الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 639الرجوع إلى "الثقافة"

كيف تحسن الكتابة

Share

الغرض من الكتابة أن تعبر عن فكرة تحس ضرورة التعبير عنها . أو بعبارة أخرى : هو أن تنقل معنى من ذهنك إلى ذهن القارئ . وهو عمل كان ينبغي أن يكون سهل الأداء ، غير أنه - في واقع الأمر - شاق عسير عند أكثر الناس . فهم يحسبون أن الكتابة حرفة فنية رفيعة ، لا يمارسها إلا أولئك الذين أدركوا سرها وحذقوا وسائلها . وهم يتوهمون ذلك في تأليف الكتب أو تدبيج المقالات والبحوث على الأقل . وقد لا يتوهمونه عند تحرير الخطابات . فهي تختلف عن الكتب والمقالات في طبيعتها . لأن الخطاب إن هو إلا حديث على الورق مسطور ، ولذا فهو لا يدخل في باب الكتابة الفنية التي تكتنفها الأسرار والغموض .

ويقول الفيلسوف الإنجليزى المعاصر جود إنه كان أستاذا في إحدي الجامعات ، وكان يكلف طلبته أن يكتبوا له مقالا كل أسبوعين . وكان يجد مشقة كبرى في الحصول على هذه المقالات ؛ إذ كان الطلبة ينتحلون مختلف المعاذير للتخلص من تقديمها . ففكر جود في وسيلة يحتال بها على طلبته لكي

يكتبوا له . طلب إليهم أن يحرروا له خطابا لا مقالا . وطلب إليهم أن يذكروا في الخطاب شيئا عن رأيهم في المحاضرات التي تلقي عليهم وفي الطلبة زملائهم ، وشيئا عن رأيهم في موضوع المقال الذي كلفهم الكتابة فيه آخر مرة - وهنا مكر بهم أستاذهم جود مكرا شديدا ، لأنه ساقهم إلى الكتابة في الموضوع بطريق غير مباشرة . وكانت لهذه التجربة نتيجة تدعو إلى العجب حقا . فقد أكب كل منهم على رسالة يحررها ، وجاء تعبيرهم قويا جميلا . وظفر منهم استاذهم في يسر وسهولة بما ألح عليهم في طلبه في مقال فلم يظفر به .

ويقول جود : إن هذه التجربة أقنعته بما كان يشك فيه من قبل ، وهو أن كل حديث عن الأسلوب والصياغة والقدرة على التعبير كتابة ليس إلا دجلا يقصد به الأدباء أن يوهموا القراء أن الكتابة فن رفيع لا يستطيعه إلا رجل عبقري موهوب . ذلك لأنهم يكسبون عيشهم بهذا التهويش والأدعاء . ولا يشك جود في أن الرجل العادي لو أمسك بالقلم وعبر تعبيرا مباشرا بسيطا لأجاد الكتابة في أسلوب جميل .

غير أن الرجل العادي لا يفعل ذلك . فإن أراد أن يكتب للصحف ، وظن أنه لابد له من التعبير بما يسميه الأسلوب الأدبى ، تصور أنه لا يبلغ بغيته إلا إن استخدم لفظتين أو ثلاثا في موضع تكفي للتعبير فيه لفظة واحدة . فتراه يقول مثلا : " أرض الكنانة " بدلا من " مصر " و"عاصمة المعز" بدلا من " القاهرة" و منشأ هذه الفكرة الخاطئة ، هو الاعتقاد بأن الغرض من الكتابة يختلف عن الغرض من الحديث . وأن مهمة الكلمة في الحديث هي مجرد إيصال المعنى من ذهن المتكلم إلى ذهن السامع . أما مهمة الكلمة المكتوبة فهي إبداع ما يسمونه التأثير الأدبي . وترجع هذه العقيدة الخاطئة إلى سببين :

أما أولهما فهو السم الذي ينفثه من يتصدون للكتابة في الصحف السيارة ، فهم يحبون إثارة الخواطر ، سواء كان من الحوادث ما يثير أو ما لا يثير . فقد تكون هناك حرب عالمية كبرى ، وقد يكون العالم في سلام . غير أن الصحافي لا يقف هذا الموقف ، ولا يعطي لنفسه الخيار . فهو يري أن من واجبه أن يصدر صحيفة خلابة مثيرة ، سواء كان هناك ما يخلب القلب أو لم يكن . فإن كانت الحوادث خلوا مما يسلى أو يثير ، تلاعب باللفظ يؤدي به ما أبت الحوادث أن تؤديه

ومن ثم كان من أهم سمات الأسلوب الصحافي الإطناب والمبالغة . ومن وسائل تحقيق هذه المبالغة المنشودة استخدام ألفاظ أخاذة لا يتوقعها القارئ . فتراه ينعت "الاص" - مثلا - بأنه " زعيم عصابة كبرى " . فالصحافى لا يؤدي مهمته ولا يخدم مهنته إلا إذا استخدم الألفاظ الرنانة والتعبيرات ذات الطنين . وهي عبارات فضاضة لا تتلاءم وأهمية الحادث . ولا تعبر بإخلاص عما يجيش في صدر الكاتب نفسه .

