نسمع كل يوم عن تصادم السياسة الروسية مع السياسة الأمريكية ، ونقرأ بين آن وآخر كيف تتباعد السياستان ، حتى إن البعض ليقدر عمر هيئة الامم بالشهور والأيام لا بالسنين . وقد دلت جميع الاتجاهات على أن العالم يسير إلى كتلتين ، شرقية وغربية ، وأنهما عما قريب متحاربتان . ويسير التسلح بينهما في سباق ، وتحاول كل واحدة معرفة مدى سبق الأخرى في فنون الحرب والتدمير .
وقد وصلت هيئة الأمم المتحدة والهيئات المتفرعة عنها إلي حالة مزرية من العجز ، لأن الدول تقف حيري أمام المشكلات ، فكل حل يحظى بتأييد إحدي الكتلتين ، فهو لا محالة واصل إلي الركود أو الفشل . وهكذا تركت مشكلات اليونان واندونيسيا ومصر وغيرها ، تتفاقم مع الزمن ، ولا يدري أحد إلي أين المصير .
ولكن مفاجأة اليوم هي اتفاق الكتلة الشرقية والأمريكية على تقسيم فلسطين ، وقد يدهش المرء كيف اقترب القطبان على ما بينهما من نفور . ولكن قليلا من التعمق قد يصل بنا إلى كشف سر ذلك الاتفاق .
ذلك أن هدف الصهيونية الأول هو إنشاء دولة
بني إسرائيل في فلسطين ، وهي الآن تستغل الاتجاهات السياسية لمختلف الدول لتحقيق ذلك الهدف . وقد اتضح أخيرا من التقارير التي ظهرت من الهجرة غير الشرعية لليهود ، أنها جاءت عن طريق معسكرات هيئة الإعانة والتعمير التابعة لهيئة الأمم المتحدة ، والتي تسعى بالأونرا . فقد وضعت الهيئات الصهيونية الأمريكية أموالا طائلة تحت تصرف الهيئات المحلية اليهودية في قارة أوربا ، واستأجرت على الحدود الإيطالية النمساوية عددا كبيرا من المنازل والفيلات تسمى بالعبرية هاراشوت ، وهي في جعبتها تسمح باستضافة أربعة آلاف من المهاجرين في وقت واحد . وتعتمد في إعانتهم على مساعدات هيئة الإعانة والتعمير وعطفها .
في هذه العسكرات يقضي المهاجرون فترة من الزمن يدرسون فيها فنون الهندسة أو الزراعة أو الطب أو السياسة الخ . بقصد إعداد المواطن اليهودي الكامل الذي يستطيع أن يعمل عند ما يضع قدمه على الأراضي المقدسة . ويقسم اللاجئون فيها إلى شعب سياسية حسب ميولهم واختيارهم ، فتجد من بينهم حزب سومر ، أو الحزب اليهودي الشيوعي ، وحزب بيتار أو الاشتراكي الوطني . وهذه المعسكرات تقص بزائريها ، ولكنهم في تغيير مستمر ، فريق يظهر ، وفريق يختفي . ويتخذ أفراد هذا الفريق الأخير وجهتهم نحو الجنوب ، إلى نابلى أو باري ، وغيرهما من الموانئ الإيطالية ، بل إلى الشواطئ الإيطالية الجنوبية ، حيث يركبون الزوارق إلى السفن التي تنتظرهم في عرض البحر .
وأ كثر هؤلاء المهاجرين قد قدموا من مناطق النفوذ السوفيتية ، ولا يبدو من أحاديثهم أنهم كانوا موضع اضطهاد في أوطانهم ، وإنما رغبوا في الهجرة إلى فلسطين بأمل إنشاء دولة يهودية شيوعية فيها . وبعض اليهود البولنديين يرون أنفسهم بعد الحرب وقد انقطعت بهم
صلاتهم بقراهم ومدنهم ، ولم تعد إقامتهم أمرا مرغوبا فيه بعد ذلك .
