كانت أول دولة شرقية عرفت الطباعة هي تركيا ، فقد أدخلت إليها أول مطبعة في سنة ١٧٢٨ ؛ ثم تلتها سوريا ، فقد جلبت إليها المطابع الإرساليات الدينية لطبع الكتب الدينية ؛ فلما وقعت الحملة الفرنسية على مصر أحضرت معها مطبعة ( البرو باجندا ) من إيطاليا ، ولكن هذه المطبعة لم تعط الفرصة الكافية والهدوء اللازم لتخرج للشعب مطبوعاتها، ثم قدر لها أخيرًا أن تخرج من مصر بخروج الحملة .
وظلت مصر خالية من المطابع نحو العشرين عامًا حتى بدأ محمد علي يضع الأسس لإصلاحاته ، وكان عماد هذه الاصلاحات في نظره مدارس جديدة وجيشًا جديدًا ، يتبع في إنشائهما النظم الأوربية الحديثة ، ورأى أن هذه النظم الحديثة لا توجد في الكتب العربية أو التركية القديمة ، وهنا اتجه بتفكيره إلى إنشاء مطبعة في مصر تزود هذه المنشآت بالكتب اللازمة .
ويرجع تفكير محمد على في إنشاء المطبعة إلى سنة ١٨١٥ تقريبًا ، وهي السنة التي أوفد فيها بعثته إلى ( إيطاليا ) للتخصص في فن الطباعة ، أما المطبعة فقد أنشئت في سنة ١٨٢٠ وإن كانت لم تبدأ العمل إلا في سنة ١٨٢٢ .
وقد بدأ محمد علي فأحضر ثلاث آلات للطبع من ( ميلانو ) . كما أحضر الحبر والورق والمواد الأخرى اللازمة للطباعة من ( ليجهورن ) و ( تريستا ) غير أنه بعد أن صدف عن
إيطاليا واتجه إلى فرنسا أخذ يحضر ما يحتاج إليه من آلات للطباعة من ( باريس ) .
وقد أحضرت للمطبعة عند إنشائها مجموعات من الحروف العربية والأيطالية واليونانية صنعت كلها في ميلانو بإيطاليا غير أنه تبين بعد طبع الكتب التركية والعربية الأولى أن هذه الحروف العربية المصنوعة في إيطاليا رديئة معتلة ، فهذا لم يكد عبد علي يعلم بوجود ( سنكلاخ أفندي ) الخطاط الفارسي المشهور بالقاهرة حتى أصدر أمره في ٨ صفر سنة ١٢٣٧ بأن يكلف بنقش حروف جديدة للمطبعة فجاءت حروفه جميلة ؛ وأجمل الكتب التي طبعت بخطه الفارسي: "ديوان محي الدين بن عربي" الذي طبع في بولاق سنة ١٨٥٤ . وقد كانت الحروف العربية بمطبعة بولاق صنفين خط التعليق أو الفارسي ، وكانت تطبع به عناوين الفصول غالبًا؛ والخط النسخي المعتاد وتطبع به للتون .
أما الحبر فلم يلبث أن صنع في مصر ، وبذلك أوقف استيراده من أوربا ؛ كذلك الورق ، فقد انشئت ( فابريقة ) لصنعه حوالى سنة ١٢٥٠ أو قبلها بقليل ، وكان مقرها الأول في الحسينية ، ثم نقلت إلى بولاق . وكان الورق يصنع أولا من مواده الأولية ، وفي ١٤ جمادي الاولى سنة ١٢٥٠ صدر أمر من محمد على إلى ناظر الجهادية جاء فيه : "بما أنه صار البدء في تشغيل فابريقة الورق التي تم إنشاؤها ،
وأن هذا الصنف يشتغلونه من اللبوسات الكهنة وما يشابهها . فيشير بالتحرير من الجهادية إلى سائر الآلايات والأورط بإرسال اللبوسات المرتجعة إلى ديوان الجهادية أولا بأول ، وبورودها ترسل إلى فابريقة الورق أولى من بيعها أو إتلافها بالبقاء فضلًا عما في ذلك من الفائدة في كثرة تشغيل الورق"
ولم يكن محمد على يسمع بأي تحسين صناعي يتم في أوربا حتى يبادر بالأخذ به في مصر ، ففي ١٣ شعبان سنة ١٢٦٣ قبيل وفاته بسنتين - نشرت الوقائع المصرية : " أنه استحضر من أوربا آلة بخارية لإدارة فابريقة الورق وصار المأمول ازدياد ما يعمل فيها من جميع أصناف الورق بدلًا من إدارة الفابريقة بالمواشي " .
وقد ظلت الآلات الخاصة بالمطبعة وفابريقة الورق وأصول الحروف واللوحات الإيضاحية الملحقة بالكتب المترجمة - وخاصة الكتب الحربية والرياضية والجغرافية تصنع في أوربا - في إيطاليا وفرنسا - حتى تاريخ متأخر .
