الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 593الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, قصة كوبرنيكس

Share

" إن الأرض ليست سجينة لا تتحرك ، بل هي مرة دائبة على الدوران تحملنا معها في مغامرتها الأبدية خلال الفضاء الشاسع لهذا الكون . .  "كوبرينكس

أسماء ثلاثة :

في الفترة ما بين سنة ١٤٧٣ وسنة ١٥٤٣ شهد العالم مجزرة بشرية هائلة وحركة تدمير عامة ، إذ كان هناك عدد من المحاربين والمغامرين الطامحين الذين حاولوا ان يستولوا على العالم ويشيدوا على أشلاء البشر ذكري خالدة الانتصاراتهم .

ومن أولاء بيزارو ، وقيصر بورجيا ، وفرنسيس الأول ، وشارل الجريء . .

واليوم إن أحدا لم يعد يذكر أسماء أولئك المحاربين ، ولكن أسماء ثلاثة لرجال ثلاثة عاشوا في تلك الحقبة من الفوضى ما زالت مائلة في الأذهان خالدة في سجل الأيام . . وهي أسماء كولميس ، ومارتن لوثر ، وكوبرنيكس . .

لم يكن أولئك من المحاربين ، ولكنهم كانوا من الباحثين عن المجهول والمنقبين عن أسرار الطبيعة ؛ فقد كشف كولميس قارة جديدة ، ورسم لوثر طريقا جديدا إلي الله ، كما وجد كوبرنيكس الحل لمشكلة الوجود . .

شرح السماوات

إن أصل كلة كوبرنيكس هو كوبرنيج ، ومعناها

" متواضع " ، وإن هذه الكلمة لتلخص لنا صفات مشرح السماوات وشخصيته . .

كان ابنا لخباز مجهول في بلدة بولونية يطلق عليها اسم ثورن ، تقع على ضفاف نهر الفيستولا. . وكان في طفولته يلحظ الشمس وهي تقطع طريقها في السماء من جاوة الصباح . إلى جاوة المساء . . وفي أثناء الليل يحدق في الشموع النجمية الدقيقة العديدة التي تضئ السموات . . وكثيرا ما سأل والديه عن الشمس والنجوم فكانا يحيلانه على عمه لوك واسيلرود - رجل الدين المتعلم الذي أرسل إليه كتبأ تبحث في علم الفلك استوعبها نيكولاس ، ثم حول ناظريه إلى القصة الأكثر طرافة والأكثر إثارة للاهتمام قصة النجوم في كتابها المفتوح ، كتاب السماء

وحين بلغ العاشرة من عمره توفي والده ووضع تحت رعاية عمه ، وكان عزاؤه عن موت والده مكتبة عمه العامرة بالمجلدات التى تبحث ليس فقط في علم الفلك ، بل في الأدب والرسم والنحت والرياضة والموسيقي ، والتي انغمس في قراءتها وأخذ ينهل من موردها حتى انشرح أفق معلوماته منذ البداية في كل العلوم والفنون . .

وفي سن الثامنة عشرة التحق بجامعة كراكو وتنفذ على يد الأستاذ ألبرت برودزيوسكي أحد كبار الفلكين في

ذلك العهد . . ومع ذلك فقد نصحه عمه من أجل حياته العملية أن يحول أنظاره من السماء إلى الأرض ، وأن تكون مهنته الطب عوضا عن الفلك ، فاتبع ذلك النصح ونال إجازته في الطب من كراكو ، ثم طلب من عمه أن يأذن له بتكملة دراساته في إيطاليا ، فوافق بكرم على ذلك

ولكن قبيل سفره إلي إيطاليا أخذ يدرس فن الرسم بعض الوقت ، حتى يجلب معه كما كان يقول صورا دقيقة تعبر عن جمال تلك البلاد وحسنها . .

في إيطاليا :

وبذا فقد سافر إلى إيطاليا مصطحبا معه كتبه وفرشاته حيث انقطع مدى ثلاث سنوات للطب والفن ودراساته الفلكية . فقد تعلم كيف يرسم لوحات لمجاميع النجوم في السماء ، إلى جانب المناظر الطبيعة الخلاية . .