ويلي حزب سومر اليهودي الشيوعي في الأهمية حزب بيتار Betar ، وأعضاؤه يميلون إلي اعتناق الأفكار الدكتاتورية والتعصب الوطني ، و كثرهم ينخرطون بعد وصولهم في سلك الهاجاناه أو جيش التحرير ولهذا فهم يخصصون معظم أوقاتهم للتدريب العسكري على أوسع نطاق . وإنما لا نقول ذلك عبثا ، إذ ثبت من الإحصاءات الأخيرة أن اكثر من ٧٥ % من المهاجرين اليهود الذين تسربوا خلسة إلي فلسطين في بحر السنة أشهر الأولى من عام ١٩٤٧ كانوا من البولنديين الذين لجاؤا إلي معسكرات الاونرا ، وتعترف هيئات الأونرا بأن البولنديين قوم صعاب المراس ، يسود تصرفاتهم العناد ، ويبدو عليهم الشدوذ العقلي ، وتعلل ذلك بأنهم قد قضوا حوالى عشر سنين يرزحون في سلاسل الاضطهاد وظلام معسكرات الاعتقال .
والشعور السائد بين هؤلاء المهاجرين هو العداء لبريطانيا ، وقد يفسر لنا ذلك شدة الإرهاب الصهيوني في فلسطين ، واتخاذه مظهر الجهاد الديني ضد الحكومة البريطانية . ويتداولون فيما بينهم نشرات الدعاية العنيفة ضد بريطانيا . وهكذا أصبحت معسكرات الأونرا في أوربا الوسطى وإ يطاليا ، المعقل الأمامي لحركة الإرهاب الصهيوني ، يستغل فيها المشرفون على الحركة الصهيونية تلك المساعدات القيمة الى تبذلها هيئة الأونرا ، ظنا انها تقوم بواجب إنساني . ويزود اللاجئون بعد ذلك بالأوراق والمستندات اللازمة ، وجوازات المرور ، بل قد نجد للشخص الواحد أربعة جوازات مختلفة بأسماء وصفات متنوعة . وقد احتاطوا لكل الظروف ، فأعدوا السيارات الكبيرة ، وكميات الوقود الكافية .
كل هذا يجري بالرغم من أن اضطهاد العناصر السامية في البلاد السلافية كهولاندا وبوجوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا محظور قانونا ؛ غير أن الأمر الذي لا يمكن إنكاره ان العيش في هذه البلاد لم يعد يطيب اليهود ، وقد أخذت أسراب الهجرة اليهوديةتحاول الخروج منها ، وتجد في محاولتها التشجيع الكافي من حكوماتها . بل أكثر من ذلك ، فان هذه القوافل اليهودية تخرج مشبعة بفكرة الدولة الشيوعية اليهودية في فلسطين ، والتي ستصبح فيما بعد المركز الأساسي للشيوعية ، والبؤرة التي تنتشر منها الدعوة في أنحاء الشرق الأوسط .
أما أمريكا فهي كما قال دولة فارس الخوري بك تجد نفسها مدفوعة إلى استجابة الدوافع الصهيونية أملا في كسب أصوات اليهود الأمريكيين في معركة الرئاسة القادمة خاصة ، وأن هيئاتهم في أمريكا تسيطر على وسائل الدعاية من صحف إلي إذاعة إلى سينما .
وهي في هذا تضرب عصفورين بحجر واحد ، فهي ترمي بجانب ذلك إلي أن تصبح الدولة اليهودية الجديدة على صغرها رأس جسر يمر منه النفوذ الامريكى إلى سائر دول الشرق العربي ، ومركزا استراتيجيا تشرف منه على امتيازات شركائها وخطوط طيرانها .
وقد فطنت انجلترا إلي ذلك الخطر أخيرا ، فلوحت لأمريكا فجأة بالانسحاب من فلسطين وترك اليهود يلاقون مصيرهم مع العرب وجها لوجه ، أو أن تسارع أميركا إلى احتمال مسئولية السياسة التي ترغب في إملائها وهي في كل هذا ترغب في الاحتفاظ بفلسطين كلها لنفسها ، وان يبقي العرب واليهود في حالة من العداوة والشقاق الطائر المستمر ، ولا بأس أن تصبح في فلسطين مأساة هندستان وباكستان أخرى ، مادام في ذلك ضمان لبقاء استعمارها .
وإننا نتساءل بعد كل هذا : إلام يستمر الشرق مخليا لهذه الوحوش ؟
