الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 585الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, القذائف الصاروخية

Share

لم يتم اختراع الصاروخ في هذا الجيل ولا الجيل السابق ولا في هذا القرن أو القرن السابق ، بل إنه اخترع منذ سبعمائة سنة على الأقل ، وبرغم هذا فإن استفادتنا منه كسلاح فعال في الحروب ، أو كوسيلة للبحث في طبقات الجو العليا لم تحدث إلا في خلال العشرين سنة الأخيرة . وأول دراسة علية لمحاولة الاستفادة من الصاروخ قام بها العالم الروسي " زيولكوفسكى " في أواخر القرن التاسع عشر ، ولكن لم تتعد أخبار عمله حدود وطنه . كما قام العالم الأمريكي " جودارد " والرومان " هرمان أوبرت " في قرنتنا هذا بأبحاث عظيمة وضعت هذه المادة على أساس رياضي متين .

وقد أثبت جودارد أنه باستعمال وقود ذي جودة كبيرة يمكن لصاروخ صغير أن يصل إلى ارتفاعات شاهقة . أما أوبرت فقد بحث في موضوع أبعد تحقيقا ، وهو الوصول إلى الكواكب الأخرى . وقد كانت أبحاث الأخير من أقوي العوامل التي أدت إلي تقدم الأبحاث الألمانية في الصواريخ في عام ١٩٢١ والأعوام التالية ، والتي نتجت عنها الأسلحة الصاروخية الكثيرة التي استخدمت في المراحل النهائية في الحرب الأخيرة .

والخواص الممتازة للصاروخ تعزي إلي أنه أبسط الآلات الحرارية وأكبرها جودة ، أي أنه يعطي في نظير أي قدر يستهلكه من الوقود قدرا من الطاقة أكثر مما تعطيه أي آلة أخرى في نظير نفس القدر من الوقود . وليس هناك ، على ما يظهر ، حد أعلى لقوة المحرك الذي يمكن إعداده

لتسبير الصاروخ فالصاروخ (ف2)  مثلا كان يولد قوة 100000حصان ، والبحوث الآن مستمرة لتوليد أكثر من هذا بكثير . ومن أهم مزايا الصاروخ أيضا استقلاله التام عن الوسط المحيط به لأنه عمل في جوفه وقوده والمادة المؤكسدة لهذا الوقود . وعلي ذلك يكون الصاروخ هو الآلة الاندفاعية الوحيدة التي يمكنها أن تعمل في فراغ خال من الهواء ، حيث يكون عملها في الواقع أجود منه في الجو المعتاد .

ومدى الارتفاع الذي يمكن أن يصل إليه الصاروخ يتوقف على عدة عوامل : أهمها سرعته الابتدائية أي التي بدأ بها حركته ، وعجلة الجاذبية أى مقدار عرقلة جذب الأرض لحركته ، ومقاومة الهواء . فإذا أهملنا مقاومة الهواء واعتبرنا عجلة الجاذبية ثابتة ، فإن الارتفاع الذي يصل إليه الصاروخ يتناسب طرديا مع مربع سرعته الابتدائية وعكسا مع عجلة الجاذبية . ولكن مجلة الجاذبية تتغير قيمتها كلما ارتفعنا عن سطح الأرض ، بحيث إذا بدأ الصاروخ حركته بسرعة تزيد على ثلاثة كيلومترات في الثانية ، فإنه يصل إلى ارتفاعات يضعف عندها جذب الأرض بدرجة كبيرة ، ويتمكن الصاروخ من الارتفاع أكثر وأكثر .

وإذا وصلت السرعة الابتدائية للمقذوف إلى عشرة كيلومترات في الثانية ظهر اثر التناقص في شدة الجاذبية مع زيادة الارتفاع بشكل واضح ، حتى إذا تمكن المقذوف بشكل ما من بدء حركته بسرعة ١١.٢ كيلو مترا في

الثانية لتخلص تماما من أثر جذب الأرض . أى أنه يصل إلي ارتفاعات كبيرة قبل أن يتمكن جذب الأرض من إنقاص سرعته نقصا كبيرا ، بحيث ينبغي له من سرعته الابتدائية ما يكفيه للاستمرار في حركته حتى يخرج من مجال جذب الأرض تماما ، ولذلك تسمى هذه السرعة الابتدائية " سرعة الحرب " أو " سرعة الخلاص " .

وأقصى سرعة توصلوا إليها للآن في إطلاق الصاروخ هي 1.5 كيلومتر في الثانية ، كما أن اقصي ارتفاع وصل إليه الصاروخ حوالي ١٨٠ كيلو مترا ، وكانت هذه النتائج هي التي وصل إليها الصاروخ ( ف ٢ ) وهو آلة حربية صرفة ، ولكن المتوقع الوصول إلى نتائج أحسن من هذا بكثير إذا صمم الصاروخ خصيصا للبحث في الارتفاعات الشاهقة . وفي العام الماضي كان يصنع في الولايات المتحدة صاروخ اسمه " نبتون " للاستعمال في الأبحاث الخاصة بالأسطول الأمريكي . والمفروض أن يحرق هذا الصاروخ وقوده المكون من الكحول والا كسجين السائل في ٧٥ ثانية يرتفع خلالها رأسيا مسافة ٦٠ كيلو مترا تصل سرعته بعدها إلى ٥ ر ٢ كيلومتر في الثانية ، وهذه السرعة كافية لتمكينه من الوصول إلي ارتفاع ٤٠٠ كيلومتر بحيث يصل إلى هذا الارتفاع بعد ٣٣٥ ثانية من بدء حركته .