وفي نهاية سني الدراسة الثلاث ) في جامعة بادو ( توجه أساتذته - كما كان التعبير بلغة ذلك العهد - بتاجي الطب والفلسفة . .

ولكنه لم يعمل بعد ذلك لا في الطب ولا في الفلسفة ، وعوضا عن ذلك فقد عين استاذا للفلك سنة ١٤٩٩ بجامعة روما . . وهنا قضى أربع سنوات تميزت بمحاضراته الرائعة وشهرته الواسعة ، وأخيرا عدم رضائه عن عمله .

الأرض مركز الكون :

والسر في عدم رضائه هو تطلعه وشغفه الطبيعي إلي المعرفة وإزاحة الآستار عن المجهول ، فقد كان يدرس علم الفلك لطلبته وفقا لنظرية بطليموس ؛ وهو مذهب كان يضع الأرض في مركز الكون وينظر إلى الشمس والكواكب كأجسام تابعة تدور حول الأرض . . هذا النظام البطليموسي ظل متبعا لمدة ألف وحمسمائة عام ، وهذا كأنه سيظل محتفظا بقوته إلى الأبد . . فاساسه وعماده والحقيقة الأولية التي بني عليها هي - كما كان يقول علامة ذلك العصر - ما تراه الحواس التي لا يمكن أن تخطئ . .

هذه الحقيقة الأساسية هي " أن السماء التي فوقنا ، كما تبدو لكل من ينظر إلي دائرة الآفق ، عبارة عن إناء مقلوب تشغل الأرض مركزه . . "

واعتمادا على هذا الأمر البديهي الذي يثبت نفسه بنفسه ، وضع الفلكيون نظريتهم ، ان الأرض تقف ثابتة في مكانها كملكة خالدة أبدية تقدم لها فروض الطاعة كل الأجسام السماوية ؟ فالشمس تدور فوق الأرض أثناء النهار ، وتحتها أثناء الليل ، في حين أن النجوم تقوم برحلتها تحت الأرض أثناء النهار ، وفوقها خلال الليل . . وفي كلمات أخرى : أن الكون كرة تقوم بدورة كاملة حول الأرض كل أربع وعشرين ساعة . .

ولكن لاحظ الفلكيون أن هذا التفسير للكون لم يكن سهلا كما تبدي أول الأمر . فقد لاحظوا أن بعض الأجرام الساوية تغير مواضعها بالنسبة للبعض الآخر . . وبدا كما لو كان لهذه السيارات السائحة أو الكواكب حركة ذاتية . . وأحد هذه الكواكب الذي سماه الفلكيون الزهرة ) فينوس ( كان يبدو في بعض الأحيان وهو يتبع الشمس الغاربة ، وفي أحيان اخري يظهر قبل شروق الشمس . . وكوكب ثان وهو المشتري ) جيوبتر ( كان يقوم برحلة بطيئة في السماء في اثني عشر عاما . . وكوكب ثالث المريخ ) مارس ( ، كان يقوم برحلته في سنتين .

وكوكب رابع زحل ) سارن ( استنفد ثلاثين سنة ليتم رحلته ، وخامس عطارد ) ميركرى ( ، كان يبدو هو الآخر كما لو كان يدور في السماء مستقلا عن بقية الأجسام السماوية ؛ ثم كان القمر ) عين الليل ( كما كانت الشمس ) عين النهار ( وكان هو الآخر رحالة مستقلا يتم دورته السماوية في حوالى ثمانية وأربعين يوما .

وهنا إذا كانت الأرض في المركز محاطة بسبعة أجسام سماوية هي : القمر والكواكب الخمسة والشمس ، كل كجوهرة في كرة متحركة بذاتها . . وخارج الجميع كانت توجد الكرة الهائلة الكبرى التي تحوي النجوم الثابتة . . هذا في اختصار كان النظام البطليموسي في علم الفلك . . كرات متتابعة مثبتة بعضها داخل البعض ، والكل يدور في

اتجاهات متباينة ، وفي سرعات مختلفة حول الأرض التي تعيش فوقها .

فالإنسان إذا هو محور كل الأشياء . .

