لعلك قد سمعت عن السكر المستخرج من العنب أو لعلك قد ابتعته مرة من الصيدلية باسم الجلوكوز Glucose على هيئة مسحوق أبيض - إن الجلوكوز يوجد على حالته الطبيعية فى العنب بكميات كبيرة - ولو أنك تتذوق طعم هذا السكر عندما تأكل العنب ، إلا أنك لا تستطيع أن تراه فوق هذه الفاكهة اللذيذة أو بداخلها ، ولست مستطيعا رؤيته إلا عندما تجففه الشمس ويتحول إلى زبيب ، والزبيب من الأطعمة الشهية الغنية بالسكر ، وينتجه جنوب إفريقيا وأستراليا وكاليفورنيا وفرنسا وكثير من بلاد جنوبى أوربا .
وعندما يصير العنب زبيبا يمكن رؤية الجلوكوز الذى يحتويه عصيره على هيئة حبيبات صغيرة صفراء ربما ظنتها فى بادئ الأمر من ذرات الرمال وخلتها ألصقت بحبات الزبيب ، ولعلك قد لاحظت لزوجة الزبيب وما تتركه هذه اللزوجة من الأثر بين أصابعك .
ويمتاز سكر العنب بأنه سريع المفعول فى إنعاش الشخص الذى أنهكه التعب نظرا لسرعة هضمه وسهولته ، وإلى ذلك يعزى السبب الذى من أجله يصفه الأطباء للمرضى ويستحسنون تعاطيه لهم ، ويصفونه على الخصوص للمصابين بعصر الهضم أو الإمساك وينصحونهم بإحلاله فى طعامهم محل سكر القصب لأن الأخير يبطئ هضم الطعام فى حين أن الجلوكوز على العكس من ذلك كما قدمنا .
ويستعمل الجلوكوز أيضا فى صنع الفطائر والمربات . ولما كان من المتعذر الحصول من العنب على جميع الكمية
التى تلزم العالم من الجلوكوز ، فقد لجأ العلماء إلى سد النقص صناعيا . وتصنع اليوم كميات كبيرة منه يغلى النشا المضاف إليه حمض الكبريتيك المخفف ، وهذا فخر يضم إلى مفاخر الكيميائيين ومآثرهم العديدة لما أنتجوه بمعاملهم من مواد تنفع الناس .
والمنافس الحقيقى القوى لسكر القصب هو السكر المصنوع من البنجر ، وقد استخرج منه لأول مرة منذ مائتى عام ، ولكن لم يتم تشييد أول مصنع له إلا بعد مرور خمسين عاما ، وتم ذلك بمدينة برسلاو بألمانيا - ولم تتركز زراعة البنجر ببريطانيا إلا بعد مرور أكثر من مائة عام منذ بدئ فى استخراجه . وتزرع بريطانيا منه الآن آلاف الأفدنة ، وقد بلغ متوسط غلة محصول الفدان الواحد فى سنة ١٩٤٦ - ٤٧ أحد عشر طنا ، وأمكن استخراج ٥٧٠,٠٠٠ طن من السكر من جملة غلة الأفدنة المزرعة .
وليس بنجر السكر نباتا طبيعيا ، بل هو هجين من نوع واطئ من بنجر البحر الذى ينمو بريا بالمستنقعات الطينية القريبة من شواطئ البحار . والبنجر الأحمر الذى نأكله مسلوقا يحتوى على كمية من السكر ، ولكن كمية السكر التى يحتويها البنجر المائل لونه إلى البياض تفوق كثيرا هذه الكمية .
ولا تقتصر زراعة بنجر السكر الآن على المزارع الواسعة ببريطانيا ، بل انتشرت كذلك فى روسيا وألمانيا وكندا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وفى غيرها من البلاد ؛ ونظرا لوجود تنافس قوى بين منتجى سكر البنجر للحصول على أكبر كمية ممكنة
من كل نبتة على حدة ، فقد انتخبت منه أنواع أكثر تحسنا وأعظم إنتاجا حتى وصل إنتاج النبتة الواحدة من البنجر الآن أكثر من ضعف كمية السكر التى كانت تنتجها منذ السنوات القليلة الماضية .
ويداوم أكثر من ٥٠٠٠٠ مزارع فى بريطانيا على زراعة البنجر سنويا ؛ ولما كان هدف الجميع الحصول من الأرض على كل أوقية ممكنة فإنهم يعمدون إلى زرع ٣٠,٠٠٠ نبتة فى كل فدان من أرضهم ، ويشتمل الفدان الإنجليزى على ٤٨٤٠ ياردة مربعة - ولكى يتحقق للزارع الحصول على ٣٠,٠٠٠ نبتة فإنه يضطر إلى زرع ١٥ رطلا من البذور ويكون ذلك فى فصل الشتاء بعد حرث الأرض - ويزرع البنجر فى شهر أبريل فى خطوط يبلغ البعد بين كل منها ١٤ بوصة ، وهذه المسافات الصغيرة الكائنة بين الخطوط تمكن العمال من وضع أقدامهم عند تنقية الحشائش وعند إجراء العمليات الزراعية اللازمة قبل أن يكون المحصول صالحا للجمع .
