رأت المجلة أن تترجم هذا الدرس الذي ألقاه الاستاذ " رنوفن " Renovin بكلية الآداب بباريس عن سياسة فرنسا الخارجية في الربع الاخير من القرن الماضي وخاصة عن مساعيها إلى فرض الحماية على تونس . ولعل ذلك خير ما يمكننا ان نحيي به ذكرى الحماية بعد مرور ٧٥ سنة وقد الغيت معاهدة باردو راجع " دروس السربون " : السياسة الخارجية للجهورية الثالثة الجزء ٢
استأنفت فرنسا سياستها الانشائية فى الميدان الخارجي - ابتداء من سنة ١٨٧٨ حيث انعقد مؤتمر برلين ففى ذلك الوقت شرعت فرنسا جاهدة فى توسيع دائرة نفوذها في الخارج فكانت أولى ثمرات ذلك الجهد انتصاب الحماية فى تونس .
ان المسألة التونسية كانت تشغل الاذهان منذ أواخر " الامبراطورية الثانية " فالباي خاضع نظر يا لنفوذ السلطان العثمانى الا ان ذلك الخضوع لم يتعد دفع ضريبة معينة فكانت العلاقة بين تونس والامبراطورية العثمانية صورية اكثر منها حقيقية . وكان الباى يتصرف تصرفا حرا فى موارده المالية فاقترض قروضا ضخمة من بنوك اجنبية ، فرنسية وانقليزية وحتى ايطالية . لكن حكومته وجدت نفسها سنة ١٨٦٨ عاجزة عن دفع معاليم الدين فاضطر الى الافلاس ، لذا تكونت لجنة للدين تحت رعاية الدول العظمى وظيفتها قبض جانب من مداخيل المملكة وتوزيعه على الدائنين ، وكانت مصالح فرنسا ومصالح انقلتيرا وايطاليا كذلك ممثلة فى تلك اللجنة فنشأ عن ذلك - من سنة ١٨٦٨ - تنافس بين فرنسا وبريطانيا العظمي وايطاليا يكفيك لتعرف اهميته ان تتذكر ان ساحل صقلية الجنوبي لا يبعد عن الوطن القبلى الا بمسافة ١٨٠ ك . وذلك يصور لك مكانة تونس العظيمة من الناحية الستراتيجية فى البحر الابيض المتوسط .
وكانت لفرنسا دواء ملموسة للاهتمام بمصير تونس لا من الوجهة الاقتصادية فحسب بل ومن الوجهة السياسية لان الامر ايضا يخص أمن الجزائر ففرنسا لم
تكن تسمح لدولة اخرى بالانتصاب بحدود الجرائر ولذلك كان من مصلحتها ان تبادر بالسبق ولكن يجب على فرنسا _ ضرورة- ان تقرأ حسابا لمصالح انقلترا أو مصالح ايطاليا .
فتونس بالنسبة لايطاليا عنصر هام من الوجهة الاقتصادية ، اذ كان يقطن بالتراب التونسي سنه 1870ما ينوف عن العشرة آلاف من المواطنين الايطاليين واما من الوجهة الستراتيجية فبدهى ان ايطاليا التى ملكت فى ذلك التاريخ جريرة صقلية لو بسطت نفوذها فى نفس الوقت على تونس وسيطرت هكذا على ضفتى مضيق صقلية للعبت بسرعة دورا هاما جدا فى سياسة البحر الابيض المتوسط ،
اما بريطانيا العظمى فقد ملكت جزيرة مالطة ومنها يمكنها مراقبة مضيق صقلية فلم تكن تفكر فى الاستيلاء على تونس الا انه كان يمكن ان تميل الى اقصاء اما ايطاليا او فرنسا .
والمسألة التى سنتناولها بالدرس هى اذن : كيف توصلت فرنسا _ من ناحية السياسة العامة - الى الاستيلاء على تونس ؟ وقد وجدت هاته القضية حلها بين سنتى ١٨٧٨-١٨٨٣ وكان ذلك بعد تردد كبير . ويجب لفهم تطور المسألة ان نتبين مرحلتين : مرحلة اولى تحصلت فرنسا اثناءها على موافقة مبدئية من بريطانيا العظمى والامبراطورية الالمانيا ومرحلة ثانية تغلبت فرنسا أثناءها على ايطاليا .
المرحلة الاولى
ابتداء من سنة ١٨٧٨ اي ابتداء من وقوع مؤتمر برلين شرعت فرنسا في تنفيذ خطة ديبلوماسية ترمي الى التحقق من رضا انقلترا والمانيا فيما يخص احتمال انتصابها بتونس . وكان لا بد من رضا انقلترا نظرا لمصالحها فى هذا الشأن وكذلك رضا المانيا نظرا للدور الرئيسى الذى كان يلعبه بسمارك فى اوروبا وذلك بالرغم عن ان المانيا لم تكن لها فى ذلك الوقت اي مصلحة في البحر الابيض المتوسط . فكيف تحصلت فرنسا على رضا انقلترا والمانيا ؟
١ ) انقلترا في الايام الاخيرة من مؤتمر برلين اعلم رئيس الوفد الانقليزي " اللورد بيكونسفيلد " (ديزرايلي)(Disraeli)Lord Beaconsfieldووزير الخارجية الانقليزي
سالسبري salisbury رئيس الوفد الفرنسي وادنقتون ( Waddington) بان انقلترا عقدت مع الامبراطورية العثمانية في 4 جوان الماضى اتفاقية سرية تخول لها بصفة وقتية ادارة شؤون جزيرة قبرص فلاحظ عند ذلك وادنقتون الى الوزيرين الانقليزيين ان احتلال جزيرة قبرص يمس بصفة غير مباشرة من دون شك بوضعية فرنسا فى البحر الابيض المتوسط وحاول التحصيل على ترضية ومن اجل ذلك اثار مسألة تونس .
