الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 608 الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, طرائف عن القمر

Share

الحديث عن القمر حديث حلو جميل ، يحمل طابع الطرافة والمتعة ، وسأحاول فيما يلى أن أعرض على القارئ بعضا من الطرائف عن هذا التابع الفضي الذي كثيرا ما تغنى به الشعراء وناجاه العشاق .

رحلة في ثمانية أشهر :

إن القمر هو الوحيد من بين جميع جاراتنا السماوية القريب منا . . ولكن هل هو قريب حقا ؟

دعنا نتدبر الأمر . . لنتصور أننا أنشأنا خطا حديديا بين الأرض والقمر فكم ترى يلزم لقطار سريع لكي يقطع المسافة بين كوكبنا وذلك التابع ؟ . . إنه يحتاج إلى مائتين وأربعين يوما أي حوالى ثمانية أشهر لقطع تلك الرحلة إذا سار بسرعة ألف ميل في اليوم . . .

كرة قدم قطرها ٢٠٠٠ ميل :

ويبدو القمر للعين العارية بحجم كرة القدم . . ولكن يا لها من كرة . !!  إن قطرها يبلغ حوالي ألفين من الأميال أي ما يعادل المسافة بين بور سعيد ولندن . . فإذا أنت رأيت بعين الخيال كرة ضخمة معلقة في الفضاء يساوي قطرها المسافة بين بورسعيد ولندن فأنت إذا قد شاهدت جسما يقارب في حجمه حجم القمر . . !!

عالم ميت :

والآن دعنا نتساءل : هل يوجد فوق القمر أناسي وحيوانات وأشجار ونباتات ، أم هو عالم ميت جدب لاحياة فيه ؟؟ . .

لقد تبين للعلماء وثبت لديهم أنه عالم ميت انعدمت فيه أسباب الحياة وصورها ، فليس فيه ماء ولا هواء . ومن الصعب أن نتصور مخلوقا حيا يعيش بغير ماء يحيا بغير هواء .

لا سحاب ولا جو :

وكنتيجة لانعدام الماء والهواء فوق القمر ، فليس هناك سحاب ولا جو كهذا الذي يحوطنا والذي يحمينا من حرارة الشمس المحرقة أثناء النهار ، ويحول دون فقدان الأرض لحرارتها أثناء الليل .

ففي خلال النهار القمري ، والذي يمتد إلى أسبوعين تسقط أشعة الشمس توا على سطح القمر ، لا يخفف من حدتها أي حائل جوي ، وبذا يكون لها من الأثر ما يفوق أثرها فوق الأرض خمس مرات .

وفي خلال الليل القمري الطويل ، والذي يمكث أيضا أربعة عشر يوما ، يفقد سطح القمر بسرعة ماجناه من الحرارة أثناء النهار ، وتنخفض درجة حرارته إلى حوالى ٢٥٠ تحت الصفر وهي درجة تكفي لتجميد الهواء . .!

أطباق القمر :

وهناك عديد من الفوهات الغائرة فوق سطح القمر . ويعتقد البعض أنها نتيجة لتصادم نيازك هائلة بسطح القمر ويعتقد فلكيون آخرون أنها فوهات براكين خامدة .

وإذا نحن نظرنا إلى فوهات البراكين الأرضية لألفينا أنها عادة تماثل في شكلها أكوابا عميقة ، بينما الفوهات الموجودة فوق سطح القمر تشبه أطباقا ضحلة واسعة ، وأكبر تلك الفوهات ، والتي يطلق عليها اسم " كلافيوس " يبلغ قطرها مائة وثلاثة وعشرين ميلا ، ومع ذلك فعمقها أقل من ميل . . !!

جبال القمر الخالدة :

ولننظر الآن إلى صورة أخرى من صور القمر البديعة ، ألا وهي جباله الخالدة الثابتة على مر الدهور والأزمان . . ما أبدعها وما أروعها تلك الجبال ! إنها ترتفع في الفضاء ارتفاعا هائلا يبلغ في بعض الأماكن خمسة أميال ، وما أشبهها بنافورات المواد المنصهرة التى تصمدها البراكين الثائرة . . وإنها لجبال لها صفة الخلود ، لا تتهاوى على مر السنين ولا يأكل منها الدهر ويشرب كما هو الحال في جبالنا الأرضية التي تؤثر فيها عوامل التعرية من جليد وماء وأمطار ورياح ، فهذه العوامل الجوية المتباينة لا وجود لها فوق ذلك التابع ، وبذا فجباله أبدية باقية لا تتعرض لأسباب الانحلال والبلى .

صخور القمر :

وينطبق هذا على سطح القمر كله ، فلا يحدث فيه أقل تغيير مع الزمن ؛ فبينما تتعرض صخرة على سطح كوكبنا إلى أثر الجو من ريح ومطر وعواصف وزوابع ، فتذبل صلابتها ويتهاوى عودها ، ويصيبها الانحلال والبلى بمرور السنين ، نجد أن صخرة قمرية قد تلبث خلال أحقاب عديدة متلاحقة دون أقل تغيير ، اللهم إلا تغير درجة حرارتها ، فتسخن حين تسطع عليها الشمس أثناء النهار وتبرد حين تغيب عنها وتغرب أثناء الليل

مرآة ضخمة هائلة :

وإن ضوء القمر الفضي البديع الذي تتمتع به في الليالي المقمرة فوق كوكبنا لهو انعكاس لضوء الشمس على سطح القمر فهذا التابع جسم غير مضئ بذاته ولكنه كمرآة فضية دائرية ضخمة خشنة الملمس يستقبل الإشعاع من المورد الشمسي الهائل ويعكسه ويبعث به إلينا . .