وقد وضع تصميم نبتون بحيث يتمكن من حمل آلات تزن ٥٠ كيلوجراما إلي ارتفاع ٤٠٠ كيلومتر ، كما يمكنه أن يحمل بدلا من ذلك ثقل طن إلى ارتفاع ١٤٠ كيلومترا .

والتقدم الذي يطرأ علي الصاروخ يفتح مجالا واسعا أمام البحث العلمي وقد حصل البحاث الأمريكان في المكسيك الجديدة فعلا على نتائج قيمة باستخدام صوارخ معدلة من نوع ( ف ٢ ) . فقد أمكن الحصول لأول مرة على قراءات لدرجات الحرارة والضغط على ارتفاعات كبيرة جدا ، كما امكن الحصول على أول صور طبقية للإشعاع فوق البنفسي للشمس الذي لا يخترق الجو . وقد عملت الآن ترتيبات في الصواريخ لإرسال الملاحظات منها باستمرار لأجهزة مستقبلة على سطح الأرض أثناء طيران الصاروخ ،

كما عملت الترتيبات أيضا للمحافظة على الآلات داخل الصاروخ حيث تصل إلى الأرض سليمة عند سقوط الصاروخ بعد انتهاء رحلته . ومن العلوم التي سوف تستفيد كثيرا بتقدم الابحاث الصاروخية علم الفلك ، وعلم الطبيعة ، وعلم الأرصاد الجوية .

ومما يساعد الصاروخ في حركته شكله والارتفاع الذي قذف منه وسرعته . فإن مقاومة الهواء للصارو خ مثلا تقل كثيرا إذا بدأ حركته من قمة جبل مرتفع . كذلك عرقلة الجاذبية لحركة الصاروخ يمكن التغلب على جانب كبير منها باستعمال وقود يتم احتراقه في وقت قصير . والمتوقع نظريا أن يصبح في الإمكان عمل صاروخ تصل سرعته إلى ١٠ كيلو مترات في الثانية ، فيمكنه أن يصل إلى ارتفاع ٦٠٠٠٠ كيلومتر . وهذا الارتفاع على ضخامته بالنسبة للأبعاد المألوفة لنا إلا أنه لا يساوي إلا طول نصف قطر الأرض . والوصول إلى سرعة أكبر من هذه صعب جدا ولو أنه غير مستحيل ، وهو الأمل الوحيد للخروج من نطاق جذب الأرض لإرسال آلات في صاروخ إلى القمر مثلا ، وهي فكرة تلح على العلماء كثيرا في هذه الايام وبداعبهم الأمل في إمكان تنفيذها .

وهناك عامل آخر هام يؤثر على حركة الصاروخ وهو " نسبة الكتلة " وهو عبارة عن نسبة كتلة الصاروخ كله إلى كتلة ما يتبقى منه بعد احتراق الوقود . وقد وجد أن " نسبة الكتلة " اللازمة للصاروخ لكي يتمكن من الحركة بسرعة ١١.٢ كيلومترا في الثانية ، أي سرعة الهرب ، هي حوالي المائة ، أى أنه لكي نطلق بهذه السرعة صاروخا يزن هيكله ومحركاته وخزانات وقوده والآلات بداخلة طنا لا بد أن يزن وقوده ٩٩ طنا ، ويخيل للمرء لأول وهلة أن هذا مستحيل ، ولكن يمكن التغلب على هذه الصعوبة باستخدام تصميم يسمى الصاروخ المتعدد .

والصاروخ المتعدد هو فعلا مركب من عدة صواريخ بحيث إذا ما احترق الوقود في أولها ينفصل عن المجموعة ويسقط ويستمر الجزء الباقي في الحركة بسرعة كبيرة . ثم يشتعل الوقود بعد ذلك في الجزء التالي حتى إذا تم احتراقه انفصل