وحسبما جاء في التقرير الذى حرره وادنقتون بعد هاته المحادثة يكون سالسبرى قد قال له : " احتلوا تونس اذا اردتم ، فان انقلترا لا تعارض فى ذلك وستعمل على احترام مقرراتكم " ويردف الوزير الانقليزي قائلا : " ستضطرون الى احتلال تونس اذ لن ترضوا بان تبقى قرطاجنة بايدي " المتوحشين " وايد دسر اثيلى ما قاله سالسبري وكذلك امير الغال (prince de Galles) فى محادثة وقعت بينه وبين وادنقتون في باريس في الواحد والعشرين من جويلية .
وسرعان ما نبه وادنتون سفيرنا بلندن الى هاته المسألة وذلك ان التحصيل على تصريحات شفاهية امر حسن الا انه يجب تسجيلها كتابيا . ولذا كلف وادنقتون سفيرنا بان يسلم الى سالسبيرى نظيرا من التقرير الذى كان حرره عن المحادثات التى جرت قبل ذلك . ولكن في الرابع والعشرين من جويلية اى عشرة ايام بعد انتهاء المؤتمر صرح سالسبيرى ان عبارات التقرير كانت مبالغة فى الدقة وقال : اني من غير شك فهت بهاته العبارات التى ينسبها الى وزير الخارجية الفرنسي فقد قلت : " احتلوا تونس اذا اردتم " ولكنه لا يتسنى لى اعطاء صيغة كتابية لتصريح من هذا النوع لان تونس على كل حال ليست ملكا للانقليز وأضاف سالسبيرى قائلا انما مقصودى : " اذا تمكنتم انتم الفرنسيين من الاستيلاء بمفردكم على المملكة التونسية بصورة من الصور فسوف لن نعارض فى ذلك ولن نبدى اى اعتراض " فاجاب وادنقتون : هذا كل ما اطلبه . واعتبارا لما سبق غير وادنقتون صيغة النص الذي كان اقترحه فى اول الامر وسلم هذا النص الجديد للحكومة الاقليزية . وهكذا فان السابع من شهر اوت سنة ١٨٧٨ يعتبر يوما هاما فى تاريخ المسألة التونسية وذلك ثلاثة اسابيع تقريبا بعد مؤتمر برلين . وفى آخر الامر رضي سالسبيرى بان يسلم جوابا كتابيا الى سفير فرنسا وهاك نص الجواب " ان حضور فرنسا في المناطق القريبة من الايالة التونسية يخولها حق التاثير الناجع بقوة لا
هوادة فيها على امارة تونس المجاورة متى رأت ذلك مناسبا " ومعنى ذلك ان الحكومة الانقليزية رضيت سلفا بان تسلط فرنسا نفوذها على تونس متى ارادت ذلك
لماذا خولت انقلترا فرنسا حرية العمل بتونس بهذه السهولة ؟ اول سبب يمكن لنا تبينه هو انقلترا التى لم يمر طويل وقت على استيلائها على قبرص والتي كانت تخشى ان تثير الحكومة الفرنسية في وجهها صعوبات في هذا الشأن ارتأت ان تمنحها ترضية لا تكلف مصالح انقلترا ثمنا باهضا . والسبب الثاني هو ان الحكومة الانقليزية بدأت تميل الى اقصاء فرنسا عن الشؤون المصرية وترى ان فرنسا تقنع بسهولة اذا هي تحصلت في الوقت نفسه على ترضية في تونس . والسبب الثالث هو ان الحكومة الانقليزية تعرف ان تونس لا يمكن لها ان تبقى مستقلة الى الابد وانها ستقع فى قبضة ايطاليا او فرنسا . وانقلتيرا تخير من هذين الافتراضن الثاني . لانه اذا ما استقرت ايطاليا بتونس فانها تهيمن على ساحل مضيق صقلية وبالتالى يمكن لها بسهولة " سد " البحر الابيض المتوسط وهو الطريق الرئيسى الموصل الى الامبراطورية الانقليزية.
٢ ) المانيا
وفيما يخص المانيا تنقضنا الارشادات عن المحادثات التي جرت في شأن تونس بين وادنقتون وبسمارك اثر مؤتمر برلين وقد لمح وادنقتون الى ذلك في رسالة مؤرخة فى ٢٤ جويلية يقول فيها ما يلى ؛ " صرح لى الامير بسمارك بعد ما اطلع على ما عرضته انقلترا فيما يخص تونس ان المانيا مستعدة الى الموافقة على ذلك تمام الموافقة . " ونحن لا نعرف بالضبط ما هي العبارات التى استعملها بسمارك فى ذلك الوقت لاننا لم نجد الى حد الان فى الخزائن الالمانية اي وثيقة رسمية تتعلق بهاته المحادثة.
