الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 650 الرجوع إلى "الثقافة"

كيف تنهض الآمم من كبوتها

Share

هذا هو عنوان المحاضرة التي ألقاها الأستاذ ساطع الحصري بك بدار جمعية الوحدة العربية .

وقد استهل المحاضر حديثه بلفت أنظار السامعين إلي اكتفائه بسرد الحقائق التاريخية ، تاركا لهم مهمة التعليق عليها ، واندفع يقول : عندما نستعرض تاريخ الأمم نجد أنها كثيراً أما منيت بكوارث فادحة نتج عنها أحد أمرين : إما انهيار الأمة بعد الكارثة وتحطيم مجدها بحيث لا تنهض ،  وإما بعثها بعثاً جديداً لاتخاذها من الكارثة عبرة تتعظ بها وتنهض بعدها ، وتدع الأمم التي هدتها النكبات لتتحدث عن الأمم التي حفزتها المصائب للنهوض ودفعتها للاصلاح ، وأوضح مثال لذلك كارثة بروسيا عندما حاربها نابليون . وكانت ألمانيا يومئذ مجزأة إلى ولايات متعددة أقواها بروسيا التى هاجمها نابليون فانهزمت أمام قواته شر هزيمة ، وأذعنت صاغرة إلى قبول كل الشروط التي أملاها عليها وكانت قاسية جداً ، ولكنه لم يمض عليها سبعة أعوام حتى استطاعت أن تجهز جيشاً لجياً يحارب نابليون ويهزمه . وأن تسترد مجدها وتستعيد مكانتها في العالم ؛ فكيف تمكنت من ذلك ؟

عرفت أنه لابد لها من القوة ، ولكن ما السبيل للقوة وحالتها الاقتصادية سيئة ، والمستعمر يتربص بها ويحول بينها وبين ما تريد ، فنظمت التدريب المسكري في بلادها بحيث يأتي بنتائج عسكرية سريعة ، وطبقت هذا النظام على جميع أفراد الشعب تطبيقاً تاماً . ووجهت عنايتها للرياضة البدنية وعممتها بين طبقات الشعب ، وكانت ترمي من وراء ذلك إلى تحسين الصحة بين أفراد الشعب ليكونوا على استعداد للتربية العسكرية لا ليتغلبوا على خصومهم في المباريات . ثم اتجهت إلى الناحية الاجتماعية فنهضت بها نهضة تناولت الفوارق بين طبقات الشعب وجعلت منه طبقة واحدة ، وانصرف المفكرون والمعلمون والأدباء والكتاب والفلاسفة جميعاً إلى الدعوة للإصلاح وجمع الكلمة وبث روح القوة والكفاح في نفوس الأمة حتى قال بعض

الفلاسفة : إن ألمانيا لم تسمع شعراً حماسياً يتردد في أرجائها فيلهب القلوب ويشعل النفوس كالذي سمته في هذه الفترة القاسية من محنتها ، وذلك كانت كارثة بروسيا عاملاً كبيراً في نهضتها في النواحي الفكرية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية ؛ إذ عبأت الأمة قواها . وتضافرت جهود أبنائها على استعادة حريتها واستقلالها .

ونكبت فرنسا سنة ١٨٧٠ نكبة كبيرة حين أعلنت الحرب على بروسيا ، بعد أن حققت ألمانيا وحدتها ، وظنت فرنسا أن من السهل عليها الاستيلاء على برلين ، ولكن الرياح جرت بما لا يشتهي الفرنسيون الذين لم يكتفوا بالهزيمة أمام الجيوش الألمانية ، بل استولى البروسيون على القسم الشمالي من فرنسا واحتلوه ، وضموا إلهم منطقتى الألزاس واللورين ، وفرضوا على فرنسا مقداراً كبيراً من الأموال ، أو بتعبير ادق غرامة مالية فادحة ، وقد هزت الكارثة الأمة الفرنسية هزاً عنيفاً ؛ فأخذت تعيد النظر في سياستها ، وتدرس أسباب الهزيمة ، وتعالج نقط ضعفها على ضوء ما أسفرت عنه تجارب الكارثة ، ورأت أولاً ان تمحو الاحتلال من بلادها فدفعت الغرامة المالية . وجلا الألمان عن القسم الشمالي الذي احتلوه . ثم ظلت تعمل على استرداد الآلزاس واللورين حتى تمكنت من ذلك في الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ بفضل اتحاد أبنائها وتفهم أسباب ضعفها والاستفادة من الكارثة .