الروح الحى :

ولكن يمرور الزمن وتعمق الفلكين في دراساتهم وملاحظتهم للسماوات غدا من الضروري لهم أن يخترعوا كرات جديدة وحركات أكثر تعقيدا ، حتى يفسروا كسوف الشمس وخسوف القمر والرحلة الفجائية لكوكب من كرة لآخري ، وبلغ عدد الكرات السماوية في عهد كوبرنيكس تسعا وسبعين كرة ، في حين غدت حركاتها جد معقدة غير واضحة ، بعيدة عن متناول الفهم . . وعندئذ اتجه علماء الفلك إلى السحر والشعوذة ؛ فكلما بدا أن هناك كوكبا أو نجما قد خرج عن مداره الصحيح عزوا ذلك إلى الروح الحي لذلك النجم أو الكوكب . .

فيثاغورس وأرستطاليس :

وكان هذا هو نوع علم الفلك الذي يدرسه كوبرنيكس في جامعة روما ، ولكنه ثار بعد ثلاث سنوات من تدريسه ؟ فهو قد وجد أثناء قراءاته العديدة المتباينة إشارات مختلفة لنوع جديد من علم الفلك . . وبعض هذه الإشارات يرجع تاريخها إلى عهد فيثاغورس الفيلسوف الإغريقي الذي عاش قبل كوبرنيكس بعشرين قرنا . ومن قوله :

" إن مركز الكون ليس الأرض ولكنه الشمس فالأرض ليست إلا أحد الأجسام السماوية التي تدور حول الشمس " .

قد سخر ارستطاليس من هذه الفكرة ، ولكن من حين إلى حين خلال الألفي سنة التي مرت بين فيثاغورس وكوبرنيكس ارتفعت بعض الأصوات مرددة من جديد فكرة فيثاغورس على الرغم من تأكيد أرسطو بخطئها . .

وقد أنارت هذه النظرية التي تقول بحركة الأرض حول الشمس تطلع كوبرنيكس العلمي وزادت شغفه بالمعرفة وكشف أستار المجهول ؛ فماذا لو أمكن لنظام جديد

فلكي مؤسس على هذه النظرية أن يفسر كل الكسوفات وكل المواضع وكل الحركات للأجسام السماوية ؟ .

كانت فكرة تستحق العناية والدراسة . . ولكن اختبار مثل هذه الفكرة كان يستلزم انقطاعا وتفرغا وعملا متواصلا ، وفوق ذلك كان عليه أن يترك تدريس نظرية لم يعد يؤمن بها ، فليس للباحث أن يظل مرشدا . .

إلي الرهبنة والتأمل

ولهذا استقال كوبرنيكس من جامعة روما ودخل الدير في قرية فرونيورج ببولندا ليتفرغ لإعلاء كلمة الله والتامل في ملكوته والتفكير فيما أبدع .

ولم يستنقد راهب فرونبورج كل طاقته في واجباته الدينية ودراساته الفلكية ، بل أعطي الفقراء كثيرا من وقته وعنايته الطبية . . وقد جلبت له مقدرته وحذقه كطبيب شهرة واسعة ، حتى إن المرضى من البلاد البعيدة الذين يئس أطباؤهم من شفائهم كانوا يقصدونه تلمسا للعون والشفاء على يديه . . كما كان أطباء أوربا المشهورون يراسلونه باستمرار لينتفعوا بإرشاداته في الحالات التي تستعصى عليهم . .

غزان على النهر

ولم يكتف كوبرنيكس بتوجهه وإدارته الروحية وخدماته الطبية لأهالى بلدة فرونبورج ، بل بدأ يعمل على راحتهم المادية . . فهذه القرية كان موقعها على جبل ولدا لم يكن في إمكان الأهالي الحصول على الماء الجاري إلا بصعوبة كبيرة ، إذ كان عليهم أن يذهبوا إلى النهر الذي يبعد نحو ميلين تقريبا لجلب ما يلزمهم من الماء . . ولما صمم كوبرنيكس على أن يرغم الماء على المجيء إلي القرويين بدل أن يرغم القرويون على الذهاب إلى الماء . . فأنشأ خزانا رفع به مستوي النهر ، وحول مجراه إلى قاعدة الجبل ثم بني طاحونة ساعدت بطريقة بسيطة ، ولكنها تدل على العبقرية ، على رفع الماء إلى مستوي يرج الكنيسة ، ومن ذلك المرتفع استقبل القرويون الماء رأسا داخل منازلهم بواسطة أنابيب ؛ وتقديرا

لهذه الخدمة الجليلة وضع أهل البلدة عند قاعدة التصميم حجرا حفر عليه اسم كوبرنيكس . .