الا انه فى ديسمبر ١٨٧٨ كتب وادنقتون الى سان فالبى Saint vallier فرنسا فى برلين مشيرا الى ان بسمارك طمأنه اثناء انعقاد مؤتمر برلين على ان لا يعارض السياسة الفرنسية فى تونس واردف الوزير الفرنسى قائلا : انه يكون من المفيد ان نعرف هل ان سمارك متمسك برأيه ام لا فيجب اذن دفعة الى تصريح يوضح ذلك . وهذا يدل على ان تطمينات بسمارك لم تكن كاملة الوضوح .
ووقعت المقابلة بين بسمارك وسان فالييه فى الخامس من جانفى ١٨٧٩ . وقد .
اخبر بذلك سفيرنا ببرقية هامة جدا لان العبارات التى فاه بها بسمارك ستوجه السياسة الالمانية لمدة الاربعة او خمسة سنوات المقبلة فقد قال بسمارك : " انا ارغب في ان اقيم الدليل على استعدادي الطيب فى شان القضايا التى تهمكم والتي لا تتناقض فيها مصالحكم مع مصالح المانيا . واعتقد ان الشعب الفرنسي فى حاجة الى ما يرضى كرامته واود مخلصا ان اراه متحصلا على ذلك فى حوض البحر الابيض المتوسط الذي هو منطقة نفوذة الطبيعية . فكلما عظم نصيبه من النجاح من هاته الناحية ضعف ميله الى توجيه اللوم إلينا والتعبير عن آلام نحن لا نشك فى صدقها الا انه ليس فى مقدورنا التخفيف منها . فلماذا وقفت ألمانيا هذا الموقف ؟ ولماذا يشجع بسمارك فرنسا على احتلال تونس ؟
اول سبب ذكره بسمارك هو انه يرغب فى صرف انظار فرنسا عن مقاطعتي الالزاس والاورين : فهو لم يكن يضيره ان يرى فرنسا تسلك سياسة استعمارية لان ذلك شغل مفيد في نظره ومن جهة اخرى فان بسمارك مطمئن إلى اتجاه السياسة الفرنسية منذ وقوع ازمة السادس عشر من ماى ١٨٧٧ وانتخابات اكتوبر ١٨٧٧ ذلك ان حضور الجمهوريين فى الحكم كان يرضيه . ثم ان لدينا حججا كتابية لا تخلو من قيمة تعيننا على معرفة فكرة بسمارك والذى لاشك فيه ان العبارات التى توجه بها بسمارك الى سفير فرنسا مقدوح فى قيمتها الا ان لدينا رسالة بعث بها بسمارك الى " قيوم الاول " في ١٧ اوت ١٨٧٨ جاء فيها : ان فكرة امتداد النفوذ الفرنسى فى افريقيا متماشية مع مصالح المانيا وشرعية حقا فى نظرى . ان التوسع الاستعمارى من شأنه ان يشغل فرنسا شغلا وان ينتهى بها الى تفكير لن يكون موجها ضد ألمانيا . كذلك نجد فى رسالة بعث بها أحد الموظفين باسم بسمارك الى سفير المانيا بباريس ما يلى : " فى حوض البحر الابيض المتوسط ميدان فسيح يمكننا ان نطلق العنان فيه لفرنسا . وليس من المستبعد ( فى نظر بسمارك ) ان تدرك السياسة الفرنسية فى آخر الامر ان امبراطورية المانية تعد ٤٥ مليون ساكن نقطة ارتكاز اجدى واعظم شأنا من مليون من سكان " الالزاس والأورين " . ففكرة بسمارك هى إذن ان يحمل فرنسا بمساعدتها فى سياستها الاستعمارية لا على ان تتخلى عن الاخذ بثأرها فحسب بل على التقارب الفرنسى الالماني ايضا .
ذلك ما يتبين من كتابات بسمارك ، لكن يمكننا ان نتساءل هل يوجد سبب
آخر غير مذكور فى الوثائق من شأنه ان يوضح موقفه فمحتمل جدا ان يكون بسمارك قد توقع وربما رجا ان تحدث القضية التونسية نزاعا بين ايطاليا وفرنسا ، نعم ان سفيرنا ببرلين لم ير ذلك . لكن المندوب الايطالي فى مؤتمر برلين الكونت كورتى أكد في مذكراته ان بسمارك فى الوقت الذي كان يصرح الى وادنقتون بانه لن يعارض في احتلال فرنسا لتونس كان يخاطبه بنفس العبارات . فاذا كان ذلك في حساب بسمارك - ومن المحتمل جدا ان يكون ذلك - هل نتعجب ان هو لم يترك آثارا كتابية في هذا الشأن ؟ لا ؛ لان رجل الدولة قل أن يترك في الخزائن وثيقة تكشف عن الدواعي الخفية لسياسته .
وهكذا فان فرنسا _ في نهاية هذه المرحلة الاولى قد تحصلت على موافقة انقلترا والمانيا . وبذلك زالت نصف المصاعب إذ بدهي انه لو اعترضت انقلترا او المانيا لما استطاعت فرنسا ان تزج بنفسها فى المسألة التونسية . اما المعارضة الايطالية فقد كانت اقل خطرا .
المرحلة الثانية
وهى التغلب على المعارضة الايطالية وسنحاول ان نتعرف الى السياسة الفرنسية من خلال ما نشر من الوثائق الى حد اليوم .
