تقدم العلم فاستطاع أن يسخر من قوى الطبيعة ما استفادت به الحياة البشرية وارتقت عن طريقه المدنية ، وليس هناك من شك فى أن الهواء والماء والنار والفحم والبترول والكهرباء ، كل هذه قد أدت إلى بناء صرح الحضارة ، وأوصلت الإنسان قدما إلى طريق التقدم والرقى ، بل أصبحت من أهم عماد الحياة فى يومنا هذا .
بيد أن الطبيعة وهبت قواها دون ما عدل أو قسطاس ، فمنحت بلادا أرضا غنية بالفحم ، وجادت للبعض بتربة تجرى من تحتها أنهار من البترول ، ووهبت البعض الآخر مساقط مياه قوية ، ثم تركت ثمة بلادا فقيرة بمواردها .
ولذلك ما فتئ العلم يبحث وينقب لعله يجد فى الطبيعة من جديد القوى ما يسد نقص تلك البلاد .
القوة من البحار الاستوائية :
منذ خمسة وعشرين عاما حاول مهندسان فرنسيان استنباط القوة بطريقة جديدة من الطبيعة . وكان مناط بحثهما أن درجة حرارة الماء على سطح البحر فى المنطقة الاستوائية أعلى بدرجة ملحوظة من درجة حرارة الماء فى القاع ، أو تحت عمق معين . فإذا أمكن رفع ماء القاع فى سهولة حتى يصل إلى السطح ، فمن المستطاع الحصول على كميات وافرة من الماء فى درجات متغايرة الحرارة وفى
اتصال مستمر ، بعضها بالبعض الآخر . ومن الجلى أن الطاقة الحرارية لسطح الله تميل إلى الاندفاع صوب الماء البارد المقبل من القاع .
فهل فى الإمكان تدبير انتقال الطاقة الحرارية من الماء الدافىء إلى الماء البارد فيعترضها أى نوع من الآلات لاستغلالها ؟ .
لا بد أن يكون ذلك ممكنا نظريا ؛ فإنه من المعروف أن الحرارة تمر من الأجسام الساخنة إلى الأجسام الباردة . ولكن هل يتأتى ذلك عمليا ؟ . وهل الآلة التى تعترض انتقال الطاقة الحرارية قادرة على تأدية عملها فى استغلال هذه الطاقة بطريقة عملية ؟ .
لنسأل أولا : ماذا تعنى درجة الحرارة ؟ درجة الحرارة هي مقياس درجة اضطراب أو اهتزاز جزيئات الجسم . فالجزيئات فى درجة ٨٠ مئوية أكثر اضطرابا منها فى درجة ٢٠ . أى أنه كلما ارتفعت حرارة الجسم ، زادت جزيئاته اهتزازا ، وازداد دفع بعضها البعض . وهذا الاندفاع يولد ضغطا يزداد بازدياد الحرارة . ويسمى هذا الضغط فى حالة الماء " ضغط البخار " وهو يختلف باختلاف درجة الحرارة . فمثلا ضغط البخار فى درجة ٢٠ مئوية يقدر بحوالى ١/٢ رطل على البوصة المربعة ، وفى درجة ٨٠ ما يقرب من ١/٢ ٧ رطل على البوصة المربعة . فإذا ما أدخل ماء فى درجة
٢٠ فى وعاء مفرغ من الهواء ، فإن البعض منه يتبخر إلى أن يصير الضغط فى الوعاء مقداره 1/2 رطل على البوصة المربعة ، ثم لا يتبخر الماء بعد ذلك . وإذا ما أدخل ماء فى درجة . ١٠٠ ، فإن البعض منه يتبخر حتى يصل الضغط إلى ١٥ رطلا على البوصة المربعة ، أى الضغط الجوى . وهذا هو سبب غليان الماء فى هذه الدرجة من الحرارة . فإن جزيئات الماء يدفع بعضها البعض بضغط يعادل ١٥ رطلا على البوصة الواحدة ، فتندفع الحزيئات فى الهواء أو تتبخر كما يقال . والماء فى درجة ٢٠٠ يتبخر عند إدخاله فى الوعاء حتى يصل ضغطه إلى ٢٢٥ رطلا للبوصة الواحدة المربعة . أى أن أحواله تكون مشابهة لتلك التى للغلاية البخارية .
لنفرض إذا ، أننا استطعنا إدخال سطح ماء البحار الاستوائية الذى فى درجة حرارة ٣٠ فى وعاء مفرغ من الهواء ، فسيتبخر الماء حتى يصير الضغط فى الوعاء رطلا واحدا علي البوصة المربعة . فإذا ما أدخل ماء البحر القادم من الأعماق - وتبلغ درجة حرارته ٢٠ أو أقل - فى وعاء آخر ، يتبخر حتى يصل ضغطه إلى ١/٢ رطل للبوصة المربعة .
لنسأل الآن : ما الذى يحدث إذا ما أوصلنا الوعاءين بأنبوبة ؟ إن بخار الماء سيندفع فى الحال من الوعاء ذى الضغط العالى إلى الوعاء ذى الضغط المنخفض . فإذا ما اعترض مسار البخار تربين قائم بالأنبوبة ، فإنه سيتحرك باندفاع البخار ، ومن ثم يستطاع توليد الكهرباء .
