لم يتم اختراع الصاروخ في هذا الجيل ولا الجيل السابق ولا في هذا القرن أو القرن السابق ، بل إنه اخترع منذ سبعمائة سنة على الأقل ، وبرغم هذا فإن استفادتنا منه كسلاح فعال في الحروب ، أو كوسيلة للبحث في طبقات الجو العليا لم تحدث إلا في خلال العشرين سنة الأخيرة . وأول دراسة علية لمحاولة الاستفادة من الصاروخ قام بها العالم الروسي " زيولكوفسكى " في أواخر القرن التاسع عشر ، ولكن لم تتعد أخبار عمله حدود وطنه . كما قام العالم الأمريكي " جودارد " والرومان " هرمان أوبرت " في قرنتنا هذا بأبحاث عظيمة وضعت هذه المادة على أساس رياضي متين .
وقد أثبت جودارد أنه باستعمال وقود ذي جودة كبيرة يمكن لصاروخ صغير أن يصل إلى ارتفاعات شاهقة . أما أوبرت فقد بحث في موضوع أبعد تحقيقا ، وهو الوصول إلى الكواكب الأخرى . وقد كانت أبحاث الأخير من أقوي العوامل التي أدت إلي تقدم الأبحاث الألمانية في الصواريخ في عام ١٩٢١ والأعوام التالية ، والتي نتجت عنها الأسلحة الصاروخية الكثيرة التي استخدمت في المراحل النهائية في الحرب الأخيرة .
والخواص الممتازة للصاروخ تعزي إلي أنه أبسط الآلات الحرارية وأكبرها جودة ، أي أنه يعطي في نظير أي قدر يستهلكه من الوقود قدرا من الطاقة أكثر مما تعطيه أي آلة أخرى في نظير نفس القدر من الوقود . وليس هناك ، على ما يظهر ، حد أعلى لقوة المحرك الذي يمكن إعداده
لتسبير الصاروخ فالصاروخ (ف2) مثلا كان يولد قوة 100000حصان ، والبحوث الآن مستمرة لتوليد أكثر من هذا بكثير . ومن أهم مزايا الصاروخ أيضا استقلاله التام عن الوسط المحيط به لأنه عمل في جوفه وقوده والمادة المؤكسدة لهذا الوقود . وعلي ذلك يكون الصاروخ هو الآلة الاندفاعية الوحيدة التي يمكنها أن تعمل في فراغ خال من الهواء ، حيث يكون عملها في الواقع أجود منه في الجو المعتاد .
ومدى الارتفاع الذي يمكن أن يصل إليه الصاروخ يتوقف على عدة عوامل : أهمها سرعته الابتدائية أي التي بدأ بها حركته ، وعجلة الجاذبية أى مقدار عرقلة جذب الأرض لحركته ، ومقاومة الهواء . فإذا أهملنا مقاومة الهواء واعتبرنا عجلة الجاذبية ثابتة ، فإن الارتفاع الذي يصل إليه الصاروخ يتناسب طرديا مع مربع سرعته الابتدائية وعكسا مع عجلة الجاذبية . ولكن مجلة الجاذبية تتغير قيمتها كلما ارتفعنا عن سطح الأرض ، بحيث إذا بدأ الصاروخ حركته بسرعة تزيد على ثلاثة كيلومترات في الثانية ، فإنه يصل إلى ارتفاعات يضعف عندها جذب الأرض بدرجة كبيرة ، ويتمكن الصاروخ من الارتفاع أكثر وأكثر .
وإذا وصلت السرعة الابتدائية للمقذوف إلى عشرة كيلومترات في الثانية ظهر اثر التناقص في شدة الجاذبية مع زيادة الارتفاع بشكل واضح ، حتى إذا تمكن المقذوف بشكل ما من بدء حركته بسرعة ١١.٢ كيلو مترا في
الثانية لتخلص تماما من أثر جذب الأرض . أى أنه يصل إلي ارتفاعات كبيرة قبل أن يتمكن جذب الأرض من إنقاص سرعته نقصا كبيرا ، بحيث ينبغي له من سرعته الابتدائية ما يكفيه للاستمرار في حركته حتى يخرج من مجال جذب الأرض تماما ، ولذلك تسمى هذه السرعة الابتدائية " سرعة الحرب " أو " سرعة الخلاص " .
وأقصى سرعة توصلوا إليها للآن في إطلاق الصاروخ هي 1.5 كيلومتر في الثانية ، كما أن اقصي ارتفاع وصل إليه الصاروخ حوالي ١٨٠ كيلو مترا ، وكانت هذه النتائج هي التي وصل إليها الصاروخ ( ف ٢ ) وهو آلة حربية صرفة ، ولكن المتوقع الوصول إلى نتائج أحسن من هذا بكثير إذا صمم الصاروخ خصيصا للبحث في الارتفاعات الشاهقة . وفي العام الماضي كان يصنع في الولايات المتحدة صاروخ اسمه " نبتون " للاستعمال في الأبحاث الخاصة بالأسطول الأمريكي . والمفروض أن يحرق هذا الصاروخ وقوده المكون من الكحول والا كسجين السائل في ٧٥ ثانية يرتفع خلالها رأسيا مسافة ٦٠ كيلو مترا تصل سرعته بعدها إلى ٥ ر ٢ كيلومتر في الثانية ، وهذه السرعة كافية لتمكينه من الوصول إلي ارتفاع ٤٠٠ كيلومتر بحيث يصل إلى هذا الارتفاع بعد ٣٣٥ ثانية من بدء حركته .