وعندما تنبت البذور وينمو نبات البنجر قليلا تخف النباتات فتقلع الضعيفة منها وتترك القوية ، ويتم هذا الخف والتقليع باليد ، وهذه العملية من أهم العمليات ، ويؤدى تأجيلها أو التأخير فى إجرائها إلى خسائر جد فادحة يقدرها العلماء بما لا يقل عن طن من البنجر بالنسبة لكل فدان عن كل أسبوع من أسابيع التأخير ؛ وذلك لأن النبات لا يتيسر له النمو إلى الحجم المطلوب إذا كان يجاهد للحصول على الضوء والهواء جهادا عنيفا فى ذلك الخضم من النبات الكثيف ؛ ولكن إذا هيئ المجال الحيوى اللازم لكل نبتة ، فما يوافى ميعاد جمع المحصول حتى يبلغ وزن كل واحدة من البنجر رطلا ، أو ما يقرب من الرطل ، وبجانب عملية خف المحصول تتم عملية تنقية الحشائش .
وزراعة البنجر تختلف عن زراعة القصب من حيث عدم بقاء البنجر بالحقل إلى أكثر من سنة ، وقد يزرع الحقل الواحد بنجرا كل سنة ، ولكن لضمان نجاح الزراعة يجب تغيير الحقل . وليس البنجر من النباتات شديدة العطش ، بل هو من النباتات كثيرة الجوع ، والحكمة فى ضرورة تغيير الحقل الذى يزرع فيه البنجر سنويا ترجع
إلى حدوث الإنهاك بالأرض التى يزرع فيها ، فلو عادت إليها زراعته ثانية لما وجد المحصول التالى فى تربتها المنهكة حاجته من الغذاء الضرورى ، ولذلك يزرع البنجر فى دورة تشمل القمح والبطاطس ، كما أن هذا الإجراء يساعد فى القضاء على آفة بالغة الضرر تكمن فى داخل الأرض ، ويطلق عليها اسم " الدودة الثعبانية " . وإذا لم يزرع البنجر فى حقل معين وغاب عنه مدة عامين أو أكثر ، فإن هذه الآفة التى قد تكون كامنة فى التربة منذ المحصول السابق تكون قد هلكت جوعا ، ووقتئذ لا يحدث ضرر لو أعيد زرع هذا الحقل بالبنجر .
إن ما تقدم يعطيك فكرة لا بأس بها عما يعانيه زارع البنجر ، ويبدأ هذا الزارع يحصد ثمرة تعبه ويتلقى مكافأة جهوده فى موسم الحصاد الذى يبدأ فى شهر أكتوبر من كل سنة ، وهو وقت ملئ بالأعمال والمشاغل ، وقد يمتد أحيانا حتى آخر شهر نوفمبر . وإذا كانت الأرض مفككة تفكيكا طبيعيا ، فإن وحدات البنجر الكاملة النمو يسهل نزعها باليد ، ولكن لو كانت الأرض متماسكة فنزع البنجر باليد يكون وقتئذ مستحيلا ؛ فتستعمل لهذا الغرض آلة رافعة يجرها حصان أو جرار . ومهما تكن الطريقة المستعملة لنزع البنجر من الأرض ، فإن العمال يجوسون خلال الصفوف ينزعون جذور النبات كل اثنين منها دفعة واحدة ، وبعد تخليصها مما قد يكون عالقا بها من أجزاء التربة يضعونها فوق الأرض ثانية جاعلين من الصفين صفا واحدا ، وعندما يتم ذلك بالنسبة لجميع الصفوف يزود العمال بسكاكين طويلة متينة ، ويأخذون فى فصل سيقان النبات وأوراقه ، وبذلك يتجمع البنجر الكبير الحجم فى كومات كبيرة ، كما تتجمع سيقانه وأوراقه فى كومات أخرى .
يأتى بعد ذلك دور نقل البنجر من الحقل إلى المصنع ، ويتم ذلك إما بواسطة اللوريات ، أو بواسطة عربات تجرها الخيول ، وإذا كانت مصانع السكر غير قريبة فينقل البنجر إليها بواسطة السكة الحديدية ، أو بواسطة طرق النقل المائية . وعندما تصل كميات البنجر إلى مقرها الأخير تفرغ فى كومات عالية ، ثم يبدأ فى غسلها . وتزود مصانع سكر البنجر بمجار مائية تلقى بجوارها هذه الكومات العالية .
ويسير البنجر فيها حتى تتلقاه آلات الغسل فتنظفه جيدا ، ويتجه البنجر الذى تم تنظيفه آليا إلى حيث يوزن ، ثم يدفع إلى آلات تقطعه وتجعل منه شرائح ، وهذه تحمل على ناقلات تذهب بها إلى أوان حديدية يغمرها الماء الساخن فتنقع بها وتظل بها بعض الوقت ، وتتصل هذه الأوانى بعضها ببعض بأنابيب تسمح بدوران الماء الساخن بداخلها جميعا ، وهو يجمع فى أثناء دورانه هذا جميع العصير السكرى الذى تحتوى عليه هذه الشرائح المنقوعة .
وهذا الشراب الرقيق الذى كان من قبل ماء ساخنا يتجه من أوانيه الحديدية إلى أوان أخرى كبيرة حيث يمكث بها حتى ترسب جميع الشوائب بأسفلها ، ثم يصفى
ويغلى ويكرر كما يعامل عصير القصب سواء بسواء ، حتى تستخلص منه بللورات السكر ويتبقى العسل الأسود .
وبعد أن يجف السكر ويحزم نستطيع أن نعود إلى الأوانى الحديدية التى وضعت بها شرائح البنجر واستخرج منها عصيرها ؛ فإننا نجد لباب البنجر ، أى متخلفاته قد نقلت منها وجففت وأعدت للبيع ، ويقبل على شرائها الزراع غذاء لماشية اللبن عندهم ؛ وخلط هذه المتخلفات بأجزاء العليقة اليومية لهذه الماشية يحسن نوع لبنها ويزيد كمية إدراره ، ونعرض من هذا النوع من العلف فى الأسواق مئات الآلاف من الأطنان سنويا .