بدوره عن المجموعة بعد أن يكون قد أكسبها سرعة جديدة يستمر الجزء الباقي في الحركة بها ، وهكذا . وهذه العملية يمكن ، نظريا علي الأقل ، تكرارها أي عدد نشاء من المراحل بحيث يصبح في الإمكان استعمال صاروخ ذي كتلة ابتدائية مئات الأطنان أو حتي آلافها ، ثم يستمر ينفصل منه الجزء تلو الآخر حتى تتبقى منه كتلة نهائية قدرها طنان أو ثلاثة فقط . ومن الناحية النظرية أيضا يمكن صميم صواريخ على هذا الأساس في استطاعتها الوصول إلى القمر أو حتي الكواكب ، وقد دلت الأبحاث الحديثة على أنه لإيصال كتلة قدرها ٥٠ كيلو جراما إلي القمر تحتاج إلى صاروخ كتلته الابتدائية حوالى 50 طنا . ويجب ألا يظن أن الصاروخ المتعدد ما زال فكرة نظرية فحسب ، بل إنه قد تخرج فعلا إلي حيز التنفيذ ، فقد أطلقت على (انتورب ) في أواخر الحرب الماضية حوالى عشرين قذيقة من نوع معين من مسافة ١٥٠ كبلو مترا ، وهذه القذائف لم يعرف عنها الكثير على وجه التحديد . ولكن المعلوم أنها كانت صواريخ ذات مراحل أربع .

محل القول أن الموقف الحالي يدل على أنه إذا امكن تذييل بعض العقبات الهندسية سيصبح من الممكن إرسال قذائف في الفراغ المطلق مسافات شاسعة ، كما يصبح من الممكن ايضا استقبال رسائل منها أثناء طيرانها . ومن بين الاحتمالات المفيدة الهامة التي يتيحها لنا مثل هذا التقدم إسكان الحصول على صور فوتوغرافية لوجه القمر المختفي عنا .

واحتمال آخر قد يكون أكثر فائدة ، وهو تسيير صواريخ في مدارات دائمة حول الأرض مزودة بآلات لقياس عدة أشياء ثم إذاعة قراتها أولا فأولا بحيث يمكن استقبالها في محطات أرضية . وقد وجد أنه إنها تحرك جسم خارج نطاق الهواء الجوي بسرعة ٨ كيلومترات في الثانية افقيا ، فإنه يستمر في دوراته حول الأرض إلي ما شاء الله كالقمر مثلا ، أي أنه يصبح تابعا صناعيا يا للأرض . وباختيار السرعة المناسبة يمكننا أن نجعل الجسم يسير في مدار علي أي ارتفاع تريد ، وبحيث تكون مدة دوراته حول الأرض ساعة ونصف ساعة أو أكثر كما نريد ، فيمكننا نظريا تسيير جسم حول الأرض في دائرة نصف قطرها ٤٢٠٠٠ كيلومتر بحيث يتم دورته في ٢٤

ساعة ، ومثل هذا الجسم تكون له تطبيقات عملية كثيرة ، لأنه يبقى معلقا في الفراغ فوق نقطة ثابتة من سطح الأرض . وقد يتمكن العلماء باستخدام هذا المدار بالذات من حل كثير من المشكلات العلمية واللاسلكية

هذه الاحتمالات جميعها لم تعد مجرد آمال تداعب خيال العلماء كما كانت إلى عهد قريب ، بل إنها من الأشياء المتوقعه تحققها في السنوات القليلة المقبلة ، إذ أن الأساس النظري لها اصبح كله معروفا ولم يتبق إلا الصميم الهندسي . وسيكون لهذا التقدم او كبير على كل من علم الفلك وعلم الطبيعة ، بل وعهد الطريق إلى احتمال الانتقال من الأرض إلى الكواكب المختلفة ، وقد يتحقق بذلك أعظم حلم طرأ على عقل الإنسان

كل هذا فيما يختص بإرسال آلات داخل صواريخ موجهة إلى القمر أو الكواكب الأخرى . أما إذا أريد ارسال إنسان داخل صاروخ إلى القمر مثلا فإن المشكلة تصبح أكثر صعوبة وأشد تعقيدا في وذلك لضرورة ضمان سلامة وصول هذا الإنسان إلى القمر وسلامة عودته منه ، وهذا يستدعي اتخاذ احتياطات شديدة جدا والحذر من كل ماقد يمكن حدوثه ، ومما يزيد المسألة ان تكاليف الرحلة تكون باهظة لا تطاق لأن نقل الكيلو جرام الواحد في الرحلة بأكملها ، ذهابا وإيابا ، يتطلب وقودا زمنه طن بأكمله في بدء الرحلة .

وينحصر أمل العلماء الآن في إمكان القيام بمثل هذه الرحلات باستعمال الوقود الذر . فإذا امكن تقييد الطاقة الذرية حيث تستخدم في إطلاق الصاروخ لتمكن هذا الصاروخ بسهولة من الوصول إلى أى كوكب نشاء . فإن المعلومات نظريا أن قنبلة ذرية صغيرة زمنها لا يزيد على بضعة كيلو جرامات تحوي من الطاقة ما يكفي حمل ألف طن من الأرض إلى القمر ثم إعادتها إلى الأرض . ولكن التنفيذ العملي لهذه النظريات يعتبر في الوقت الحالي من أصعب الأمور وأقلها احتمالا . وعلى كل حال فالبحوث ما زالت مستمرة ، وقد يتحقق يوما ما انتقال الإنسان من الأرض إلى أخواتها من الكواكب الآخر . وبذلك يدخل الجنس  البقية علي صفحة( ١٨)

اشترك في نشرتنا البريدية