عطوف حكيم

والحقيقة أن اسم كوبرنيكس كان مرادفا للفظي العطف والحكمة ؛ في كل مشروع تعليمي أو لتحسين مستوي الحياة كان عالمنا يستدعي ليدلي بإقتراحاته ، وقد وضع نظاما جديدا للعملة بناء على طلب الحكومة ، كما ادخل تحسينات عملية في النتيجة استجابة لدعوة الكنيسة ، ويخبرنا كلافيوس في كتابه القيم الأثري عن النتيجة : " كان كوبرنيكس أول من اكتشف المدة الزمنية الصحيحة للسنة ) أخطأ كوبرنيكس في حقيقة الأمر في حسابه للمدة الزمنية للسنة في ثمان وعشرين ثانية ( .

ولما تقاسمت الحكمة والواجبات الدينية والشفقة والعطف حياة كوبرنيكس ، فقدا موضع تقدير واحترام زائد من جمهرة كبيرة من الرجال والنساء . .

ولكنه في نفس الوقت جلب كره البعض له - وخاصة جماعة الثوثونيين - وهم جماعة كانت تتستر تحت مسوح الدين ، فتسرق رجال الكنيسة والجماهير ، وحين جرؤ كوبرنيكس على الاعتراض على سرقاتهم نشروا ورقة وقحة الأسلوب يتهمونه فيها بنفس النقائص التي يتصفون هم بها . . وقد أنكر كل فرد بطبيعة الحال - هذه الاتهامات ، ولكن ذلك لم يوقف هذه الجماعة عند حدها ، بل على العكس أثار أفرادها ودفعهم إلى القيام بأنواع جديدة من الهجوم أعنف من ذي قبل ضد كوبرنيكس . . فحاولوا أن يبلغوا بالسخرية منه ما لم يبلغوه بطرقهم الأخرى . فقد علموا أن كوبرنيكس كان يضع نظام بطليموس الفلكي علي محك الاختبار ليثبت صحته أو خطأه ؛ فوجدوا في هذا العمل نقطة يشنون منها هجومهم على عدوهم ، وتبعا لذلك استأجروا عددا من المهرجين ليذهبوا إلى القري فيعرضوا على الجماهير دراساته الفلكية في أسلوب ساخر هازئ ؛ فيبينوا لهم الأرض الثابتة والشمس المتحركة - " تلك الأشياء التي يمكن لأي مغفل أن يراها " - ثم عليهم بعد ذلك أن يقلدوا - الراهب المجنون - الذي

يقول خلافا لكل نظام وكل إدراك إن الأرض تدور حول الشمس وإن الشمس ثابتة لا تتحرك . .

وقد أغضب ذلك السلوك الدنئ وتلك الخصومة غير الشريفة وهذه المعاملة القاسية أصدقاء كوبرنيكس . . ولكن عالمنا الحكيم لم يزد على أن ابتسم وقال :

" دعهم في غيهم يعمهون . . فحركة الأجسام السماوية لن تتأثر البتة بسخرية هؤلاء المغفلين أو باحترامهم " . .

ثم استمر في دراسته للسماوات وازداد إيمانه بتفاهة الإنسان وضآلة الأرض بالنسبة إلى السكون . . فقد بدأ يدرك أن كوكبنا هذا لا يعدو أي يكون ذرة من تراب تدور دورة أبدية حول أيون الشمس . .

وأخذت الليالي تتري وهو يرقب النجوم من قمة الجبل ليلة بعد ليلة ويعمل قليلا قليلا في النظرية الهائلة للسماوات التي ما زالت حتى اليوم تحمل اسمه . .

وهنا في اختصار نظريته - نظرية تفسر بكل دقة الحركات المتداخلة والكسوفات للأجسام السماوية . . حق إنها مقبولة اليوم كحقيقة من الحقائق . .