يظهر ان وادنقتون وزير الخارجية الفرنسي فكر اثر انتهاء مؤتمر برلين فى ان يستغل حالا الوعود التى قطعتها انقلترا والمانيا على نفسها وقد كتب وادنقتون الى قنصل فرنسا بتونس روستان فى ١٩ جولية ١٨٧٨ ( اى بعد أيام قليلة من انتهاء مؤتمر برلين قائلا : " قد تعلن فرنسا في وقت قريب حمايتها على مملكة تونس " وسأله هل فى مقدور الباى ان يقاوم فرنسا اذا اراد ذلك فاجاب روسطان ان معارضة الباى لا يمكن ان تكون " خطيرة جدا " إذ انه لا وجود لجيش نظامي بتونس اما السكان فاستعدادهم الفطرى للحرب ضعيف . وفي السابع والعشرين من جويلية امر وادنقتون سفيره باعداد مشروع اتفاق مع باى تونس يتضمن الاعتراف بالحماية الفرنسية
يظهر إذن ان وادنقتون لم يكن مستعدا تمام الاستعداد لفرض الحماية الفرنسية بسرعة . لكنه بعث رسالة الى روسطان شهرا بعد ذلك اي في ١ سبتمبر ١٨٧٨ يقول فيها : " يغلب على الظن ان اياما اخرى ستنقضى قبل ان
تشرع في مسألة الحماية " ثم كاتبه مرة اخرى فى ٥ ديسمبر قائلا : " ستطرأ على مسألة الحماية فترة توقف قد تطول . " فلماذا عدل وادنققتون عن ذلك بعد شهر وهو الذي كان يفكر في اواخر جوبلية ١٨٧٨ فى فرض الحماية الفرنسية بسرعة على تونس ؟ ذلك ان وادنقتون تفطن فى اثناء تلك المدة ) والوثائق تدلنا على ذلك ( الى ان المعارضة الايطالية كانت اكثر شدة مما كان يتصوره سابقا . وحجتنا على ذلك هى رسالة ٥ ديسمبر التى ذكرتها وفيها يقول : " هناك صعوبات طارئة يجب ازالتها قبل الدخول فى مفاوضة تنتهى بنا الى فرض الحماية . " فما هى هاته الصعوبات ؟ ومن اول وهلة يذهب بنا الظن إلى " انفجار التعصب الاسلامى " طبقا لعبارة وادنقتون ؛ الا أنه من الواجب الوصول الى القضاء على معارضة ايطاليا بإعطائها تعويضا فى بلاد اخرى على حساب الامبراطورية العثمانية وكان وادنقتون يفكر في طرابلس الا ان وزبرنا ما لبث ان ادرك ان إيطاليا لم يكن في عزمها البتة التخلى عن تونس حتى ولو وجدت ترضية فى طرابلس فالمسألة التي كانت تشغل الذهن هى معرفة كيف يمكن الوصول الى التغلب على " المعارضة الايطالية "
١ا) اتخذت الحكومة الفرنسية في اول الامر خطة الارجاء . فلما شعر وادنقتون بالمقاومة الايطالية فكر في أنه لا فائدة فى الاسراع إنما يحسن تركيز النفود في تونس شيئا فشيئا . والتعليمات الصادرة من وزير الشؤون الخارجية في اوائل سنة ١٨٧٩ تدلنا على خطته . فقد صرح انه يجب اولا وبالذات التعبير للحكومة الايطالية عن أن فرنسا لا يمكن لها ان ترضى بانتصاب دولة اخرى في تونس غيرها . ثم إنه يجب أخذ وعد من الباى يقضي بأن لا يسلم او يسمح لدولة اخرى غير فرنسا ( اى ايطاليا ) باحتلال اى قطعة من تراب مملكته . واخيرا يتحتم التحصيل من باى تونس على معاهدة تحالف فاذا اكتملت هاته الشروط كانت كافية في نظر وادنقتون فمن رايه اذن العدول عن معاهدة حماية والاكتفاء كما قال " بتفاهم اخف وطأة " فوضع مشروعا فى هذا الغرض فى ١١ فيفرى ١٨٧٩ . إذن السياسة الفرنسية مرت بفترة توقف اذ وضعت خطة لبلوغ الهدف تعتمد على مراحل .
٢ ) الا ان الحكومة الايطالية اغتنمت هاته الفترة لتقوم " بهجوم مضاد " كما يقال فعينت " ما شيو " قنصلا بتونس وهو الذى شغل المنصب ببيروت و كان
مشهورا منذ ذلك الوقت بكرهه لفرنسا .. لقد كان ذكيا ناشطا وحازما . وقد كلف بأن يسلك سياسة مناوئة لنفوذ فرنسافي تونس فأسس جرائد لتقوم بدعاية ضد فرنسا ثم هو اخذ يبغض بعض القبائل النفوذ الفرنسي وشرع خاصة في منافسة فرنسا في ميدان الامتيازات التى كانت تحاول الظفر بها فى دنيا الاقتصاد . فكانت معركة شديدة بينه وبين روستان قنصل فرنسا سأقتصر على ذكر بعض حوادثها .
