الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, استغلال قوى الطبيعة

Share

تقدم العلم فاستطاع أن يسخر من قوى الطبيعة ما استفادت به الحياة البشرية وارتقت عن طريقه المدنية ، وليس هناك من شك فى أن الهواء والماء والنار والفحم والبترول والكهرباء ، كل هذه قد أدت إلى بناء صرح الحضارة ، وأوصلت الإنسان قدما إلى طريق التقدم والرقى ، بل أصبحت من أهم عماد الحياة فى يومنا هذا .

بيد أن الطبيعة وهبت قواها دون ما عدل أو قسطاس ، فمنحت بلادا أرضا غنية بالفحم ، وجادت للبعض بتربة تجرى من تحتها أنهار من البترول ، ووهبت البعض الآخر مساقط مياه قوية ، ثم تركت ثمة بلادا فقيرة بمواردها .

ولذلك ما فتئ العلم يبحث وينقب لعله يجد فى الطبيعة من جديد القوى ما يسد نقص تلك البلاد .

القوة من البحار الاستوائية :

منذ خمسة وعشرين عاما حاول مهندسان فرنسيان استنباط القوة بطريقة جديدة من الطبيعة . وكان مناط بحثهما أن درجة حرارة الماء على سطح البحر فى المنطقة الاستوائية أعلى بدرجة ملحوظة من درجة حرارة الماء فى القاع ، أو تحت عمق معين . فإذا أمكن رفع ماء القاع فى سهولة حتى يصل إلى السطح ، فمن المستطاع الحصول على كميات وافرة من الماء فى درجات متغايرة الحرارة وفى

اتصال مستمر ، بعضها بالبعض الآخر . ومن الجلى أن الطاقة الحرارية لسطح الله تميل إلى الاندفاع صوب الماء البارد المقبل من القاع .

فهل فى الإمكان تدبير انتقال الطاقة الحرارية من الماء الدافىء إلى الماء البارد فيعترضها أى نوع من الآلات لاستغلالها ؟ .

لا بد أن يكون ذلك ممكنا نظريا ؛ فإنه من المعروف أن الحرارة تمر من الأجسام الساخنة إلى الأجسام الباردة . ولكن هل يتأتى ذلك عمليا ؟ . وهل الآلة التى تعترض انتقال الطاقة الحرارية قادرة على تأدية عملها فى استغلال هذه الطاقة بطريقة عملية ؟ .

لنسأل أولا : ماذا تعنى درجة الحرارة ؟ درجة الحرارة هي مقياس درجة اضطراب أو اهتزاز جزيئات الجسم . فالجزيئات فى درجة ٨٠ مئوية أكثر اضطرابا منها فى درجة ٢٠ . أى أنه كلما ارتفعت حرارة الجسم ، زادت جزيئاته اهتزازا ، وازداد دفع بعضها البعض . وهذا الاندفاع يولد ضغطا يزداد بازدياد الحرارة . ويسمى هذا الضغط فى حالة الماء " ضغط البخار " وهو يختلف باختلاف درجة الحرارة . فمثلا ضغط البخار فى درجة ٢٠ مئوية يقدر بحوالى ١/٢ رطل على البوصة المربعة ، وفى درجة ٨٠ ما يقرب من ١/٢ ٧ رطل على البوصة المربعة . فإذا ما أدخل ماء فى درجة

٢٠ فى وعاء مفرغ من الهواء ، فإن البعض منه يتبخر إلى أن يصير الضغط فى الوعاء مقداره 1/2 رطل على البوصة المربعة ، ثم لا يتبخر الماء بعد ذلك . وإذا ما أدخل ماء فى درجة . ١٠٠ ، فإن البعض منه يتبخر حتى يصل الضغط إلى ١٥ رطلا على البوصة المربعة ، أى الضغط الجوى . وهذا هو سبب غليان الماء فى هذه الدرجة من الحرارة . فإن جزيئات الماء يدفع بعضها البعض بضغط يعادل ١٥ رطلا على البوصة الواحدة ، فتندفع الحزيئات فى الهواء أو تتبخر كما يقال . والماء فى درجة ٢٠٠ يتبخر عند إدخاله فى الوعاء حتى يصل ضغطه إلى ٢٢٥ رطلا للبوصة الواحدة المربعة . أى أن أحواله تكون مشابهة لتلك التى للغلاية البخارية .

لنفرض إذا ، أننا استطعنا إدخال سطح ماء البحار الاستوائية الذى فى درجة حرارة ٣٠ فى وعاء مفرغ من الهواء ، فسيتبخر الماء حتى يصير الضغط فى الوعاء رطلا واحدا علي البوصة المربعة . فإذا ما أدخل ماء البحر القادم من الأعماق - وتبلغ درجة حرارته ٢٠ أو أقل - فى وعاء آخر ، يتبخر حتى يصل ضغطه إلى ١/٢ رطل للبوصة المربعة .

لنسأل الآن : ما الذى يحدث إذا ما أوصلنا الوعاءين بأنبوبة ؟ إن بخار الماء سيندفع فى الحال من الوعاء ذى الضغط العالى إلى الوعاء ذى الضغط المنخفض . فإذا ما اعترض مسار البخار تربين قائم بالأنبوبة ، فإنه سيتحرك باندفاع البخار ، ومن ثم يستطاع توليد الكهرباء .

