الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 588الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, البركليوم - عنصر جديد

Share

تملك جامعة كاليفورنيا في مقرها بمدينة ( بركلي ) آلة ضخمة لتحطيم الذرات والتلاعب بلبنات المادة ومكوناتها الأساسية ، اسمها السيكلوترون أو ( الدوارا ) . وقد اخترعت هذه الآلة منذ أكثر من خمسة عشر عاما ، وتوجد بضع عشرات منها فى مختلف أنحاء العالم ، ولكن أكبرها قطرا ما يوجد فى كاليفورنيا ، حيث صنعت الآلة لأول مرة وعرفت فائدتها وأجريت عليها بحوث كثيرة قبل أن يفتتح عصر الطاقة الذرية بالقنبلتين اللتين أسقطتا على هيروشيما ونجازاكى وبثالثة الأنافى التي أطلقت فى اليم فى بيكينى .

وتقدر ضخامة السيكلوترون بقطر رحاء ، إذ أن رحى تدور فيها الدقائق فى لولب مفتوح ، وهى فى كل دورة تستمد من الكهرباء والمغناطيسية قوة تزيد سرعتها شيئا فشيئا حتى تنطلق من فتحة جانبية بقوة تزيد أضعافا مضاعفة على قوتها حينما دخلت السيكلوترون . وأقرب شبه نعرفه للسيكلوترون هو ( المقلاع ) الذى يتكون من خيط فى مثل الذراع طولا ينتهى بجعبة بها حجر ، يديره الصبى مرارا فوق رأسه على أقصى امتداد ذراعه ، ثم يطلق الحجر من الجمعية بعد أن يكتسب سرعة تقذفه إلى هدف بعبد فيصيبه بقوة ما كانت لتكون له لولا ( المقلاع ) .

وهكذا عكف العلماء منذ خمسة عشر عاما أو يزيد على السيكلوترونات يصنعونها وفقا للنموذج الأول الذى اخترعه لورانس فى جامعة كاليفورنيا ، ويبتكرون له نماذج جديدة

ذات أسماء مختلفة ، وبعضها يختلف عن الأصل اختلافا كثيرا ، فعرفنا منها السيذكروتون والسبيتاترون وغيرهما ، ولكنها كلها مقاليع ذات رحى تدور فيها الدقائق الذربة من جزيئات وكهارب ويروتونات ونيوترونات حينا ، ثم تقذف فى النهاية بقوة قل أن يكون لها مثيل إلا فى حالات الانفجارات الذرية الكبرى . وسيكلوترون كاليفورنيا الضخم قطر رحاه ٦٠ بوصة أى ما يقرب من المتر ونصف متر ، وإنه لضخم حقا .

وقد رأى الدكتور سيبورج من علماء كاليفورنيا أن يكمل نقصا طالما أعيا العلماء إكماله فى جدول العناصر المعروفة فى الأرض . فجمع حوله نخبة من المساعدين الأذكياء ، واتخذوا مقرا لهم بجوار السيكلوترون يسلطون دقائقه ( المقواة ) على ذرات معروفة حتى تتحطم ، ثم يبحثون وسط حطامها عن ذرات غير معروفة ، أو يوجهون تلك الدقائق إلى ذرات أخرى عسى أن تلتصق بها فتوجد ذرات أكبر مما يعرف على سطح الأرض . واتبعوا سبيل الهدم والبناء ثم فحص ما يتهدم من كيان الذرات أو ما يستجد من بنيانها بحثا وراء جديد من أمرها .

وآخر ما أعلن من نتائج سيبورج ومعاونيه عنصر جديد أسموه ( بركليوم ) نسبة إلى بركلى مقر جامعة كاليفورنيا ، وترتيبه فى جدول العناصر ٩٧ . وقد حضرت منه كميات ضئيلة ومحضت خواصه الكيميائية والطبيعية ،

وظهر أنه غير مستقر ، فقد تحضره الآن ، ثم تفتقده بعد خمس ساعات ، فلا تجد سوى نصفه ، ثم يتناقص إلى الربع بعد تسع ساعات ، فلا يكاد يمر نهار كامل حتى يتلاشى ( البركليوم ) ، إذ أنه يتفاعل مع الإلكترونات الطليقة فيتحول إلى غيره من العناصر . وهذا هو سبب عدم وجوده خالصا ثابتا فى الطبيعة . فهو مما لا يبقى على الزمن ولا يدوم على الأيام منه ولا الساعات والدقائق .

ومن عادة العلماء فى السنوات الأخيرة أن يسموا العناصر باسم البلاد أو مواطن الرجال ، فثمة عنصر البولونيوم نسبة إلى بولندا تكريما لمدام كورى ، وهى بولندية الأصل وفرنسية الجنسية ، وثمة الجرمانيوم نسبة إلى ألمانيا والسكانديوم نسبة إلى سكندنافيا والأميريكيوم نسبة إلى أمريكا والتربيوم إلى ( تربى ) وهي مدينة صغيرة فى السويد كانت مقرا لمعمل العالم الكبير ( جادولين ) الذى كشف عن الكثير من العناصر النادرة .

