الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 686الرجوع إلى "الثقافة"

كيف تقلص الاستعمار، أمام نهضتنا الوطنية

Share

تتبع نهضتنا الوطنية سنة التطور ، ويتبع الاستعمار البريطاني أيضا تلك السنة ، شأنهما في ذلك شان سائر الموجودات ، ولا فرق بين تطوريهما إلا سيرهما في اتجاهين متعارضين ، فنهضتنا الوطنية توسع الخطا في سبيل التقدم ، بينما ينكص الاستعمار على عقبيه إلى الوراء ، وكل تقدم تحرزه نهضتنا يبلغ من المسافة ما بلغه الاستعمار في تدهوره . فنحن وأعداؤنا مثل كفتي الميزان ترتفع إحداهما بمقدار ما تتخفضه الأخري .

وقد شرحنا الطريقة التي يتم بها كل تطور في أكثر من مقال سابق ، وستخصص هذا المقال لشرح جانب آخر من نظرية التطور ، وهو الخاص بالخطوات التى يتبعها كل موجود متطور ، ثم سننظر في نهضتنا الوطنية على ضوء ذلك الشرح .

لا يشعر الإنسان بما يطرأ عليه هو من تطور طوال يومه ، في حين أن كل عبارة يسمعها ، أو جملة يقرأها ، أو شئ يتأمله ، أو نفس يردده أو مشرب أو مأكل يتناوله ، حدث فيه تغييرا معنويا وماديا ، ولكنه يدرك على مرور الزمن الفارق بين ما هو عليه في حاضره ، وبين ما كان عليه في ماضيه ، فيفطن حينذاك إلى ما طرأ عليه من تبدل ، والذي يحدث للإنسان يحدث لكل ما يحيط به من موجودات تبدو غير متحركة أو غير متبدلة .

ولكن التطور لا يسير كما تسير عقرب الساعة ، أي أنه في حركته الخافية على العين لا ينساب انسيابا ، ولكنه يخطو خطوا في بعض الأحيان ، ويثب وثبا في أحيان أخرى ؛ بل إن حركته أشبه بحركة المطرقة ، فالمطرفة تحاول أن تنال من الشئ المطروق وهو يقاومها ، ولكن كل ضربة من

المطرقة تضعف تلك المقاومة بمقدار ، فتصبح الضربة التالية أشد تأثيرا بعد أن صار الشئ المطروق أقل مقاومة .

والتطور يحدث ، كما قلنا في بحوث سابقة ، بفعل تدافع النقيضين الكامنين في الشئ المتطور . فهناك أبدا دفع وتأثير من أحد النقيضين ، ومقاومة ومغالبة من النقيض الآخر ، وإذا شبهنا أحد النقيضين بالمطرقة والآخر بالشئ المطروق ، فليس ذلك إلا خطوة في سبيل التبيين والتوضيح دون أن ندعي لتشبيهنا الدقة التامة ، فهذا التشبيه مقدمة لتطبيق النظرية على الواقع ، والحقيقة لا تتضح على وجه كامل إلا من ثنايا ذلك التطبيق . وسنحاول كما قلنا أن نطبق فيما يلى نظرية التطور ، أو الجانب الذي تحدثنا عنه من نظرية التطور ، على الصدام الدائر بيننا وبين الاستعمار البريطاني . قلنا إننا شرحنا في بحوث سابقة طريقة وقوع التطور ، ويتلخص ماقلناه في أن كل موجود يشتمل على تقيضين لا يكفان عن المصادمة والمقارعة ، وأن النقيض الجديد النامي لابد أن يتغلب على القديم الناكص على أعقابه ، وحين تتم له الغلبة يحدث التطور في المضمون ، أي في الموجود المتطور ، وحين يتطور المضمون لابد أن يتطور القالب ليلائمه ، ويقصد من القالب هنا الوضع الذي يقوم الموجود المتطور في ظله .

وسيشتمل هذا المقال على بيان ناحية جديدة من التطور ، وهي كيفية وقوع التصادم بين النقيضين ، أي أننا سنحاول في هذا المقال أن نتتبع خطوات المعركة الناشبة بين النقيضين ونصف مراحل تطورها ، ولابد أن نلفت النظر منذ الآن إلى فرق جوهري بين تصادم المطرقة والسندان ، وتصادم النقيضين وفق نظرية التطور ، ذلك أن التصادم الأول يقع

بطريقة شبه آلية ، في حين ان الثاني يقع بطريقة طبيعية ؛ ثم إن هناك فروقا أخري سنشير إليها في حينها .