وظل الأمر على ذلك حتى نهاية عصر محمد علي ، فيما عدا اللوحات الإيضاحية ، فقد ألحقت بمطبعة بولاق حوالى سنة ١٨٤٢ مطبعة أخرى لصنع هذه اللوحات وطبعها.
وقد كان أول مدير للمطبعة هو نقولا مابكي ، وظل يشرف على إدارتها من الناحيتين الفنية والعملية حتى توفي في سنة ١٢٤٤ (١٨٣٠) .
وقد ذكر الرحالة الإيطالي ( بروكي ) أن مايكي هفا - في أول عهده بالعمل - هفوة خطيرة كادت تقصيه عن العمل وتودي به ، وذلك أن قسا إيطاليا من ( كالابريا ) اسمه ( كارلو ياوني ) كان مدرسًا بمدرسة بولاق ، نظم قصيدة طويلة موضوعها " الأديان الشرقية " وكانت تضمن طعنًا في الدين الإسلامي ، وأعطاها لمايكي ليطبعها في مطبعة بولاق ، وكان المستر ( سولت Solt ) قنصل إنجلترا في مصر يكره هذا القس فأراد أن يوقع به . ونقل خبر هذه القصيدة إلى محمد علي الذي أمر في الحال بإحراق أصول هذه القصيدة ، ولولا وساطة عثمان نور الدين لما عفا عن مايكي ، بل لناله منه عقاب أليم .
وعقب هذه الحادثة أصدر محمد علي أمره في ١٣ يوليو سنة ١٨٢٣ ( ١٦ ذو القعدة ١٢٣٩ ) ألا تطبع المطبعة
أي كتاب غير حكومي إلا بعد صدور إذن خاص منه ، فكان هذا أول قانون صدر بالرقابة على المطبوعات في مصر الحديثة.
وقد ألحق بنقولا مايكي - منذ اللحظة الأولى - عدد من تلاميذ الأزهر ، وكلف بتعليمهم طريقة الطبع وصف الحروف ونواحي العمل الفنية الأخرى . فلما حذقوا العمل ومرنوا عليه أسندت رئاسة الأقسام إلى نفر منهم فعين الشيخ عبد الباقي رئيسا للمسبك ، والشيخ محمد أبو عبد الله رئيس للطباعين ، والشيخان يوسف الصفي وحمد شحاتة رئيسين للصفافين .
وقد تولى الإشراف الفني على المطبعة منذ إنشائها نقولا مايكي ؛ أما الرئاسة الإدارية فقد تولاها أناس كثيرون بألقاب مختلفة وكان أولهم عثمان نور الدين الذي عين مفتش للمطبعة في ٨ سفر سنة ١٢٣٧ (٤ نوفمبر ١٨٢١ ) وظل يشغل هذا المنصب حتى شهر ذي الحجة سنة ١٢٣٩ ( يوليو ١٨٢٣ ) ثم خلفه مفتشون ومديرون ونظار آخرون .
ولقد كانت المطبعة الوسيلة الكبرى لتحقيق غرض محمد علي من نقل الحضارة الغربية إلى مصر ، فلقد كانت طريقته في هذا النقل هي الترجمة ، وما كان للترجمة أن تحقق غرضها إذا لم تطبع من الكتب المترجمة نسخ كثيرة توزع على الجند في فرق الجيش ، وعلى الطلاب في المدارس بل وعلى الأهلين .
وهذا أنشئت مطابع أخرى كثيرة ، وألحق معظمها بالمدارس ، وخاصة البعيدة منها عن بولاق ، ليتيسر لها طبع الكتب التي تترجم بها دون تكبد مشقة الانتقال إلى مقر المطبعة الكبرى ؛ فكانت هناك مطبعة ملح ملحقة بمدرسة الطب حين كانت في أبي زعبل ، وقد طبع بها في سنة ١٢٤٨ أول كتاب ترجم في الطب وهو كتاب : " القول الصريح في علم التشريح" ثم ظلت تطبع بها الكتب الطبية المترجمة حتى نقلت المدرسة إلى قصر العيني فأصبحت كتبها تطبع في بولاق .
وكانت هناك مطبعة ملحقة بمدرسة الطوبجية بطرة ؛ وأول كتاب طبع بها هو كتاب " الكنز المختار في كشف الأراضى والبحار " ، وقد طبعت بها كتب حربية ورياضية
وجغرافية أخرى . كذلك كانت هناك مطبعة أخرى في المدرسة الحربية بالجيزة ؛ وكان في القلعة مطبعة طبعت بها الوقائع المصرية مدة ما .
ورغم وجود مدرسة المهندسخانة في بولاق فقد ألحقت بها حوالى سنة ١٢٦٠ مطبعة حجر خاصة لطبع الكتب الرياضية المختلفة ، وما يتصل بها من أشكال ولوحات إيضاحية .