وقد تسمى العناصر بأسماء العلماء أنفسهم تكريمأ لهم وإعزازا لذكراهم ، من قبل ذلك عنصر الكوريوم نسب إلى مدام كورى ، وعنصر الجادوليفيوم نسبة إلى جادولين المشار إليه آنفا . وثمة طريقة أخرى فى تسمية العناصر ، هى تقليد تتابع أسماء الكواكب السيارة التى تدور حول الشمس خارج الكواكب القديمة المعروفة منذ فجر الحضارة ، وهذه الكواكب ثلاثة : أورانوس . ونبتون ، وبلوتو . وقد سمى أحد العناصر ( أورانيوم ) أو ( يورانيوم ) والفرق بين الألف الأولى والياء ، هو الفرق بين نطق الفرنسيين ونطق الانجليز لحرف( U ) الافرنجى . وكان اليورانيوم أثقل العناصر المعروفة على وجه الأرض ، التى توجد فى الطبيعة خالصة أو على شكل مركبات مع عناصر أخرى . وترتيبه فى جدول العناصر ٩٢ .

ثم جاءت السيكلوترونات ومحطمات الذرات وقنابل الجحيم ، وعنيت الحكومات - أى بعض الحكومات - بالبحوث العلمية والذرية لأغراض سلمية أو حربية ، ( وكلها أغراض شريفة فى صالح الدفاع عن الحضارة والإنسانية ) .

فلم يعد اليورانيوم آخر العناصر ، ولم يعد أثقلها ، بل جاء بعده عنصر ترتيبه الثالث والتسعون عرف باسم التبتونيوم ، لم تجعل له الأقدار خطرا ، ولكن منه أو فوق رقابه يتولد العصر الرابع والتسعون ، واسمه ( البلوتونيوم ) ، وهذا خرت له ( الجبابرة ساجدين ) ، بل زهقت أرواحهم منه وعم الخراب بفضل قنابله الذرية . ولم يقف العلماء عند حد العنصر الرابع والتسعين ، بل أتقنوا صناعة بناء الذرات ،

وتجميع ما تناثر من دقائقها ، وتابعوا الجرى وراء الذرات حتى أمسكوا بالعنصر الخامس والتسعين وهو الأميريكيوم ، ثم بالسادس والنسعين . وها نحن أولا ، نعلم أنهم قد أمسكوا بالعنصر ٩٧ . ويقول الرواة إن العلماء على ثقة بإمكان تحضير العنصر ٩٨ ، بل ربما يكون قد تم تحضيره فعلا .

إن التعرف على العناصر الجديدة له ولا شك دلالته الفلسفية الهامة بالإضافة إلى نتائجه العلمية أو العملية التى قد تتمخض عنها تجارب العلماء وبحوثهم التى تضفى عليها أستار الكتمان . فالعناصر الجديدة تتحل وغير ثابتة كما أشرنا ، ولا تعمر طويلا دون أن تتحول إلى عناصر أرقى منها بناء وأقل تعقيدا وأخف وزنا . ولكن هل معنى ذلك أن العناصر القديمة خالدة أبدية ، وأنها لا تتحلل قط ولا تتحول أيضا ؟ .

الجواب على هذا السؤال ، سواء بالنفى أو الإيجاب ، يحملنا إلى الضرب فى بيداء الفكر على غير هدى مبين . فإن كان بالنفي ، جاز القول بأن عنصر البركليوم يفقد نصف كتلته فى ٢٧٠ دقيقة ، وأن عنصر الراديوم يفقد نصف كتلته فى بضعة آلاف من السنين ، وأن عنصر الحديد مثلا يفقد نصف كتلته بعد حقبة مهما طالت إلا أنها مما يحيط بها العد وتدخل فى دائرة الحصر . أى منى إذا يكون للبقاء أو للدوام . حتى المادة الجامدة تفنى إلى طاقة وتتحول من صورة إلى أخرى . وتلك المادة الجامدة لها دورة مثل دورات الأحياء ، فهى تولد كما تولد الصغار ، وتنمو كما تنمو تلك وتتشكل وتتفاعل ، حتى إذا انقضى أجلها وبلغ بها الزمن منتهاها ، صارت شيئا آخر ، أى أنها

( تموت ) . فالخلق من العدم ، والعدم لما خلق سنة الوجود فى الحى والجماد سواء بسواء .

وإن كانت العناصر أزلية باقية ، فكيف لها أن تكون كذلك وأمثالها تتحلل بين أيدينا وأمام ناظرينا . هل هي عناصر مصطفاة أودعت الأرض لحكمة فى الوجود والأرض لم تعد بيضة تمور مورا .

نترك هذا البحث لرجال الفلسفة ، ونترك البحوث الحديثة

لعلماء الذرة ؛ فالأول مبحث يحتاج إلى دراية ، والثانى له العلم والمال . ولنتوجه إلى وزارة معارفنا الرشيدة برجاء أن تضيف العناصر الجديدة إلى الطبعات القادمة من الكتب الدراسية المقررة ، لعل ذلك يقرب إلي مدارك أبنائنا أن قافلة العلم تسير وتتقدم ، وأننا لا نكاد نقدر على المعاونة فى دفعها إلى الأمام ، بل إننا نكاد نعجز عن متابعة سيرها .

اشترك في نشرتنا البريدية