كانت قبضة الاستعمار في أول عهد احتلال الانجليز لمصر تكاد تخنق الروح الوطنية المصرية ، حتى إنه كان يخيل إلى الذين يحكمون على الأمور بظواهرها أن العبودية قد ضربت على هذا الوادي إلي الأبد . وليس في ذلك ما يخرج على المألوف . فإن كل قمع استبدادى يحدث مثل هذا الأثر في أول الأمر ، ثم تبدأ المقاومة وتشد وتتفاقم حتى تكتب لها الغلبة في النهاية . على أن المقاومة تبدأ ضعيفة فلا يجد الاستبداد إزاءها محيصا من اتباع إحدي خطتين ، أولاهما أن يشتد في مصادمتها لإخمار أنفاسها ، وثانيهما أن يهمل شأنها . ومن الواضح أن كلتا هاتين الخطتين لا تؤديان إلا إلي شد أزر المقاومة . وأحسب أنه ما زال مائلا في ذهننا ما وقع بين مواطنينا الأحرار وبين الاستعمار من نزاع في أوائل هذا القرن ، وما أسفرت عنه الحركة الوطنية وهي في إبانها من فقدان الاستعمار لصوابه ، وإقدامه على ارتكاب جرائمة الوحشية المعروفة لقمعها ، ثم تعثره أمام اشتداد ثورة البلاد عليه .

بدأت مطرقة الوطنية المصرية ، وهي النقيض الناعي ، تدق الاستعمار البريطاني ، وهو النقيض التداعي . وترتب على كل دقة ازدياد شعلة الوطنية تأججا ، وازدياد الاستعمار تدهورا . وهنا يبدو الفرق بين الدق الآلي وبين التطور . فالمطرقة لا تزداد قوة بعد كل طرفة ، في حين أن ثورتنا الوطنية تزداد فتوة بعد كل كرة على الأعداء . . لقد نالت ثورتنا التى تأجج لظاها عام ١٩١٩ . من الاستعمار البريطاني ، وأرغمته على إرخاء قبضته قليلا ، وتجلى ذلك للعيان في تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢ . فبينما كان رجال الاستعمار وعملاؤه يهيمون قبل ذلك التصرع على زمام كل فرع من فروع أداة الحكم في البلاد ، ويتمكنون بذلك من قمع كل تقدم يحاوله الوطنيون ، وتحقيق كل غرض ينشده المستعمرون ، استطاعت مصر بعد ذلك التصريح أن تتخلص من أكثرية موظفي الاستعمار ، وأن تخطو إلي

الأمام في بطء رغم التحفظات الأربعة التي احتفظت بها انجلترا في تصريحها لتعرقل تقدم مصر على قدر استطاعتها .

ازددنا بذلك قوة ، وازداد الاستعمار على أثر ذلك ضعفا ، ولم تلبث أن عاودنا عليه الكرة ونحن اقدر على مصادمته ومصارعته . فاضطر أن يرخي قبضته من جديد ، وأن يبرم معاهدة سنة ١٩٣٦ ، ويتنازل عن بعض تحفظاته . ويسحب مستشاريه الذين ظلوا يشرفون بعد تصريح ٢٨ فبراير على أهم مرافق البلاد .مفكننا ذلك النصيب الجديد من الحرية أن نزداد قوة من الناحيتين المادية والمعنوية . وأن نزيد كراتنا على الاستعمار المتداعي عنفا حتى اضطر إلى النكوص على أعقابه مرة ثالثة . وسحب جنود الاحتلال من أراضي مصر الخارجة عن منطقة القنال .

ومن ذلك الحين ونحن نوغل الخطا في تقدمنا المادي والمعنوي ، والاستعمار يسرع في طريق الاضحلال والزوال ، وما وصلنا إلى مستوي من القوة والوعي يستحيل أن يعيش الاستعمار في كنفه حتى كررنا على المستعمرين هذه الكرة الأخيرة ، فحطمنا القيد المتبقى من قيود الاحتلال ، وانكرنا كل رابطة تربطنا به . وهبنا هبة واحدة للخلاص منه نهائيا ! وإذا عدنا إلى الخطوات التي خطوناها في سبيل الاستقلال . وتبينا اتجاهها ، وامتحنا ظروفها وملابساتها ، وما حققته من نتائج جزئية ، استطعنا بغير عناء أن ندرك نتيجة مقاومتنا في هذه المرحلة الأخيرة الحاسمة ، وأن نطمئن إلى نجاحها المرتقب . وليعلم الذين يخشون بطش الاستعمار أنه لم يستطع إلا أن يتقلص أمام زحف ثورتنا الوطنية في جميع مراحلها ، وأن الخطوة الأولى التي خطاها إلي الوراء عام ١٩٢٢ كفلت لنا دوام تقهقره تطبيقا للمذهب الذي نحاول تفسيره في هذا المقال .

