداى شديدتا البرودة في انتظار الطبيب النفسانى . وذلك أنى كنت قد ذهبت قبل أسبوع من هذا الوقت إلي طبيبى الخاص ، وشكوت إليه من أنى لا أستطيع النوم ليلا ، وأنني أتعرض لنوبات شديدة من الخوف ، أحس في أثنائها كاننى مشرفة على الموت ، وطلبت إليه أن ينقذنى من هذه الآلام المبرحة التي لا أقوى على احتمالها.

فحصنى الطبيب بعناية شديدة ، ثم قال لى بلطفه المعهود : أنى صحيحة الجسم سليمة من الأمراض ، وأما نوبات الخوف فليس شفاؤها في قدرته ، لأن ذلك ليس من اختصاصه ، ولكنه يعرف الشخص الذي يمكنه إنقاذى منها ، وسألنى : " هل سمعت عن أولئك الأطباء الجدد ، الأطباء النفسانيين ؟ إنهم يستطيعون أن يطردوا من عقلك مرض الخوف كما يستطيع الجراح أن يقتطع من جسم المريض زائدته الدودية الملتهبة ، وسأتفق لك على موعد مع أحد هؤلاء الأطباء . إنك لا تزالين في سن الشباب ، وأمامك خير أيام العمر فلا تيأسى ، إن هؤلاء الأطباء يأتون الآن بما يشبه المعجزات ، وهم يستعينون على ذلك بتجارب السنين وملايين الجنيهات ".

هذا ما دار بينى وبين طبيبى منذ أسبوع ، وما جئت من أجله إلي دار العلاج النفسانى التي يديرها أحد تلاميذ العلامة فرود .

وبينما أنا غارقة في أفكارى ومخاوفى إذا بباب الحجرة يفتح فجأة ودخل منه رجل قصير الجسم ناضر الوجه ، ويقول لي بصوت هادئ رزين : " تفضلى"!

لن أنسى قط نبرات هذا الصوت التى شعرت عند سماعها بأن كثيرا من آلامى العصبية قد فارقتنى . ولقد أخبرنى كثير من المرضى بعد ذلك أن هذا الصوت نفسه قد ملأهم ثقة بصاحبه ، وبعث فيهم أملا في الحياة جديدا . قادنى الطبيب إلي حجرة قليلة الأثاث ، ليس فيها إلا مكتب وكرسيان وأريكة من الجلد الأسود ، ويفصلها عن العالم الخارجى أبواب ثقيلة مزدوجة.

وجلس الطبيب أمامي والنافذة من ورائه ، وأخذ يكتب في هدوء أجوبتى عن أسئلته الخاصة بسنى ومعيشى وتاريخ حياتى الذي لم أخف عنه منه شيئا ، وأخبرته كذلك بما أشعر به من خوف وفزع ، وسألته في لهفة : " هل حالتى قابلة للشفاء ؟ " فأجاب : " إن أمله في ذلك كبير ، وإنه سيبحث عن منشأ هذا الخوف حتى يكشفه لى " ثم أتبع ذلك بقوله : " لكنك يجب أن تعرفى أولا شيئا مجملا عن أصل هذه المخاوف المجهولة ، وكيف تستقر في عقل الانسان .

" إن الجزء المفكر من عقلنا هو جزء صغير منه ، أما بقية العقل فيتكون من الجزء اللاشعورى ، الذي يعمل دائما بالليل وبالنهار ، يوحي إلي الرئتين بالاتساع والانكماش ويدفع الدورة في الشرايين والأوردة ، ويهضم الطعام ، ويصدر الأوامر إلي أجزاء الجسم المختلفة ؛ فاذا أردت مثلا

أن تلتقطى دبوسا من الأرض فانك لا تفكرين في كيفية التقاطه ، أي في كيفية إمساكه بأصابعك وتحريك ذراعك وثنيها ثم بسطها ، بل الذي يفعل ذلك كله هو الجزء اللاشعورى من عقلك ، أو بعبارة أخرى عقلك الباطن ؛ وهو يعرف عنك أكثر مما تظنين ، فهو الذي يخبرك بحاجتك إلى الطعام أو الشراب ، وهو الذي يرسل الرسائل إلى عقلك المفكر طوال الليل والنهار ؛ وهذه الرسائل لا تنفذ كلها ، بل إن بعضها مستحيل التنفيذ ، لأن عقلك الباطن لا يستطيع أن يكيف نفسه حسب الظروف والأحوال ، ولهذا ينشأ لديك جزء وسط فى عقلك أستطيع أن أسميه الحكم أو الرقيب ، هو الواسطة بين ما تريدين بالفعل وبين ما يجب أن تريديه.