اولا : قضية السكة الحديدية الرابطة بين تونس وحلق الوادي : وهي سكة اقامتها شركة انقليزية بمقتضي عقد بينها وبين الحكومة التونسية الا ان الشركة الفرنسية ( عنابة - قالمه ) للسكك الحديدية عرضت على الشركه الانقليزية شراء ذلك العقد . وسرعان ما زاحمتها شركة ايطالية يديرها المسمى روباتينو . وفي ءاخر الامر نجحت شركة عنابة - قالمه بعد أن قدمت مليونين ونصف من الفرنكات بينما يعتبر الاخصائيون أن القيمة الحقيقية لا تتجاوز المليون ؛ إلا أن عقد البيع قدح فى شرعيته لخلل فى صيغته امام المحكمة العليا بلندن فتصدت شركة روباتينو للمزايده ونجحت بعد أن بلغ معلوم الدفع 4025000 فرنك وقد تحصلت على ضمان للفائض من حكومة ايطاليا ( ماي ١٨٨٠ ) وهكذا تصبح هذه السكة الحديدية بين يدى الايطاليين وهي التى لا تخفى قيمتها لصلتها بميناء نونس .
ثانيا : قضية النفيضة . هناك ارض شاسعة تقدر مساحتها ب ٨٠٠٠٠ هكتار ( مساحة مقاطعة فرنسيه ) كانت ملكا لاحد محظوظى باى تونس خير الدين الا أن خير الدين باع هذا الملك لشركة مالية فرنسية ( شركة مرسيليا ) بملونين من الفرنكات . فدفع ماشيو الباى الى اعتبار ذلك البيع ملغى اذ ليس من حق خير الدين التصرف فى ملك هو فى الاصل مجرد هبة ولما ارادت شركة مرسيليا التى اشترت الارض أن تنتصب فيها ظهر اسرائيل انقليزى الجنسية اسمه يوسف ليفى وادعى أن له حق القيام بالشفعة . ورفع امره الى محكمة عدلية لاثبات ذلك الحق . . ودافع فى قضيته محام انقليرى يدعى " برودلى " وشهرت الصحافة الاروبية " بمطامع فرنسا " ردامت القضية مدة طويلة . الى ان اتفقت شركة مرسيليا سنة ١٨٨٢ مع يوسف ليفى واشترت منه ما كان يدعيه من الحقوق ثم بعد ذلك تبين ان تلك الحقوق كانت وهمية . ذلك ميدان المنافسات التى كانت بين ماشيو وروستان ولم نذكر الا الحوادث الرئيسية .
وفي شهر جانفي ١٨٨١ قام ملك ايطاليا " هامببر " برحلة الى صقلية
فأعتزمت الجالية الايطالية بتونس وكانت كثيرة العدد ناشطة أن تبعث وفدا لتحبية الملك . فرأس الوفد ماشيو واصطحب احد احفاد الباى . وقد القى بمدينة " باليرمو " حيث كان الملك مقيما خطابا قال فيه : " ان تونس كانت فى سالف العصور مقاطعة رومانية ثم عبر عن امله فى أن " يتصادى نفوذ الامة الايطالية وازدهارها مع ذلك الماضى المجيد " ومعنى ذلك بأن تونس التى كانت مقاطعة رومانية يجب أن تصبح اليوم مستعمرة ايطالية ، فكان لهذا الخطاب اثره بتونس : وقد روى روستان عن الايطاليين انهم كانوا يؤكدون للتونسيين اثر خطاب باليرمو بأن ايطاليا لن تبخل بمساندتها للباى اذا ما رام الصمود فى وجه مطامع فرنسا ، فكانت الحالة اذن تزداد خطورة كل يوم . لذا وجهت الحكومة الفرنسية غير ما مرة سنة ١٨٨٠ الى الحكومة الايطالية احتجاجا على سياسة قنصل ايطاليا وطلبت منها ان تمد ماشيو بتعليمات مضبوطة حتى يضع حدا لسياسته الاستفزازية واضافت الحكومة الفرنسية قائلة : يجب ان يبقى الباب مفتوحا فى تونس لتنمية النفوذ الفرنسى فيما يخص مشاريع الاشغال العامة واستعمال رؤوس الاموال ويجدر بايطاليا ان لا تعطل نشاط فرنسا من هاته الوجهة . واخيرا بينت الحكومة الفرنسية لسفير ايطاليا بباريس بوضوح تام ان فرنسا لن تسمح لايطاليا مهما كانت الظروف بتركيز نفوذها في تونس ولو اضطرها ذلك الى استعمال السلاح فاجاب السفير الايطالي عن ذلك قائلا : ليس لفرنسا على تونس حقوق اكثر مما لايطاليا عليها .
وكثيرا ما تنوقش في المسألة التونسية بالبرلمان الايطالي وخاصة في نوفمبر ١٨٨٠ فاذا تاملنل فى هاته المناقشات وجدنا ان جميع الخطباء ايا كان اتجاههم السياسي أكدوا وجوب منع فرنسا من الاستيلاء على تونس قائلين : لن نرضى بان نطرد من افريقيا ولن نترك فرنسا تبسط نفوذها على حوض البحر الابيض المتوسط ويجب علينا الدفاع عن نفوذ ايطاليا الشرعى في تونس . وكانت الحكومة الايطالية التى يترأسها " كيرولى " تجيب بانها غير مستعدة لسلوك سياسة " الاستسلام " وتعبر - رسميا عن استعدادها لمقاومة النفوذ الفرنسي وبدأت الاوساط السياسية الفرنسية تشعر بأن الحالة اصبحت قلقة . وسفراؤنا " " " نواى " فى رومة و " سان فاليبيه " فى برلين ( ولا فائدة فى ذكر روستان الذى كان يخوض المعركة مباشرة ) كانوا يرون فى ءاخر عام ١٨٨٠ أن الوقت حان للعمل ؛ فاذا تركت فرنسا لايطاليا المجال لتقوية مقاومتها في تونس فستعرض نفوذها للخطر لدى عرب شمال افريقيا .