ومن الواضح أننا لم نشر فيا تقدم إلا إلى المصادمات الرئيسية التي وقعت بيننا وبين الاستعمار ، وأسفرت عن تغير في العلاقة السياسية القائمة بين كل منا والآخر . ولكن

اكتفاءنا بالإشارة إلى هذه المراحل الرئيسية من تطور كفاحنا لا يعني أن الصدام لا يقع بيننا وبين الاستعمار كل ساعة ، وأن عملية المطرقة لا تهدأ ابدا . فنحن نخطو إلى الأمام في غير توقف ، والاستعمار يحلي الطريق على اثر كل خطوة ، وفي نهاية كل مرحلة من مراحل التطور يقع تغير رئيسي وفق ما سبق شرحه .

وهناك فرق جوهري بين عملية المطرقة وبين تطور كفاحنا الطبيعي . فتلك العملية الآلية لا تسفر إلا عن تغير مادي ، في حين أن التطور الذي يطرأ على صلتنا بالاستعمار يسفر عن تغير في معتقداتنا ومثلنا . فنحن لا نخطو خطوة إلي الأمام حتى تنبت لنا معتقدات ومثل جديدة . فقد كنا أيام مصطفي كامل لا نطالب بالاستقلال إلا لتحقق الكرامة القومية ، ونفوز بالحرية الطبيعية . ولم يكن لنا رائد في كفاحنا ضد الاستعمار إلا حب الوطن . ثم نشبت الحرب الكبرى الأولى فكشف الاستعمار عن وجهه الحقيقي في غير مداراة أو موارية ، ولم يتورع عن امتصاص موارد بلادنا علنا حتى جامع أهلها ، فضموا إلى أسباب مطالبتهم بالاستقلال ، وكراهيتهم للاستعمار ، سببا جديدا ، وهو رغبتهم في الخلاص من استغلال الاحتلال . وحلت بنا الأزمات الاقتصادية فيما بين الحربين الكبريين ، وتفاقم الخطب بعد وقوع الحرب العالمية . وما كادت تلك الحرب المدمرة تضع أوزارها ، ويتضح لمصر أن جيوش الاحتلال استهلكت أثناءها من خبرات البلاد ما يربو ثمنه على خمسمائة مليون جنيه . وأن الدولة المستعمرة اشترت القطن المصري طوال سنوات الحرب بأبخس الأثمان منتهزة فرصة انقطاع المواصلات بيننا وبين مختلف البلاد ، لم يتضح ذلك وغيره من أنواع استغلال الغاصبين حتى أدرك كل مصري في غير ليس أن ما يجثم على سواد أهل البلاد من فقر وجهل ومرض يعود في الأصل إلى الاستعمار . وأن استرداد حريتنا كاملة هو وحده الكفيل بصيانة مواردنا من امتداد أيدي المستعمرين . وهو وحده الذي سيشد عضدنا ، ويقوي روحنا ، ويرفع معنويتنا ، فيتيح لنا بذلك أن نقوم بالعمل الجدي في سبيل رفاهية البلاد دون أن تعوقنا أهواء المستعمرين وما يبذلونه من محاولات في سبيل دفعنا إلى الوجهة التي تمكنهم من

تسخبينا عند الحاجة في تحقيق أغراضهم العدوانية . وقد يزعم زاعم أن الأخذ بنظرية التطور هذه كفيل أن يصرفنا عن الكفاح الذي يصبح بغير جدوي ما دام التقدم حاصلا لا محالة ، ومنتهيا ولا شك إلي غايته . ولكن هذا الزعم لا ينال شيئا مما قلناه ، فالكفاح لاغني عنه لأنه يزيد التقدم سرعة . فالتواكل والاعتماد على الزمن في هذا العهد الذي تتسابق فيه الأمم لتحرز نصب السبق في مضمار الحضارة يعزل المتواكلين عن العالم المتحضر ، ويطيل أمد وقوعهم في ربقة الاستعمار ، في حين أن كل جهد يبذل في سبيل زيادة سرعة التقدم هو الكفيل بقرب انتشالنا من الوهدة التي تردينا فيها .

إن معرفة نظرية التطور تهدينا إلي سبيل التقدم ، وتنير مسالكه فتساعدنا على الإسراع في الخطي للوصول إلى ما نتوق إليه . وهي تعمق كذلك وعينا ، وتشد شعورنا الوطني إلي أسس راسخة من الوعي القوي السليم .

اشترك في نشرتنا البريدية