ذلك هو نفسك العليا أو ضميرك ، الذي تشعرين بوجوده قبل ان تبلغى السادسة من عمرك ، والذي يهذب غرائزك ويمنع كثيرا من رغباتك اللاشعورية من أن تظهر في الوجود ، ولولاه لكنا همجا او انعاما ، نقتل من يحول بيننا وبين أغراضنا ، ونلتهم الطعام حينما وجدناه ؛ ولكن هذا الرقيب قد يكون في بعض الأحيان رقييا شديدا ، يكبت إحدي الدوافع أو الرغبات كبتا مستمرا ، فتطرق هذه الرغبة جدران عقلنا المفكر ، تريد أن تشعرنا بوجودها ، ولكنها لا تستطيع أن تجد سبيلها إلى الظهور إلا في شكل خوف من المخاوف كخوفك من الموت الذي تحدثيننى عنه "

فسألته مندهشة : " هل كل مخاوفنا إذا رغبات أو دوافع مكبوتة ؟ "

فأجابنى : " لا . ليست كلها كذلك ، فبعضها مثلا ذكريات من طفولتنا بقيت في عقلنا الباطن وتريد أن تنطلق منه . وواجبنا الآن في حالتك الخاصة أن نعود إلي عقلك الباطن وتستخرج منه خوفك بعد أن نتبين سببه بالرجوع إلي ما مر بك أيام طفولتك ، لنعرف بعض ما كان لديك من الدوافع غير الاجتماعية أو الذكريات المؤلمة التي تضايقك الآن " .

فسألته مندهشة متحيرة : " وكيف نفعل هذا ؟ أنفعله عن طريق التنويم المغنطيسى ؟ "

فأجاب مبتسما : " لا ، بل كل ما يجب عليك هو أن تغمضى عينيك وتنظرى إلى ما يمر بك من الصور "

فقلت وقد زادت حيرتى : " أي الصور تقصد ؟ " فأجاب : " هي الصور التي أسميها الأحلام والتي يبعث

بها اللاشعور طوال الليل والنهار إلي العقل المفكر ، وهي تتكون من ذكريات وآمال إذا نمت نوما غير عميق رأيتها على شكل أحلام ، ولكنك إذا رقدت في يقظتك على الفراش في سكون تام وأرخيت عضلاتك استطعت أن تري هذه الصور . على أن بعضها لا يسمح الرقيب بظهوره من أول الأمر ، فيبدو مكانه في شريط الصور الذي ينبسط أمام عينيك أسود خاليا من كل شئ ، ولكن هذا الرقيب لا يلبث أن يمل من محو تلك الصور غير المرغوب فيها ، فلا تلبثين ان ترى دليلا عليها أى دليلا على التجربة التي مرت بك في طفولتك وسببت لك هذا الخوف " .

فقلت له : " ولكن طفولتى كانت كلها طفولة طبيعية بريئة ، كما أنني اجتزت دور المراهقة في أمان ، وأنا الآن زوجة سعيدة موفقة ، ولست أذكر أن قد مرت بى فى حياتى تجارب تبعث فى هذا الخوف الشديد " .

فأجاب الطبيب ضاحكا : " لست أقصد بالتجربة ماحدث لك بالفعل ، بل أقصد رأيك أنت فيما حدث وتفسيرك له . والآن ارجو منك أن ترقدى على هذا السرير وتنظرى إلى صورك " .