وكان سان فاليبيه يشكو الى وزير الخارجية فى رسائله ضعف الحكومة الفرنسية تجاه المسألة التونسية قائلا : " إن فرنسا بصدد تفريط - شيئا فشيئا ما كسبته في مؤتمر برلين "
وهكذا فإن سياسية الارجاء التى سلكت من عام ١٨٧٨ تبينت خطورتها فى اواخر عام ١٨٨٠ . فالمسالة التى كانت تواجهها الحكومة الفرنسية باتت واضحة : هل يجب سلوك سياسة حازمة فى تونس ام هل يجب التفريط فى حقوق فرنسا بها ؟ فاذا تباطأت فرنسا عن التداخل تسني لايطاليا الاستمرار فى سياسة المقاومة وشعر الباى بتاييد ايطاليا له فعارض فى ان تنفرد فرنسا بالنفوذ فى تونس . وبهاته الصفة كان امن الجزائر معرضا للخطر وكذلك سلطان فرنسا فى حوض البحر الابيض المتوسط .
لكن السياسة الحازمة معناها التدخل المسلح فى تونس للتخلص من المشكلة نهائيا وذلك من شأنه ان ينافى سياسة " الخشوع " التى رات الحكومة الفرنسية من الحكمة سلوكها منذ سنة ١٨٧١ ومن شانه ايضا ان يجر مصاعب خطرة فى العلاقات مع ايطاليا . والشعور بأن ايطاليا لن يصل بها الامر الى حد الحرب كان بينا الا أن ذلك لم يكن يقينيا تماما . وزيادة على ذلك فان احد رجال الدولة من ذوى المكانة بالرغم عن أنه لم يضطلع بمهام الحكم فى ذلك الوقت يدعى " كرسبي " كتب فى سبتمبر ١٨٨٠ مقالا بمجلة " ريفورما " جاء فيه أن السياسة الفرنسية فى تونس قد تؤول بايطاليا الى التحالف مع النمسا والمجر والمانيا ويقول : هل يفهم الفرنسيون ذلك ؟ وكل ذلك يبعث على الظن بان الهجوم الفرنسى على تونس معناه دفع ايطاليا فى احضان المانيا .
٣) وإذن فقد كان قرار الحكومة الفرنسية خطيرا . فكيف حلت المسألة ؟ منذ اواخر عام ١٧٧٩ غادر وادنقتون وزارة الشؤون الخارجية وتولت الحكم بين ديسمبر ١٨٧٩ وسبتمبر ١٨٨٠ حكومة يراسها " فريسنيه " (Freycinet) الذى كان وزيرا للشؤون الخارجية ايضا . ومنذ سبتمبر ١٨٨٠ ترأس الحكومة " جول فيرى " وشغل منصب وزير للخارجية " برتيليمي سانت هيلير " ( Barthelemy St Hilaire ) وكتب فريسنية فى مذكراته ) الجزء الثاني ( انه كان مستعدا تمام الاستعداد لفرض الحماية على تونس ( وسترى ان الامر غير ذلك )
وانه امر روستان بفتح مذاكرات مع الباى فاجابه قائلا : " اسمح بأن تنزل كتيبة من البحرية بشواطئ تونس وسيوقع الباى " وقال فريسنيه : " هممت بذلك واذا بي اغادر الحكم . فاعلمت جول فيرى ( خلفه فى رئاسة مجلس الوزراء ) بالحالة مبينا له الاحتياطات التى يحسن به اتخاذها وقلت له : ان الثمرة قد اينعت فما عليك الا ان تقطفها فى الوقت المناسب " فاذا طالعت مذكرات فريسنيه شعرت بانه لو لم تسقط حكومته فى سبتمبر ١٨٨٠ من اجل مسالة داخلية لكان على وشك حل المسألة التونسية فى اسرع الآجال . لكن هذا الشعور يتبدد اذا نحن قلبنا الوثائق فماذا تقول هاته الوثائق ؟ ابرق فريسنيه فى ٥ ماي ١٨٨٠ وهو اذذاكك رئيس مجلس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية الى روستان يخبره بأن الوقت قد حان لاستئناف المفاوضات مع الباى لابرام معاهدة حماية . فقد كان الاسراع ضروريا والاسطول الفرنسى مستعد لتعريز المفاوض الفرنسى . فاجاب روستان فى ٧ ماى انه يصطدم " بامتناع " مطلق من الباى الذى كان يمانع فى قبول الحماية الفرنسية والذي كان يتذرع بالدين قائلا انه لا يمكن له بصفته مسلما ان يقبل حماية دولة " كافرة " . وراى روستان من اللازم والحالة هذه اللجوء الى ارسال اسطول والى مخاطبة البامى بلغة التهديد ودعم كل ذلك باستعدادات عسكرية على حدود الجزائر .