وقد وضع تصميم نبتون بحيث يتمكن من حمل آلات تزن ٥٠ كيلوجراما إلي ارتفاع ٤٠٠ كيلومتر ، كما يمكنه أن يحمل بدلا من ذلك ثقل طن إلى ارتفاع ١٤٠ كيلومترا .
والتقدم الذي يطرأ علي الصاروخ يفتح مجالا واسعا أمام البحث العلمي وقد حصل البحاث الأمريكان في المكسيك الجديدة فعلا على نتائج قيمة باستخدام صوارخ معدلة من نوع ( ف ٢ ) . فقد أمكن الحصول لأول مرة على قراءات لدرجات الحرارة والضغط على ارتفاعات كبيرة جدا ، كما امكن الحصول على أول صور طبقية للإشعاع فوق البنفسي للشمس الذي لا يخترق الجو . وقد عملت الآن ترتيبات في الصواريخ لإرسال الملاحظات منها باستمرار لأجهزة مستقبلة على سطح الأرض أثناء طيران الصاروخ ،
كما عملت الترتيبات أيضا للمحافظة على الآلات داخل الصاروخ حيث تصل إلى الأرض سليمة عند سقوط الصاروخ بعد انتهاء رحلته . ومن العلوم التي سوف تستفيد كثيرا بتقدم الابحاث الصاروخية علم الفلك ، وعلم الطبيعة ، وعلم الأرصاد الجوية .
ومما يساعد الصاروخ في حركته شكله والارتفاع الذي قذف منه وسرعته . فإن مقاومة الهواء للصارو خ مثلا تقل كثيرا إذا بدأ حركته من قمة جبل مرتفع . كذلك عرقلة الجاذبية لحركة الصاروخ يمكن التغلب على جانب كبير منها باستعمال وقود يتم احتراقه في وقت قصير . والمتوقع نظريا أن يصبح في الإمكان عمل صاروخ تصل سرعته إلى ١٠ كيلو مترات في الثانية ، فيمكنه أن يصل إلى ارتفاع ٦٠٠٠٠ كيلومتر . وهذا الارتفاع على ضخامته بالنسبة للأبعاد المألوفة لنا إلا أنه لا يساوي إلا طول نصف قطر الأرض . والوصول إلى سرعة أكبر من هذه صعب جدا ولو أنه غير مستحيل ، وهو الأمل الوحيد للخروج من نطاق جذب الأرض لإرسال آلات في صاروخ إلى القمر مثلا ، وهي فكرة تلح على العلماء كثيرا في هذه الايام وبداعبهم الأمل في إمكان تنفيذها .
وهناك عامل آخر هام يؤثر على حركة الصاروخ وهو " نسبة الكتلة " وهو عبارة عن نسبة كتلة الصاروخ كله إلى كتلة ما يتبقى منه بعد احتراق الوقود . وقد وجد أن " نسبة الكتلة " اللازمة للصاروخ لكي يتمكن من الحركة بسرعة ١١.٢ كيلومترا في الثانية ، أي سرعة الهرب ، هي حوالي المائة ، أى أنه لكي نطلق بهذه السرعة صاروخا يزن هيكله ومحركاته وخزانات وقوده والآلات بداخلة طنا لا بد أن يزن وقوده ٩٩ طنا ، ويخيل للمرء لأول وهلة أن هذا مستحيل ، ولكن يمكن التغلب على هذه الصعوبة باستخدام تصميم يسمى الصاروخ المتعدد .
والصاروخ المتعدد هو فعلا مركب من عدة صواريخ بحيث إذا ما احترق الوقود في أولها ينفصل عن المجموعة ويسقط ويستمر الجزء الباقي في الحركة بسرعة كبيرة . ثم يشتعل الوقود بعد ذلك في الجزء التالي حتى إذا تم احتراقه انفصل
بدوره عن المجموعة بعد أن يكون قد أكسبها سرعة جديدة يستمر الجزء الباقي في الحركة بها ، وهكذا . وهذه العملية يمكن ، نظريا علي الأقل ، تكرارها أي عدد نشاء من المراحل بحيث يصبح في الإمكان استعمال صاروخ ذي كتلة ابتدائية مئات الأطنان أو حتي آلافها ، ثم يستمر ينفصل منه الجزء تلو الآخر حتى تتبقى منه كتلة نهائية قدرها طنان أو ثلاثة فقط . ومن الناحية النظرية أيضا يمكن صميم صواريخ على هذا الأساس في استطاعتها الوصول إلى القمر أو حتي الكواكب ، وقد دلت الأبحاث الحديثة على أنه لإيصال كتلة قدرها ٥٠ كيلو جراما إلي القمر تحتاج إلى صاروخ كتلته الابتدائية حوالى 50 طنا . ويجب ألا يظن أن الصاروخ المتعدد ما زال فكرة نظرية فحسب ، بل إنه قد تخرج فعلا إلي حيز التنفيذ ، فقد أطلقت على (انتورب ) في أواخر الحرب الماضية حوالى عشرين قذيقة من نوع معين من مسافة ١٥٠ كبلو مترا ، وهذه القذائف لم يعرف عنها الكثير على وجه التحديد . ولكن المعلوم أنها كانت صواريخ ذات مراحل أربع .