وقد أجريت تجارب علي أنموذج من هذا القبيل بفرنسا ، وكان الماء الساخن فى درجة حرارة ٣٣ ، والبارد فى درجة ١٢,٨، فكانت سرعة لفات التربين ٥٦٠٠ لفة فى الدقيقة ، وأدار بذلك مولدا كهربائيا أنتج ٥٩,٤كليووات ( قوة ٨٠ حصانا ) من الكهرباء ، احتيج منها إلى ١٨ كيلووات فحسب لتوصيل الماء إلى الوعاءين .

وقد كان مقررا إنشاء محطة كهربائية من هذا النوع فى خليج المكسيك ، نظرا لأن سطح الماء هناك ذو درجة مرتفعة من الحرارة ، بينما الماء تحت عمق  ٣٠٠٠ قدم لا تزيد

حرارته عن درجة الصفر المئوى ، بيد أنه قامت عقبات فى سبيل الإنشاء ؛ منها صعوبة إنزال أنبوبة إلى هذا المدى من العمق ، كما وجد من المتعذر امتصاص الماء البارد العميق إلى سطح البحر . ثم هناك مشكلة لإبقاء الأنبوبة دائما فى نظافة تامة ، فإنها لا تسلم مطلقا من دخول بعض الأسماك فيها ، فتدفع إلى التربين وتتلفه . ولا يجدى وضع مرشحات للأنبوبة ، فسرعان ما تسدها الطحالب .

ولو أمكن وضع هذا المشروع فى حيز التنفيذ ، فإن ذلك يؤدى فى الحال إلى عمران البلاد التى تنفذ فيها هذا المشروع ورخائها ، وازدهار الصناعة فيها .

استغلال البخار البركانى :

كان أول من فكر فى استغلال الحرارة البركانية الأمير جينورى كونتى الإيطالى . وكان من نتيجة أبحاثه أن أنشئت محطة كهربائية قوية بمقاطعة لاندرللو بتوسكانى ، تنتفع بالبخار البركانى الصادر من الينابيع المنفجرة بالمقاطعة .

ابتدأ الاهتمام بالينابيع الحارة عام ١٨١٨ عندما أمكن الحصول علي حامض البوراسيك منها ، وذلك بالقرب من كاستلنوفو وساسو ومونترو ثاندو وبعض المواقع بالقرب من فولترا ، وكان محلول الحامض يبخر عن طريق الأبخرة المتصاعدة من فوهات الينابيع . وحتي عام ١٩٠٤ لم تقم محاولات للانتفاع بهذه الأبخرة فى أى جهاز آلى لإنتاج القوى الميكانيكية .

ثم استعمل البخار بادئ ذى بدء فى بعض محطات القوى بطريقة غير مباشرة ، فكان يستعمل فى تسخين الماء النقى ليزود الآلات بالبخار ، حيث إن الغازات الموجودة فى البخار البركانى كالإبدروجين المكبرت تساعد على تكوين صدأ الأجزاء المعدنية للالات ، إذا ما استعمل البخار البركانى مباشرة .

وفى عام ١٩١٤ أقيمت ثلاثة تربينات قوة كل واحد منها ٣٣٠٠ حصان بناحية لاندرللو ، وذلك لتحريك مولدات كهربائية . وكان الفرق الرئيسى بين هذه التربينات وغيرها

أنها تستعمل البخار البركاني كوقود لغلابها بدلا من الفحم والبترول .

ثم قام إيطالي يدعي برنتيتي بإختراع آلة ترشيح قادرة على إزالة الغازات الضارة الموجودة بالبخار البركاني ، حتى يمكن استعماله مباشرة بالتربينات دون أن تصدأ أجزاؤها المدنية . وأمكن بذلك الإقلال من نفقات الغلايات ، وزيادة مقدرتها على العمل .

وقد نتج من ذلك ، أن استطاعت التربينات وقوتها ٣٣٠٠ حصان - التي تدار بالبخار البركاني الني - أن تولد تيارا كهربائيا منقطعا قوته . . قوات ، جزء منه يتحول إلى ١٦٠٠٠ قوات يغذي مقاطعة فولترا ، والباقي يتحول إلى ٣٩٠٠٠ قولت يغذي وسط إيطاليا .

وقد تفجرت بنابيع جديدة ذات فوهات كبيرة العمق والاتساع بالقرب من كاستلنو وسراانو ، لحصل منها على فات هائلة من البخار ذي الضغط العالي . وهو ضغط يب بتقدم مطرد في توليد الكهرباء .

هذا الاستغلال الكثمر قد بوجه الأنظار إلى احتمال استعمال تخار البراكين في كافة البقاع الكائنة فيها .

استعمل الطاقة الذرية

بيد أن كل هذه الوسائل ومثيلاتها لا تعد شيئا إذا ما قورنت باستغلال الطاقة الذرية . ولو استطاع العلماء تصميم استغلال هذه الطاقة لمنمة البشر - لا لدمار الإنسانية كما يفعلون - لكان ذلك بداية عصر جديد وعهد لا مثيل له . عهد ذهي من الدنيا والحضارة . يد أنه مع الأسف لا يزال استغلال هذه الطاقة موجها في طريق الحرب والسار

ولعل إيماننا بتوجيه هذه القوة الجبارة لمنفعة الإنسان ، يتقلب على تشاؤمنا منها باعتبارها وسيلة ادمار العالم وإبادة الحرث والنسل ، وبذلك نبدأ صفحة زاهرة مجيدة من تاريخ نهضة البشر .

اشترك في نشرتنا البريدية