الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 621 الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, العنب والبنجر ينافسان قصب السكر

Share

لعلك قد سمعت عن السكر المستخرج من العنب أو لعلك قد ابتعته مرة من الصيدلية باسم الجلوكوز Glucose على هيئة مسحوق أبيض - إن الجلوكوز يوجد على حالته الطبيعية فى العنب بكميات كبيرة - ولو أنك تتذوق طعم هذا السكر عندما تأكل العنب ، إلا أنك لا تستطيع أن تراه فوق هذه الفاكهة اللذيذة أو بداخلها ، ولست مستطيعا رؤيته إلا عندما تجففه الشمس ويتحول إلى زبيب ، والزبيب من الأطعمة الشهية الغنية بالسكر ، وينتجه جنوب إفريقيا وأستراليا وكاليفورنيا وفرنسا وكثير من بلاد جنوبى أوربا .

وعندما يصير العنب زبيبا يمكن رؤية الجلوكوز الذى يحتويه عصيره على هيئة حبيبات صغيرة صفراء ربما ظنتها فى بادئ الأمر من ذرات الرمال وخلتها ألصقت بحبات الزبيب ، ولعلك قد لاحظت لزوجة الزبيب وما تتركه هذه اللزوجة من الأثر بين أصابعك .

ويمتاز سكر العنب بأنه سريع المفعول فى إنعاش الشخص الذى أنهكه التعب نظرا لسرعة هضمه وسهولته ، وإلى ذلك يعزى السبب الذى من أجله يصفه الأطباء للمرضى ويستحسنون تعاطيه لهم ، ويصفونه على الخصوص للمصابين بعصر الهضم أو الإمساك وينصحونهم بإحلاله فى طعامهم محل سكر القصب لأن الأخير يبطئ هضم الطعام فى حين أن الجلوكوز على العكس من ذلك كما قدمنا .

ويستعمل الجلوكوز أيضا فى صنع الفطائر والمربات . ولما كان من المتعذر الحصول من العنب على جميع الكمية

التى تلزم العالم من الجلوكوز ، فقد لجأ العلماء إلى سد النقص صناعيا . وتصنع اليوم كميات كبيرة منه يغلى النشا المضاف إليه حمض الكبريتيك المخفف ، وهذا فخر يضم إلى مفاخر الكيميائيين ومآثرهم العديدة لما أنتجوه بمعاملهم من مواد تنفع الناس .

والمنافس الحقيقى القوى لسكر القصب هو السكر المصنوع من البنجر ، وقد استخرج منه لأول مرة منذ مائتى عام ، ولكن لم يتم تشييد أول مصنع له إلا بعد مرور خمسين عاما ، وتم ذلك بمدينة برسلاو بألمانيا - ولم تتركز زراعة البنجر ببريطانيا إلا بعد مرور أكثر من مائة عام منذ بدئ فى استخراجه . وتزرع بريطانيا منه الآن آلاف الأفدنة ، وقد بلغ متوسط غلة محصول الفدان الواحد فى سنة ١٩٤٦ - ٤٧ أحد عشر طنا ، وأمكن استخراج  ٥٧٠,٠٠٠ طن من السكر من جملة غلة الأفدنة المزرعة .

وليس بنجر السكر نباتا طبيعيا ، بل هو هجين من نوع واطئ من بنجر البحر الذى ينمو بريا بالمستنقعات الطينية القريبة من شواطئ البحار . والبنجر الأحمر الذى نأكله مسلوقا يحتوى على كمية من السكر ، ولكن كمية السكر التى يحتويها البنجر المائل لونه إلى البياض تفوق كثيرا هذه الكمية .

ولا تقتصر زراعة بنجر السكر الآن على المزارع الواسعة ببريطانيا ، بل انتشرت كذلك فى روسيا وألمانيا وكندا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وفى غيرها من البلاد ؛ ونظرا لوجود تنافس قوى بين منتجى سكر البنجر للحصول على أكبر كمية ممكنة

من كل نبتة على حدة ، فقد انتخبت منه أنواع أكثر تحسنا وأعظم إنتاجا حتى وصل إنتاج النبتة الواحدة من البنجر الآن أكثر من ضعف كمية السكر التى كانت تنتجها منذ السنوات القليلة الماضية .

ويداوم أكثر من ٥٠٠٠٠ مزارع فى بريطانيا على زراعة البنجر سنويا ؛ ولما كان هدف الجميع الحصول من الأرض على كل أوقية ممكنة فإنهم يعمدون إلى زرع ٣٠,٠٠٠ نبتة فى كل فدان من أرضهم ، ويشتمل الفدان الإنجليزى على ٤٨٤٠ ياردة مربعة - ولكى يتحقق للزارع الحصول على ٣٠,٠٠٠ نبتة فإنه يضطر إلى زرع ١٥ رطلا من البذور ويكون ذلك فى فصل الشتاء بعد حرث الأرض - ويزرع البنجر فى شهر أبريل فى خطوط يبلغ البعد بين كل منها ١٤ بوصة ، وهذه المسافات الصغيرة الكائنة بين الخطوط تمكن العمال من وضع أقدامهم عند تنقية الحشائش وعند إجراء العمليات الزراعية اللازمة قبل أن يكون المحصول صالحا للجمع .