محل القول أن الموقف الحالي يدل على أنه إذا امكن تذييل بعض العقبات الهندسية سيصبح من الممكن إرسال قذائف في الفراغ المطلق مسافات شاسعة ، كما يصبح من الممكن ايضا استقبال رسائل منها أثناء طيرانها . ومن بين الاحتمالات المفيدة الهامة التي يتيحها لنا مثل هذا التقدم إسكان الحصول على صور فوتوغرافية لوجه القمر المختفي عنا .
واحتمال آخر قد يكون أكثر فائدة ، وهو تسيير صواريخ في مدارات دائمة حول الأرض مزودة بآلات لقياس عدة أشياء ثم إذاعة قراتها أولا فأولا بحيث يمكن استقبالها في محطات أرضية . وقد وجد أنه إنها تحرك جسم خارج نطاق الهواء الجوي بسرعة ٨ كيلومترات في الثانية افقيا ، فإنه يستمر في دوراته حول الأرض إلي ما شاء الله كالقمر مثلا ، أي أنه يصبح تابعا صناعيا يا للأرض . وباختيار السرعة المناسبة يمكننا أن نجعل الجسم يسير في مدار علي أي ارتفاع تريد ، وبحيث تكون مدة دوراته حول الأرض ساعة ونصف ساعة أو أكثر كما نريد ، فيمكننا نظريا تسيير جسم حول الأرض في دائرة نصف قطرها ٤٢٠٠٠ كيلومتر بحيث يتم دورته في ٢٤
ساعة ، ومثل هذا الجسم تكون له تطبيقات عملية كثيرة ، لأنه يبقى معلقا في الفراغ فوق نقطة ثابتة من سطح الأرض . وقد يتمكن العلماء باستخدام هذا المدار بالذات من حل كثير من المشكلات العلمية واللاسلكية
هذه الاحتمالات جميعها لم تعد مجرد آمال تداعب خيال العلماء كما كانت إلى عهد قريب ، بل إنها من الأشياء المتوقعه تحققها في السنوات القليلة المقبلة ، إذ أن الأساس النظري لها اصبح كله معروفا ولم يتبق إلا الصميم الهندسي . وسيكون لهذا التقدم او كبير على كل من علم الفلك وعلم الطبيعة ، بل وعهد الطريق إلى احتمال الانتقال من الأرض إلى الكواكب المختلفة ، وقد يتحقق بذلك أعظم حلم طرأ على عقل الإنسان
كل هذا فيما يختص بإرسال آلات داخل صواريخ موجهة إلى القمر أو الكواكب الأخرى . أما إذا أريد ارسال إنسان داخل صاروخ إلى القمر مثلا فإن المشكلة تصبح أكثر صعوبة وأشد تعقيدا في وذلك لضرورة ضمان سلامة وصول هذا الإنسان إلى القمر وسلامة عودته منه ، وهذا يستدعي اتخاذ احتياطات شديدة جدا والحذر من كل ماقد يمكن حدوثه ، ومما يزيد المسألة ان تكاليف الرحلة تكون باهظة لا تطاق لأن نقل الكيلو جرام الواحد في الرحلة بأكملها ، ذهابا وإيابا ، يتطلب وقودا زمنه طن بأكمله في بدء الرحلة .
وينحصر أمل العلماء الآن في إمكان القيام بمثل هذه الرحلات باستعمال الوقود الذر . فإذا امكن تقييد الطاقة الذرية حيث تستخدم في إطلاق الصاروخ لتمكن هذا الصاروخ بسهولة من الوصول إلى أى كوكب نشاء . فإن المعلومات نظريا أن قنبلة ذرية صغيرة زمنها لا يزيد على بضعة كيلو جرامات تحوي من الطاقة ما يكفي حمل ألف طن من الأرض إلى القمر ثم إعادتها إلى الأرض . ولكن التنفيذ العملي لهذه النظريات يعتبر في الوقت الحالي من أصعب الأمور وأقلها احتمالا . وعلى كل حال فالبحوث ما زالت مستمرة ، وقد يتحقق يوما ما انتقال الإنسان من الأرض إلى أخواتها من الكواكب الآخر . وبذلك يدخل الجنس البقية علي صفحة( ١٨)