وقد أجريت تجارب علي أنموذج من هذا القبيل بفرنسا ، وكان الماء الساخن فى درجة حرارة ٣٣ ، والبارد فى درجة ١٢,٨، فكانت سرعة لفات التربين ٥٦٠٠ لفة فى الدقيقة ، وأدار بذلك مولدا كهربائيا أنتج ٥٩,٤كليووات ( قوة ٨٠ حصانا ) من الكهرباء ، احتيج منها إلى ١٨ كيلووات فحسب لتوصيل الماء إلى الوعاءين .
وقد كان مقررا إنشاء محطة كهربائية من هذا النوع فى خليج المكسيك ، نظرا لأن سطح الماء هناك ذو درجة مرتفعة من الحرارة ، بينما الماء تحت عمق ٣٠٠٠ قدم لا تزيد
حرارته عن درجة الصفر المئوى ، بيد أنه قامت عقبات فى سبيل الإنشاء ؛ منها صعوبة إنزال أنبوبة إلى هذا المدى من العمق ، كما وجد من المتعذر امتصاص الماء البارد العميق إلى سطح البحر . ثم هناك مشكلة لإبقاء الأنبوبة دائما فى نظافة تامة ، فإنها لا تسلم مطلقا من دخول بعض الأسماك فيها ، فتدفع إلى التربين وتتلفه . ولا يجدى وضع مرشحات للأنبوبة ، فسرعان ما تسدها الطحالب .
ولو أمكن وضع هذا المشروع فى حيز التنفيذ ، فإن ذلك يؤدى فى الحال إلى عمران البلاد التى تنفذ فيها هذا المشروع ورخائها ، وازدهار الصناعة فيها .
استغلال البخار البركانى :
كان أول من فكر فى استغلال الحرارة البركانية الأمير جينورى كونتى الإيطالى . وكان من نتيجة أبحاثه أن أنشئت محطة كهربائية قوية بمقاطعة لاندرللو بتوسكانى ، تنتفع بالبخار البركانى الصادر من الينابيع المنفجرة بالمقاطعة .
ابتدأ الاهتمام بالينابيع الحارة عام ١٨١٨ عندما أمكن الحصول علي حامض البوراسيك منها ، وذلك بالقرب من كاستلنوفو وساسو ومونترو ثاندو وبعض المواقع بالقرب من فولترا ، وكان محلول الحامض يبخر عن طريق الأبخرة المتصاعدة من فوهات الينابيع . وحتي عام ١٩٠٤ لم تقم محاولات للانتفاع بهذه الأبخرة فى أى جهاز آلى لإنتاج القوى الميكانيكية .
ثم استعمل البخار بادئ ذى بدء فى بعض محطات القوى بطريقة غير مباشرة ، فكان يستعمل فى تسخين الماء النقى ليزود الآلات بالبخار ، حيث إن الغازات الموجودة فى البخار البركانى كالإبدروجين المكبرت تساعد على تكوين صدأ الأجزاء المعدنية للالات ، إذا ما استعمل البخار البركانى مباشرة .
وفى عام ١٩١٤ أقيمت ثلاثة تربينات قوة كل واحد منها ٣٣٠٠ حصان بناحية لاندرللو ، وذلك لتحريك مولدات كهربائية . وكان الفرق الرئيسى بين هذه التربينات وغيرها
أنها تستعمل البخار البركاني كوقود لغلابها بدلا من الفحم والبترول .
ثم قام إيطالي يدعي برنتيتي بإختراع آلة ترشيح قادرة على إزالة الغازات الضارة الموجودة بالبخار البركاني ، حتى يمكن استعماله مباشرة بالتربينات دون أن تصدأ أجزاؤها المدنية . وأمكن بذلك الإقلال من نفقات الغلايات ، وزيادة مقدرتها على العمل .
وقد نتج من ذلك ، أن استطاعت التربينات وقوتها ٣٣٠٠ حصان - التي تدار بالبخار البركاني الني - أن تولد تيارا كهربائيا منقطعا قوته . . قوات ، جزء منه يتحول إلى ١٦٠٠٠ قوات يغذي مقاطعة فولترا ، والباقي يتحول إلى ٣٩٠٠٠ قولت يغذي وسط إيطاليا .
وقد تفجرت بنابيع جديدة ذات فوهات كبيرة العمق والاتساع بالقرب من كاستلنو وسراانو ، لحصل منها على فات هائلة من البخار ذي الضغط العالي . وهو ضغط يب بتقدم مطرد في توليد الكهرباء .
هذا الاستغلال الكثمر قد بوجه الأنظار إلى احتمال استعمال تخار البراكين في كافة البقاع الكائنة فيها .
استعمل الطاقة الذرية
بيد أن كل هذه الوسائل ومثيلاتها لا تعد شيئا إذا ما قورنت باستغلال الطاقة الذرية . ولو استطاع العلماء تصميم استغلال هذه الطاقة لمنمة البشر - لا لدمار الإنسانية كما يفعلون - لكان ذلك بداية عصر جديد وعهد لا مثيل له . عهد ذهي من الدنيا والحضارة . يد أنه مع الأسف لا يزال استغلال هذه الطاقة موجها في طريق الحرب والسار
ولعل إيماننا بتوجيه هذه القوة الجبارة لمنفعة الإنسان ، يتقلب على تشاؤمنا منها باعتبارها وسيلة ادمار العالم وإبادة الحرث والنسل ، وبذلك نبدأ صفحة زاهرة مجيدة من تاريخ نهضة البشر .