وواصل المحاضر حديثه قائلا : ومالي أضرب لكم الأمثال بأمم اوربا وأترك امم الشرق التي أصيبت بالمحن . فاستيقظت بعدها وبنت مجدها من جديد ، فهذه تركيا أصبيت بكارثة في حربها مع البلقان أفقدتها كل بلادها في أوربا ، وطوحت بعدد كبير من أبنائها ، ولم تمض أعوام حتى كان الاتراك قد استردوا مدنهم ، وعزا المحاضر ذلك إلى أن تركيا قد أدركت أسرار السياسة الأوربية ووقفت على ألاعيب الدول العظمى الاستعمارية التى تنقض اليوم ما أبرمته بالأمس ، وتتحلل من عهودها ووعودها إذا كانت مصلحتها

الاستعمارية تتطلب ذلك ، ولقد كان فهم الأتراك للعقلية الأوربية من اكبر الأسباب التي هيأت لهم النجاح ورفعت من شانهم في الميادين الدولية ، لأنهم بعد ذلك نهجوا سياسة جديدة تعتمد على القوة وحدها ، وهي اللغة التى لا تفهم أوربا لغة غيرها .

وفي حرب الاستقلال أو الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ هزم الأتراك ، واحتل الحلفاء قسماً من تركيا ، وفرضوا عليها معاهدة سيفر التي تقضي بانتزاع بعض البلاد التركية من الوطن التركي ، ولكن الأتراك قبلوا انفصال الأجزاء غير التركية عن بلادهم ، أما الأجزاء التي أصلها تركي فلم يقبلوا أبداً انفصالها عن تركيا بأي حال ، ولذلك قامت حركة مصطفى كمال ، وقاوم الكماليون جنود الحلفاء ، دون موافقة الخليفة وعارضوا معاهدة سيفر . وأصبحوا أمام عدوين : الخليفة والحلفاء الذين طلبوا من الخليفة تجهيز جيش لمحاربة أتاتورك ، وقد حشد الكماليون جهودهم وعبأوا قواهم في هذه الحركة الاستقلالية المجيدة ، وكانت النتيجة انتصاراً باهرا لهم وهزيمة للأعداء ؛ إذ أخرجوا اليونان أولا ثم الحلفاء بعد ذلك ولم يتردد الأتراك يومئذ في الاتفاق مع الروس للوصول إلى أهدافهم . وهكذا كانت نكبة تركيا في حرب البلقان هي الدرس الذي جعلها تنهض نهضتها الأخيرة .

ثم ذكر المتحدث نبذة قصيرة عن اليابان ختم بها محاضرته فقال : إن اليابان كانت حتى سنة ١٨٦٨ في عزلة عن العالم فأرغمها الأوربيون على أن تفتح أبوابها للتجارة وأخذت تقيس النظم الأوربية من الناحية العلمية ، وهي أول دولة أسيوية استطاعت أن تتغلب على الأوربيين إذ أعدت جيشها وسارت في ركب الحضارة الأوربية وسايرت النهضة الصناعية في أوربا ، وبعد هذه الحركات الإصلاحية جربت قوتها أولا مع الصين وحاربتها فانتصرت عليها ثم انسحبت منها ، ولكن لم يمض عامان على انسحابها حتى أخذت أوربا تحتل مدناً من الصين وقد أثر هذا أسوأ التأثير على اليابان وقامت الحرب بينها وبين الروس وانتهت بانتصار اليابان . وأدى انتصارها إلى تغيير العقلية الرجعية ، التى كانت تعتقد أنه لا يمكن أن تتغلب دولة أسيوية على دولة أوربية ، وبذلك انتهت المحاضرة .

ونحن بدورنا نؤثر أن نقدم المحاضرة للقراء دون تعليق عليها  أسوة بالمحاضر ، ولكنا نأمل  أن تتخذ الأمة العربية ذات التاريخ المجيد من كارثة فلسطين ، عبرة تحفزها لنهضة إصلاحية شاملة في النواحي العلمية والاجتماعية والعسكرية ونرجو أن تحقق الأيام آمالنا .

اشترك في نشرتنا البريدية