وهناك مطبعة أخرى لم يعن أحد بذكرها أو الإشارة إليها - رغم أهميتها وهي مطبعة سراي الإسكندرية، ولسنا نعرف بالتحديد متى أنشئت هذه المطبعة . ولكننا نعرف أنها شاركت في طبع بعض الكتب المترجمة في ذلك العصر . وخاصة الكتب التاريخية التي ترجمت إلى اللغة التركية ، ومنها نستطيع أن نرجح أن هذه المطبعة أنشئت في سراي رأس التين حوالى سنة ١٨٣٢ . ففيها طبع في سنة ١٢٤٩ (١٨٣٤ ) كتاب " تاريخ نابليون " تأليف " دوق دى روفيجو " وكتاب " تاريخ إيطاليا " تأليف " بوتا " وقد قام بترجمة الكتابين عن الفرنسية إلى التركية عزيز أفندي كاتب الديوان الخديوي بثغر الإسكندرية
وفي هذه المطبعة أيضًا كانت تطبع الجريدة الرسمية الفرنسية " لومونيتور اجيبسيانLe moniteur Egyptien " التي ظلت تصدر نحو ثمانية أشهر من أغسطس سنة ١٨٢٣ إلى مارس سنة ١٨٣٤ .
وبعد وضع التنظيم الإداري الجديد لمصر ألحق بعض الدواوين مطابع خاصة بها لنشر أوامرها ومنشوراتها وقوانينها ، فقد كان لديوان المدارس مطبعة . ولديوان الجهادية مطبعة . غير أنا نلاحظ أن هذه المطابع شاركت أيضًا في طبع الكتب المترجمة ؛ ففي مطبعة ديوان الجهادية طبعت " رسالة في علاج الطاعون ، في سنة ١٢٥٠ و " رسالة فيما يجب اتخاذه لمنع الحرب والداء الإفرنجي عن عساكر الجهادية ونسائها " في سنة ١٢٥١ ، والرسالتان من تأليف كلوت بك.
وقد كان الغرض الأساسي من إنشاء هذه المطابع هو طبع الكتب المترحجة ، ولكنها قامت أيضًا بإحياء كثير من المخطوطات القديمة التي دعت الحاجة إلى طبعها . وقد
كانت تقاليد العصر تقضي بطبع ألف نسخة من كل كتاب يترجم ، وإن كان القليل منها قد طبع منه خمسمائة فقط .
وكانت هذه الكتب توزع على تلاميذ المدارس ، فهي من أجلهم ترجمت وطبعت ؛ وكانت أثمان الكتب تخصم منهم في أول الأمر . وثمن الكتاب هو ما صرف على طبعه دون تقدير أى ربح . وحوالي سنة ١٢٥٨ (١٨٤٢ ) رأت الحكومة أن تصرف الكتب للتلاميذ على نفقتها الخاصة ، ولكنها كانت تأمر بأن تكون هذه الكتب عارية للتلاميذ تجمع منهم إذا انتقلوا إلى فرقة أعلى لتصرف إلى التلاميذ الجدد ، وهكذا يستمر الكتاب يتداول بين التلاميذ من يد إلى أخرى إلى أن يهلك فيستهلك .
وبعد مدة أخرى رأى ديوان المدارس أن يقرر مبدأ ملكية التلميذ للكتاب ، وبهذا أصبح كل تلميذ يحتفظ بكتبه إذا انتقل من فرقة إلى أخرى ، أو من مدرسة إلى أخرى . ويبدو لي أن الديوان قرر هذا النظام بعد أن رأى أن الكتب التي طبعت لم تجد لها قراء غير تلاميذ المدارس ، فتكدست أكوامًا في المخازن .
وكان محمد على يفخر بنهضته العلمية كل الفخر ، ويعتز بكتبه التي ترجمت وطبعت ، ويحب أن يباهي بها الدول الأخرى ، بل كان يعتبرها خير هدية تهدى لملوك أوربا المختلفين؛ ففي ٢٠ ربيع الثاني سنة ١٢٦١ أصدر أمره إلى مدير ديوان المدارس " بانتخاب ثلاث نسخ من كل كتاب من الكتب الكبيرة النفيسة التي طبعت في مطبعة مصر ، والتي سبق إرسالها إلي أوربا ، وتجليدها وتذهيبها ، وإرسالها لطرفنا ، وخصم الثمن على طرف الديوان ، لترسل بمعرفة أرتين بك مدير التجارة والأمور الخارجية ، لصاحب الجلالة ملك فرنسا بصفة هدية ".
وفي ٢٢ جمادي الأولى سنة ١٢٦١ صدر منه أمر آخر جاء فيه : " الكتب المدرجة بالجدول طيه سترسل هدية من صاحب الحشمة ملك الروسيا ، فيلزم فرزها وتجليدها وتذهيبها مع ٣ نسخ من كل نوع من أنواع الكتب السابق طبعها بمطبعة بولاق ، وأرسل منها إلى أوربا "