فأطعته من فورى ورقدت على السرير وأغمضت عينى ، وجلس الطبيب أمام مكتبه . لم أر أول الأمر إلا سوادا في سواد ؛ ولكن الطبيب قال لى : " لا تيأسى ، بل انظرى وتأملى ، وسترين شيئا بعد قليل ". ففعلت ولكننى لم أر إلا ظلاما ، ثم بدأ الظلام يستحيل إلى صور مطموسة

مهوشة ، وعلى حين غفلة مرت أمام عينى المغمضتين عدة صور بعضها في إثر بعض ، وسمعت صوت الطبيب يقول : " ماذا ترين ؟ خبرينى ولا تخفى عنى شيئا " .

فأجبته : " أري حجرة استقبال تؤدى إلي حجرة الطعام ، وأري خادمة تدخل هذه الحجرة ، وتضع صفحة على المائدة ؛ والآن أرى سوادا من جديد ، ثم أرى مائدة ومصباحا ، وزهرة فى وعاء ، وأرى قطارا يحترق تلالا تتوجها الثلوج "

وظللت كذلك ساعة من الزمن قال لى بعدها الطبيب : " كفى ما رأيته اليوم ، وستعودين إلى غدا ، ويهمنى أن ترى شيئا لم يظهر لك في كل ما مر بك من الصور . إنك لم تحدثنى عن شخص تعرفينه ، أو فرد من أفراد أسرتك ، أو عن صورة لا تسمحين بالتحدث عنها علنا ، وسبب ذلك أن رقببك عتيد شديد ، قد محا كل الصور التى تساعدنا على كشف سبب خوفك ؛ ولكن لا تيأسى ، فسيمل الرقيب ، وستظهر بعض هذه الصور والذكريات " .

والحق أن الطبيب كان صادقا ، وإن كانت آماله لم تتحقق إلا بعد أسابيع ؛ كانت بعض الصور في أثنائها تظهر سوداء ، وإذا وضحت بعض الوضوح في يوم ما ، فقد تعود في اليوم التالي إلي الغموض حتى كدت أيأس .

وأخيرا في ظهر يوم من الأيام بينما أنا راقدة على السرير شعرت بخوف ينتابنى ، وضيق في تنفسى ، واشتدت دقات قلبى ، وأسرعت فناديت الطبيب في ذعر وألم : " كفى يا سيدى ! لابد أن أعود الآن إلى منزلى ، أو أخرج من هنا إلى أى مكان آخر ، أنا خائفة مرعوبة لا أستطيع التنفس ، دعنى بالله " .

فأجابنى الطبيب بلهجة الآمر وإن لم تفارقه دعته ورقته : " ارقدى ساكنة وأغمضى عينيك ، وحدثينى عما ترينه " . ثم جاء وجلس إلى جانب السرير وأمسك بيدى

وقال : " إنك لن تموتى فواجهى ما تخافينه وانظرى ما يتجلى أمامك من الصور " .

فصدعت بالأمر وأغمضت عينى وجوارحى كلها ترتعد من الخوف ، والعرق بتصبب من جيبنى ، وظللت مدة لا أرى شيئا ، ثم قال الطبيب : " حدثينى ماذا ترين ؟ "

فأجبته بصوت منخفض متهدج : " إنى أصعد درج سلم عال في منزلنا ، والآن قد وصلت إلي الطابق الأعلى ، ورأيت أمامى بابا ، آه . . إنى خائفة " .

ثم انطمست الصورة فلم أستبين شيئا ، ولكنها عادت بعد قليل إلى الوضوح : " والان أرانى فى حجرة النوم ، وأمامى أختى التوأمة ميتة ، وقد ارتعت لرؤيتها وغادرت الحجرة مسرعة ، وصعدت إلى سطح المنزل ووقفت أمام الحجرة العليا الصغيرة ؛ والآن أحس بأن نكبة توشك أن تحل بى ؛ ها هو الباب ينفتح ، وهأنذا أسمع أصواتا تنادينى : لقد كنت تحبين أن تموت " .

وكاد ينفد صبرى عندما أتممت حديثى ، ولكن الطبيب أمرنى أن أنعم النظر وأحدثه عما أرى .