فلو أن كاتبا صحافيا أراد - كما ذكر جوازورذي في كتابه " التعبير " - أن يقول " جلس القط على الحصير " وليس لديه اكثر من ذلك ، غير أن بالصحيفة نصف عمود لابد من ملئه . فلا مناص للكاتب من أن يحمل هذه العبارة اليسيرة عبئا ثقيلا من الفصاحة وأن يشحنها بالعاطفة الكاذبة ما استطاع إلى ذلك سبيلا . فيقول مثلا : " استلقي الحيوان بجسمه المقطقط الرشيق ، وماء بذلك الصوت المألوف الذي عرف به جنسه منذ الأزل ، وعبر بموائه عن الطمأنينة ورضا النفس . استلقي (اسم القط) على بساط سندسي فيه أبهة الشرق وعجائب ألف ليلة وليلة ؟ . وإذا لم يكن الكاتب ماهرا فشل في محاولته . وجاء أسلوبه مثيرا للسخرية لا للعواطف .

ألا إن هذا إسفاف في التعبير ، وجريمة في حق الأدب وأساليبه التي ينبغي أن يكون جمالها في بساطتها . وما دمنا لا تهدف إلى التأثير الصحافي ؛ فيجب علينا أن تعاهد أنفسنا على أن تعبر عما تريد التعبير عنه وحسب ، لا نزيد ولا تنقص ، ولا نستخدم من اللفظ إلا ما يؤدي إلى الغرض ،

وأن تقتصد في الكلمات ما استطعنا .

وهناك سبب آخر غير الصحافة ، يحدو الكتاب إلى الاعتقاد بأن أسلوب الكتابة يختلف عن أسلوب الكلام ، وأن الكتابة كما ينبغى لها أن تكون - حديثا مسطورا على الورق . ذلك أن كثيرا من المؤلفين يحبون أن يبالغوا في أهمية صناعتهم فيزعمون أن الكتابة فن - كفن الموسيقى او فن التصوير . وما دامت الكتابة فنا فلا بد ان تكون لها أصول ، ولا بد أن تستنقي لها ألفاظ خاصة ، ولا بد أن يكون لعبارة الكاتب جرس ورنين - وهذا هو ما يسمونه " الأسلوب " . ولا تكون للكتابة أية قيمة إذا لم تتميز بهذا " الأسلوب " .

والاعتقاد في أن الأسلوب له قيمة مستقلة عن المعنى الذي يحمله كان سائدا حتى عهد قريب جدا ، فكان الكاتب يهتم بطريقة الأداء أكثر من اهتمامه بما يؤدي ، ولم تدرك كثرة الأدباء خطأ هذا الزعم إلا حديثا جدا .

ويقول صمويل بتار الكاتب الإنجليزي في هذا الصدد : " لم أعرف كاتبا حاول التأنق في أسلوبه ، وأخرج لنا بعد ذلك ما يستحق القراءة . . إنني حينما أكتب لا أفكر إن كان لي أسلوب أو ليس لي ، ولو فكرت لكان ذلك على حسابي وحساب القراء . . مع أنى احاول أن يكون خط يدي جميلا مقروءا " .

يجب أن يكون أسلوب الرجل كردائه لا يتألق ولا يخطف البصر ، وإنما يجب أن يكون الشعور صادقا والفكرة واضحة ، ويكفي الكاتب بعد ذلك قليل من قواعد النحو والصرف . فالفكرة الجميلة هي الأسلوب الجميل .

إن شو وكنراد وهدسن من الكتاب الإنجليز المحدثين لم يتفوقوا لبراعتهم في الأسلوب ، وإنما بشر شو بالاشتراكية ، وقص لنا كنراد القصص عن حياة الملاحين ، وأطلعنا هدسن على عجائب الطبيعة ، وجاءهم جمال الأسلوب من تلقاء نفسه

ويقول شو : " إن الأسلوب الأصيل حقا لا يطلب لذاته . قوة الفكر هي قوة الأسلوب . ومن لا رأي له لا أسلوب له . ولن يكون له . ولا يمنع ذلك من أن يكون الرأي خاطئا " .