التفاهم بلغة الإشارة :

وكما قلنا من قبل فليس في القمر ماء ولا هواء ، وليست هناك عواصف  أو رياح ؟ وعلى ذلك إذا تصورنا أننا نعيش فوق القمر فلن يمكن لأحدنا أن يسمع الآخر لأن الأصوات ليست إلا أمواجا هوائية ، فعلينا أن نتفاهم إذا بلغة الإشارة .

سماء القمر :

وسماء القمر سماء سوداء كالفحم تقع فيها النجوم بنور ساطع ثابت غير مضطرب .

وقد يتساءل البعض : لماذا لا تبدو السماء زرقاء كما هو الحال في سماء الأرض ، إن السر يرجع إلى أن القمر لا يحوطه جو - كما أسلفنا - بينما الأرض محاطة بجو . وهذا هو العامل الذي يساعد على انتشار الضوء وتشتيته وتحليله فتبدو السماء زرقاء للناظرين

منظر غروب الشمس :

ومنظر غروب الشمس ، ذلك المنظر الجميل الممتع ، الحبيب إلى نفوس أهل الأرض ، لا وجود له فوق القمر ، لأن ألوان الغروب البديعة ليست إلا نتاجا من نتاج الجو .

الأرض من القمر :

ولنتصور الآن أننا نعيش فوق القمر . فكيف ترى  تبدو لنا الأرض .

إن للقمر وجهين أو جانبين أحدهما يبقى دائما في مواجهة الأرض ، بينما الآخر بعيد عنها . . فإذا خلنا أنفسنا على جانب القمر المواجه للأرض فسنرى أبدع المناظر وأحبها . . سنرى الأرض الأم معلقة في سماء القمر . . ثابتة لا تتغير

مكانها وينيرها ضوء الشمس . وكما اعتدنا أن نفكر في القمر المكتمل ، فعلينا أن نفكر الآن في الأرض عند ما تكون بدرا ؛ فهي تمر في نفس الحلقة من الفصول التي بمر بها القمر حين تراه من الأرض ، ولكن كم هي أكبر وأشد لمعانا . ففي خلال الليل القمري حين تتجلى الأرض بدرا تبدو أكبر ثلاث عشرة مرة ونصف مرة من قمرنا المكتمل وحيث إن القوة التي تعكس بها الأرض الضوء توازي ست مرات من قوة القمر ؛ فإن " ضوء الأرض " المكتمل سيبين لنا ثمانين مرة أشد وأكثر برقا من ضوء القمر . . ! .

الشمس من القمر :

ويمكن من القمر رؤية اللهب الهائل من الغازات المشتعلة ، وهو ينبعث من الشمس على الدوام ، ذلك اللهب الذي لم يتح لعلماء الفلك رؤيته إلا في اللحظات القليلة من كسوف الشمس . فحين يأتي القمر بالتمام بين الأرض والشمس ، فإنه يمنع عنا ضوء الشمس ويتركنا في ظلام دامس ، ويسمى هذا " كسوف الشمس " ولا يستمر هذا الكسوف إلا لدقائق معدودات ، لأن الأرض والقمر يتحركان بسرعة هائلة ، فلا يلبث القمر أن يولي في سيره مفسحا المجال أمام أشعة الشمس لتأخذ طريقها إلى هذا الكوكب .

خسوف القمر :

وهناك أيضا خسوف للقمر ، ويتسبب هذا حين تأتي الأرض بين الشمس والقمر ، فتمنع ضوء الشمس عنه . وبذا لا يمكن لنا أن نراه من الأرض ، لأنه كما قلنا من قبل جسم غير مضئ بذاته يستمد نوره من الشمس ، وبهذا النور ليس إلا تتاح لنا رؤيته .

الخفة والسرعة فوق القمر :

ولنتحدث الآن عن شئ مدهش عجيب يواجهنا فوق القمر . . إن الأرض تدور وتدور باستمرار ، ومع ذلك فنحن لا نسقط في الفضاء ، ومرد هذا إلى جاذبية الأرض ، تلك

القوة التي تحفظنا في أماكننا على سطح هذا الكوكب . . وحيث إن القمر أضأل بكثير من الأرض ، فقوة الحاذبية هناك أقل ست مرات منها فوق الأرض . فلو كنت تزن ستين كيلو جراما فوق الأرض لبلغت زنتك هناك عشرة لا غير من الكيلو جرامات ، وبذا تكون حركاتك خفيفة بلا أدنى مجهود ، فيمكنك أن تجري بسرعة تفوق سرعتك الأرضية ست مرات ، كما يتاح لك أن تقفز إلى ارتفاع يوازي ست مرات الارتفاع الذي يمكنك أن تقفزه وأنت على الأرض .

كرة القدم فوق القمر :

ولو تصورنا أن هناك فريقين يلعبان كرة القدم فوق القمر لوجب أن تكون ساحة اللعب أوسع ست مرات منها على الأرض ، لأن رمية الكرة تنطلق مسافة أطول بستة أضعاف من مماثلتها فوق الأرض !

رفيق مدهش :

وبعد ، إن القمر ، برغم أنه عالم ميت جدب ، إلا أنه رفيق رائع مدهش للأرض . . إنه يتحكم في المد والجزر في بحارنا ومحيطاتنا . . وقديما كان الناس يصدقون أن له تأثيرا عظيما - ليس فقط - على محاصيلنا وإنتاجنا ، بل على عقولنا وإدراكنا . . !!

اشترك في نشرتنا البريدية