" والآن أرى حجرة نوم أخرى فيها سرير كبير ترقد عليه امى وشعرها منتشر فوق وسادتها ولا يختلف منظرها عن صورتها الشمسية التي نحتفظ بها في حجرة نومنا والتي أخذت لها قبل وفاتها حين كانت سنى أنا وأختى ثلاثة أسابيع ، والآن أراها تحرك رأسها نحوى وأرى بنتا صغيرة سوداء راكعة إلى جانب السرير ، ثم تنظر أمى إلى وتقول : أعرف أنك قتلتها " .

ثم ذهب عنى الروع فجأة وأرتخت عضلاتى المتصلبة ، وشعرت بتعب شديد ، ولكنى أحست بأنى شفيت من خوفى ، ففتحت عينى ورأيت الطبيب إلى جانبى والحجرة تملؤها ضوء الشمس ، وعندئد قال لى الطبيب : " والآن أحب أن تحدثينى عن بنتين صغيرتين توأمتين إحداهما شقراء سمينة

كثيرة الحركة والنشاط والأخرى سمراء صغيرة الجسم ضعيفة البنية في حاجة دائمة إلي العناية " ولم أكن فى حاجة إلي تفكير طويل لأن البنتين معروفتان لى ، فأنا الشقراء والثانية أختى التى ماتت في سن السادسة

وأستمر الطبيب في حديثه : " ليس للبنتين أم ويلوح أن الأب كان يختص البنت الضعيفة التي تشبهه في سماره بكل حبه وحنانه ، وأن أختها كانت تحس بحاجتها إلي هذا العطف الأبوى ، فأورثها ذلك شيئا من سوء الخلق أفقدها كثيرا من حنان أبيها ، فنما في عقلها الباطن دافع أو رغبة في أن تموت أختها ليخلو لها الجو ، ولكن هذه الرغبة في الموت تصحبها " جريمة الموت " لأنها رغبة خبيثة ، وهذا هو منشأ الصوت الذي سمعته يقول : " لكنك كنت تحبين أن تموت " . ثم تموت البنت الضعيفة بعد بضع سنين فكيف يؤثر ذلك في أختها ؟ هل تبكى عليها ؟ "

فأجبته : " لا ، لم أبك بل كل الذى حدث أنى خفت خوفا شديدا "

وأتم الطبيب حديثه قائلا : " ولكن الرغبة في موت الطفلة التى جاءت من عقل البنت الباطن قد تركزت وثبتت حتى استحالت خوفا ورعبا لدى أختها لأنها كانت ترغب في موتها " .

وعندئذ تنفست الصعداء وأحست أن جرحا عميقا في نفسى قد التأم وذهبت عنى آلامه المبرحة . وواصل الطبيب حديثه قائلا : " وترى هذه البنت بعد ذلك في حياتها خلقا يموتون ، فتعود إلى عقلها الباطن مخاوفها القديمة وما سوف يحدث لها عندما تموت وتواجه بجريمتها ؛ ولكنك لا تعرفين شيئا عن هذا كله ، بل تعرفين أنك لم تقتلى أختك في الحقيقة ، وأنها ماتت موتا طبيعيا لاعتلال صحتها . وإنى أؤكد لك أنك لم تكسبى إثما حينما شعرت بحاجتك إلى من يعطف عليك بعد موت والدتك " .

فسألته فى لهفة : " إذا لم يكن فى هذا الشعور شئ غير طبيعى ؟ وهل يشعر كل الأطفال بما شعرت به أنا ؟ "

فأجاب الطبيب : " نعم إن كل طفل في مثل ظروفك لابد أن يشعر بما تشعرين به . لقد كنت أشبه بعصفور صغير أهملته أمه وأخرجته من عشها ، فكنت لرغبتك فى حماية نفسك تحبين أن تبعدى أختك عنك ، وإن لم تكونى في الحقيقة راغبة في أن تموت " .

ثم جلست منهوكة القوى ، وتنهدت تنهدا عميقا ، وفكرت في الموت بوجه عام وفى موتى أنا بنوع خاص ؛ ولكن هذا التفكير لم يروعنى بل شعرت بأنى قد عوفيت من مرضى ، وأصبحت امرأة عادية ، راغبة في الحياة والتمتع بنعيمها وسرورها .

اشترك في نشرتنا البريدية