ولست أنكر أن للألفاظ جمالا ونغما ، وقد يتحد الرجلان في قوة الشعور ووضوح الفكرة إزاء موضوع واحد ، ومع ذلك تري أحدهما يعبر عن نفسه بإخلاص ويكون لتعبيره تأثير وقدرة على الإقناع . بينما نجد الآخر تاثيرا ضعف التأثير . أو ليس من واجبنا ان نلتمس تلك الصفة التي تضفي علي الألفاظ جمالا ، وان نتحاشي تلك التي تجعل الكلام باردا لا روح فيه ؟ :

لا شك في أن من الكلمات ما يثير الشعور ، ومنها ما لا يثيره . ولا مراء في أن بعض الألفاظ سحرا وموسيقي وجمالا لا يتوفر في بعضها الآخر . ولكن لا أنصح الكاتب بالبحث عن مثل هذه الألفاظ عامدا متكلفا ، ولو أنه فعل لفرت منه وشق عليه أن يهتدي إلى مظانها . إن موسيقى اللفظ وجماله صفتان لهما قدرهما في الكتابة . ولكنهما يأتيان من تلقائهما . ولو أنك عبرت عما في نفسك بوضوح وبساطة وتقاربت التكلف والتقليد ، لا تطبع ما تكتب بطابع شخصيتك . فإن كانت الفكرة جميلة والرأي مبتكرا ما خفي ذلك على القراء .

وكما ان المرء ليس بوسعه أن يجعل شخصيته محببة إلى النفوس إذا لم تكن بطبعها كذلك . فكذلك يستحيل عليك أن تجعل أسلوبك شائقا بصقله ، أو جميلا بتزويقه . إن الرجل الذي يفكر في ذاته وفي الآثر المادي يتركه شخصه في الآخرين لا ينجح إلا في إظهار التكلف والشعور بالقلق . وكذلك الكاتب الذي يفكر في أسلوبه وفي الأثر الذي يحدثه في قرائه ، لا يجئ ما يكتب إلا معوجا سقيما بعيدا عن الطبيعة .

وينصح جود الكاتب الناشيء لكي يعود نفسه ألا يهدف إلى ما يسمونه التأثير الأدبي أن يحتفظ لنفسه بمذكرات يومية . لأن المذكرات اليومية بدون عائد بقصد ألا يطلع عليها أحد غير مؤلفها ، والكاتب لا يجب أن يحدث تأثيرا في نفسه ، ولذا تراه في مذكراته اليومية صادقا طبيعيا . والمذكرات قيمتها لأنها تعبير عن النفس صادق ، وتدريب على الأسلوب الصحيح ، وهي وحدها تتفرد بين ضروب الإنتاج الأدبي بأنها لا تكتب إلا لأن مؤلفها يحس الرغبة في تدوينها .

ويقول هانزلت أحد كتاب النثر الإنجليزي المعروفين في

القرن التاسع عشر : " وان أردت أن تكتب لغة إنجليزية صادقة مألوفة أصيلة فاكتب كأنك تتحدث حديثا عاديا ، وليكن حديثك بسيطا قويا واضحا . ولا تجعل سبيلك التكلف أو التأثير الخطابى . ثم يقول وهو يوازن بين الألفاظ العادية والآلفاظ الثمينة " الكلمات كالعملة لا يكسبها قيمة الاتداولها .

ويقول تلك الناقد الإنجليزى شرط الكتابة الجيدة " أن يكون الكاتب دقيق الملاحظة ، واضح الفكر ، وان يختار الألفاظ الصحيحة ، وان يكون مجددا ، موجرا ، أصيلا . ما وسعه ذلك . وفوق هذا كله ينبغي له الا يخشى أن يكون طبيعيا " .

وليست هناك - بعد هذا كله - قاعدة ذهبية  للكتابة الجيدة . كما انه ليست هناك قاعدة ذهبية للحياة الطيبة . الكتابة تعبير عن الشخص ، وما هو غذاء لجسمك سم لغيرك . وما يكون سببا للإجادة عند شخص ما ، قد يكون شباكا يقع فيها الآخر ، والكاتب العظيم قد يخرق جميع القواعد ويبقي مع ذلك عظيما .

اشترك في نشرتنا البريدية