الا ان فريسنيه لم يقرر اتخاذ الاجراءات اللازمة الا فى شهر اوت فأرسل ثلاث مدرعات الى مياه تونس ودعا فى الوقت نفسه الوالي العام بالجزائر الى القيام بمظاهرة صاخبة تقوم بها الجيوش على الحدود التونسية من غير ان تتجاوزها . فقد كان فريسنيه حينذاك مستعدا لاستعمال وسائل حازمة . لكننا فى ١٩ اوت نجد برقية من فريسنيه تعبر عن رأى اخر : يرى فريسنيه انه من الصالح العدول عن المناورة البحرية والعسكرية ولا يذكر معاهدة الحماية فما الذي وقع فى تلك المدة ؟ ليس هناك الا تفسير واحد : وهو ان الحكومة الانقليزية تبدلت واخذ مكان دسرايلى فى اوائل سنة ١٨٨٠ قلادستون (Gladstone ) فوجدت فرنسا نفسها امام حكومة شكلها حزب الاحرار وكان يضطلع فيها اللورد قر انفيل بوزارة الشؤون الخارجية . الا ان التصريح الذي وقع فى مؤتمر برلين فى شأن تونس قد فاه به سالسبيري الوزير فى الحكومة السابقة ؛ ولم يكن الامر معاهدة بين فرنسا وانقلترا وانما هو مجرد وعد قطعه وزير الشؤون الخارجية وليس من
الضرورى ان يلتزم به خلفه . وفى مثل هاته الحالة كان من الواجب التحقق من استعدادات الحكومة الجديدة ؛ الا ان سفيرنا عندما قام بمساع فى هذا الشأن قوبل " ببرودة " فقد صرح له اللورد قرانفيل انه غير مستعد " لاعطاء رأيه في الخلاف القائم بين فرنسا وايطاليا " بخصوص المسألة التونسية واغلب الظن ان هذا الجواب هو الذي دعا فريسنيه الى التفكير فى الامر . ومهما يكن فان فريسنيه عدل منذ آخر أوت عن فرض معاهدة الحماية على الباي والراجح ان فريسنيه قد " حسن الامور " فى مذكراته وفي الواقع فإنه عندما عندما غادر الحكم في نصف سبتمبر لم يكن البتة على وشك فض المسألة التونسية .
وفي تلك الظروف تولت الحكم وزارة جول فيري وكان رئيس مجلس الوزراء على علم بالمسألة فى خطوطها العامة اذ كان وزيرا للتعليم في وزارة فريسنيه ورغم ذلك فإنه لم يعزم على العمل الا بعد تردد طويل . والحقيقة ان الوضعية لم تكن يسيرة ذلك ان اكثرية اعضاء الحكومة وحتى وزير الدفاع كانت تمانع فى حملة عسكرية على تونس وكان رئيس الجمهورية ايضا قرافي (Grevy) معارضا بصراحة وكان يصرح على ما يظهر بأن تونس " لا تساوى اكثر من سيقار بفلسين " فقد كان إذن موقف جول فيرى حرجا فكان من الواجب عليه ان يتمعن في جانبى المسألة فإما الاقدام الذى يجلب سمعة طيبة فى الخارج وامتيازات سياسية في حوض البحر الابيض المتوسط او الاحجام الذى ينتج عنه سيئ الاثار على الرأي العام إذ الانتخابات العامة كانت معينة سنة ١٨٨١ وكان الفرنسيون يخشون بصفة عامة المغامرات الاستعمارية .
وبينما كان جول فبرى مترددا قرر وزير الشؤون الخارجية برتليمى سانت هيلير ان يتداخل مباشرة فى تونس وذلك فى جانفى ١٨٨١ وكان اتخذ هذا القرار تحت تأثير البارون دى كورسيل (Courcel) مدير الشؤون السياسية بوزارة الخارجية والذى سمي سفيرا ببرلين فيما بعد . وكان يرى هذا الموظف ان احسن وسيلة تحمل جول فيرى على الموافقة هى التأثير على قمبطا الذي لم يكن آنذاك فى الحكم الا أن تاثيره على الحزب الجمهورى كان عظيما فقد كان عبارة عن " حكومة سرية " حسب تعبير ذلك العصر . فزار البارون دي كورسيل قمبطا مرتين على التوالى وتوصل الى اقناعه وحينذاك فقط وافق جول فيري على
العمل ليقينه ان مساندة قمبطا تمكنه من النجاح فى البرلمان وما كان ذلك لينقص من قيمة جول فيرى الحقيقية لانه على كل حال تحمل مسؤولية هذا القرار وعرض حياة وزارته للخطر ويظهر ان جول فيرى اتخذفى اواسط مارس ١٨٨١ هذا القرار . وعلى كل فقد وقع الشروع فى إعداد العدة لتوجيه الجنود الى تونس لما حدثت فى الوقت المناسب واقعة بني خمير المشهورة : ذلك ان هاته القبلة الساكنة بالجبال الفاصلة بين الجرائر وتونس قامت بغزوة فى التراب الجزائرى . فسر روستان بهذا الحادث الواقع بالحدود وكان يقول : " إننا فى هذا الميدان أى مسألة الحدود نعتبر انفسنا فى ديارنا . فاتخذ جول فيري ذلك ذريعة للقضاء على ما تبقى من التردد بمجلس الوزراء . وطلبت اعتمادات من البرلمان فوافق عليها بدون صعوبة ثم أعلن عن الحملة الموجهة الى تونس .