وعندما تنبت البذور وينمو نبات البنجر قليلا تخف النباتات فتقلع الضعيفة منها وتترك القوية ، ويتم هذا الخف والتقليع باليد ، وهذه العملية من أهم العمليات ، ويؤدى تأجيلها أو التأخير فى إجرائها إلى خسائر جد فادحة يقدرها العلماء بما لا يقل عن طن من البنجر بالنسبة لكل فدان عن كل أسبوع من أسابيع التأخير ؛ وذلك لأن النبات لا يتيسر له النمو إلى الحجم المطلوب إذا كان يجاهد للحصول على الضوء والهواء جهادا عنيفا فى ذلك الخضم من النبات الكثيف ؛ ولكن إذا هيئ المجال الحيوى اللازم لكل نبتة ، فما يوافى ميعاد جمع المحصول حتى يبلغ وزن كل واحدة من البنجر رطلا ، أو ما يقرب من الرطل ، وبجانب عملية خف المحصول تتم عملية تنقية الحشائش .

وزراعة البنجر تختلف عن زراعة القصب من حيث عدم بقاء البنجر بالحقل إلى أكثر من سنة ، وقد يزرع الحقل الواحد بنجرا كل سنة ، ولكن لضمان نجاح الزراعة يجب تغيير الحقل . وليس البنجر من النباتات شديدة العطش ، بل هو من النباتات كثيرة الجوع ، والحكمة فى ضرورة تغيير الحقل الذى يزرع فيه البنجر سنويا ترجع

إلى حدوث الإنهاك بالأرض التى يزرع فيها ، فلو عادت إليها زراعته ثانية لما وجد المحصول التالى فى تربتها المنهكة حاجته من الغذاء الضرورى ، ولذلك يزرع البنجر فى دورة تشمل القمح والبطاطس ، كما أن هذا الإجراء يساعد فى القضاء على آفة بالغة الضرر تكمن فى داخل الأرض ، ويطلق عليها اسم " الدودة الثعبانية " . وإذا لم يزرع البنجر فى حقل معين وغاب عنه مدة عامين أو أكثر ، فإن هذه الآفة التى قد تكون كامنة فى التربة منذ المحصول السابق تكون قد هلكت جوعا ، ووقتئذ لا يحدث ضرر لو أعيد زرع هذا الحقل بالبنجر .

إن ما تقدم يعطيك فكرة لا بأس بها عما يعانيه زارع البنجر ، ويبدأ هذا الزارع يحصد ثمرة تعبه ويتلقى مكافأة جهوده فى موسم الحصاد الذى يبدأ فى شهر أكتوبر من كل سنة ، وهو وقت ملئ بالأعمال والمشاغل ، وقد يمتد أحيانا حتى آخر شهر نوفمبر . وإذا كانت الأرض مفككة تفكيكا طبيعيا ، فإن وحدات البنجر الكاملة النمو يسهل نزعها باليد ، ولكن لو كانت الأرض متماسكة فنزع البنجر باليد يكون وقتئذ مستحيلا ؛ فتستعمل لهذا الغرض آلة رافعة يجرها حصان أو جرار . ومهما تكن الطريقة المستعملة لنزع البنجر من الأرض ، فإن العمال يجوسون خلال الصفوف ينزعون جذور النبات كل اثنين منها دفعة واحدة ، وبعد تخليصها مما قد يكون عالقا بها من أجزاء التربة يضعونها فوق الأرض ثانية جاعلين من الصفين صفا واحدا ، وعندما يتم ذلك بالنسبة لجميع الصفوف يزود العمال بسكاكين طويلة متينة ، ويأخذون فى فصل سيقان النبات وأوراقه ، وبذلك يتجمع البنجر الكبير الحجم فى كومات كبيرة ، كما تتجمع سيقانه وأوراقه فى كومات أخرى .

يأتى بعد ذلك دور نقل البنجر من الحقل إلى المصنع ، ويتم ذلك إما بواسطة اللوريات ، أو بواسطة عربات تجرها الخيول ، وإذا كانت مصانع السكر غير قريبة فينقل البنجر إليها بواسطة السكة الحديدية ، أو بواسطة طرق النقل المائية . وعندما تصل كميات البنجر إلى مقرها الأخير تفرغ فى كومات عالية ، ثم يبدأ فى غسلها . وتزود مصانع سكر البنجر بمجار مائية تلقى بجوارها هذه الكومات العالية .

ويسير البنجر فيها حتى تتلقاه آلات الغسل فتنظفه جيدا ، ويتجه البنجر الذى تم تنظيفه آليا إلى حيث يوزن ، ثم يدفع إلى آلات تقطعه وتجعل منه شرائح ، وهذه تحمل على ناقلات تذهب بها إلى أوان حديدية يغمرها الماء الساخن فتنقع بها وتظل بها بعض الوقت ، وتتصل هذه الأوانى بعضها ببعض بأنابيب تسمح بدوران الماء الساخن بداخلها جميعا ، وهو يجمع فى أثناء دورانه هذا جميع العصير السكرى الذى تحتوى عليه هذه الشرائح المنقوعة .

وهذا الشراب الرقيق الذى كان من قبل ماء ساخنا يتجه من أوانيه الحديدية إلى أوان أخرى كبيرة حيث يمكث بها حتى ترسب جميع الشوائب بأسفلها ، ثم يصفى

ويغلى ويكرر كما يعامل عصير القصب سواء بسواء ، حتى تستخلص منه بللورات السكر ويتبقى العسل الأسود .

وبعد أن يجف السكر ويحزم نستطيع أن نعود إلى الأوانى الحديدية التى وضعت بها شرائح البنجر واستخرج منها عصيرها ؛ فإننا نجد لباب البنجر ، أى متخلفاته قد نقلت منها وجففت وأعدت للبيع ، ويقبل على شرائها الزراع غذاء لماشية اللبن عندهم ؛ وخلط هذه المتخلفات بأجزاء العليقة اليومية لهذه الماشية يحسن نوع لبنها ويزيد كمية إدراره ، ونعرض من هذا النوع من العلف فى الأسواق مئات الآلاف من الأطنان سنويا .

اشترك في نشرتنا البريدية