لكن الامر كان يقتضى معرفة ما تنوي إيطاليا فعله . فسلوكها مرتبط بموقف انقلترا وألمانيا . فقد وعدت المانيا فرنسا سنة ١٨٧٨ بموافقتها ، ما من شك فى ذلك ، إلا ان الامر لم يتعد الوعد الشفاهى . لذلك كان هم حكومة فرنسا معرفة موقف بسمارك إثر حادث بنى خمير . فكان جواب الوزير الالمانى واضحا لا لبس فيه فقد صرح للحكومة الفرنسية انه يتمسك بما قاله من قبل بحيث يمكن لفرنسا ان تنتهى من المسألة التونسية - إذا ما ارادت ذلك - اما الحكومة الانقليزية فقد كانت كثر ترددا . لكنها صرحت بأنها لن تقوم بأى معارضة ، لذلك فان الحكومة الايطالية لما لا حظت أنه لا يمكنها الاعتماد على أى كان رأت نفسها مجبورة على الرضا . وما كان ذلك بدون عناء . وفى السابع من افريل وما ان وصل خبر حلول الجنود الفرنسيين بتونس حتى وقع استجواب حكومة كيرولي Cairoli فى مجلس النواب الايطالى واتهمت بقلة تبصرها وعدم معارضتها فى الوقت المناسب لاعمال فرنسا وسقطت الوزارة لكن في ١٥ افريل ابقى الملك الرئيس كايرولى فى الحكم لانه كان يشعر أنه ما كان يمكنه ان يفعل غير ما فعل .
نتائج الحملة العسكرية
إنتهت بدون صعوبة حملة تونس الواقعة فى ماى ١٨٨١ الى ابرام معاهدة باردو فى ١٢ ماى . وقبل الباي هاته المعاهدة تحت الضغط وقد نبهه الجنر ال قائد القوات الفرنسية إلى أن فرنسا لا تضمن له سلامة شخصه إذا هو لم يوقع فى الحال
على المعاهدة . وتخول معاهدة باردو لفرنسا حق مراقبة سياسة تونس الخارجية فيكون لها مقيم بتونس يصبح واسطة ضرورية فى العلاقات بين الباي والدول الاجنبية . ومن جهة اخرى يخول الباي لفرنسا حق احتلال البلاد عسكريا بالقدر الذى يكون فيه ذلك ضروريا لحفظ الامن . غير أن معاهدة باردو لا تمكنها من التدخل فى إدارة المملكة : فقد بقيت هاته الادارة بأيدى الباي . لكن ما أن تم التوقيع على المعاهدة حتى تمرد الجنوب التونسى وتمرد أهالي صفاقس وذلك في جوان ١٨٨١ فوجب إجراء جملة ثانية أكثر أهمية من الاولى إذ كان تحتم إرسال ٥٠٠٠٠ جندى وقد انتهى الامر بالاستيلاء على قفصه وصفاقس وقابس ولم ينته كل شئ عمليا إلا فى نوفمبر ١٨٨٢
لكن فى هذا الوقت اضطرت وزارة جول فيرى الى التخلى عن الحكم بسبب مسألة تونس . فقد هاجم كليمونصو الحكومة فى ٥ نوفمبر ١٨٨٢ وعاب على جول فيري سياسته بتونس تلك السياسة الخطرة في جوهرها إذ كان يمكن أن ترمي بإيطاليا فى احضان ألمانيا تلك السياسة التى أملتها مصالح شخصية لبعض أصحاب الاموال . وزعم كليمونصو أن الداعى لذلك هو حماية الشركات الفرنسية التى كانت تريد استثمار السكك الحديدية أو حماية أصحاب الاموال وآخر ما آخذ كليمونصو جول فيرى به هو أن الحملة الثانية لم يقع تحضيرها من الناحية الفنية على الوجه المرضى وأن القسم المكلف بالصحة لم يقم بواجبه ( والواقع أن نسبة الموتى كانت كبيرة فى جيوش الاحتلال ) فأجاب جول فيرى على هذه الانتقادات بالحجج المعروفة وهي وجوب ضمان أمن الجرائر وذلك بمنع إيطاليا من الحلول بتونس ووجوب ضمان مركز قوي لفرنسا في حوض البحر الابيض المتوسط . لكن البرلمان لم يقتنع بذلك واوشكت حكومة جول فيرى على السقوط لو لم يرم قمبطا نفوذه الادبي فى الميزان . فوافق مجلس النواب مصرحا له بأن معاهدة باردو وقعت عليها الحكومة الفرنسية ولا سبيل الى الرجوع فيها .
وهكذا فاز جول فيرى بموافقة البرلمان على سياسته بتونس لكن هذا الفوز كان الفضل فيه لقمبطا فلما شعر رئيس الحكومة ضعف موقفه قرر تقديم استقالته ٢٤ ساعة بعد جلسة البرلمان وفعل ذلك فى ١٠ نوفمبر . وهكذا فان الحكومة التى منحت تونس لفرنسا سقطت تحت ضربات معارضة كانت تعيب عليها نفس هاته السياسة تجاه تونس .