نظرية كوبرنيكس :

تدور الأرض حول الشمس التي هي مركز الكون حركة مزدوجة - كنحلة - فهي تدور حول محورها وفي مسري دائري ) أو بالأحري بيضاوي ( . . هذه الحركة المزدوجة تفسر تعاقب النهار والليل وكذلك تعاقب الفصول . . ولكن ليست الأرض هي الكوكب الوحيد الذي يدور حول الشمس ، فهناك كواكب أخري تدور حول هذا النجم المركزي للكون ، وهي : نبتون ويورانيس وزحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد . .

وليست هذه الحركات نتيجة لرغبة فجائية للأرواح الحية لتلك الكواكب ، بل هي تتبع قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تخطئ ، وكل من تلك الكواكب يدور داخل مداره الذاتي حول الشمس ، ولا يحيد عن مساره بجزء من الثانية من النظام الزمني الثابت الذي لا يتغير للسماء . . فكل كوكب لا بد أن يوجد في أية لحظة في المكان المحدد له

وكل فصل يصل في الميعاد المحدد له ، وكل حركة لكل جسم سماوي تتم طبقا للمرسوم .

هذه هي ساعة السماء الخالدة التي لا تخطئ كما بينها كوبرنيكس في نظام الفلكي . فإذا أنت وجدت مفتاح هذه الساعة وهو حركة الأرض حول الشمس وحركة القمر حول الأرض ، لأمكنك - ليس فقط - أن تفسر ، بل أن تحدد المواقع النسبية لكل نجم وكوكب في أية لحظة تعطي لك ، وأن تبين الموعد الزمني للفصول في أي جزء من الأرض ، والكسوف والخسوف في أية بقعة من السموات .

وقد أتم كوبرنيكس نظريته الفلكية العديدة النواحي في ثلاثين سنة ، واستعان على اتمامها عمليا بمساعدة حواسه - فلم يكن التلسكوب قد اخترع بعد - ورباضيا بتقديرات عقله النايه وتفكيره الهادئ

فبكل صبر وأناة كان يقارن بين مشاهداته المحدودة ومعادلاته الرياضية ، فلاحظ كسوف القمر سنة ١٥٠٩ وسنة ١٥١١ ، وموقع المريخ في سنة ١٥١٢ وسنة ١٥١٨ ، ومكان زحل والمشتري في سنة ١٥٢٠ .

واتصال الزهرة بالقمر سنة ١٥٢٥ ، وفي كل حالة كان يلمس المطابقة بين مشاهداته والتقديرات العلمية التي وضعها . . وأخيرا في سنة ١٥٤٣ كان على استعداد لأن يعلن للعالم أن الأرض ليست سجينة لا تتحرك يسمح لنا منها أن تحيط برحلات النجوم ، بل هي عربة دائبة على الدوران تحملنا معها في مغامرتها الأبدية خلال الفضاء الشاسع لهذا الكون .

وبتحليلنا النهائي لنظام كربرنيكس فإنا نجد أنه لم يقلل من كبرياء الإنسان الذي اعتبر في نظام بطليموس مركز الكون ، بل إنه جلاها وأظهرها . فبتحرير جسده نري أيضا أنه قد حرر عقله . . قد أعطي هذا النظام أجنحة لتصور الانسان وزاد من رغبته لمعرفة . وإن عمل كوبرنيكس ليعتبر في دنيا الفلسفة وخاصة في محيط العلم بداية لعهد جديد . .

وأثناء عمله في نظريته الفلكية كان كوبرنيكس يراسل بشأنها أساطين العلم في أوربا ، ولكنه تردد مرة

بعد مرة في نشر نتائج دراساته مصدقا كما كتب في خطاب إلي البابا أنه قد يكون من الحكمة " اتباع مثال الفيتاغوريين الذين لم يتركوا شيئا من مشاهداتهم على الورق ، ولكنهم نشروها شفويا وأوصلوها لمن توسموا فيهم المقدرة علي تفهمهم . .

وقد أظهر عالمنا بهذا التردد أنه حكيم حريص ، فمن المحتمل أنه ظل مدة طويلة مشفقا من نشر كتابه - ليس لما قد يلحق بشخصه من الضرر . ولكن لما في ذلك من الخطر على نظريته . فقد كان يشعر أن عليه أولا أن يجرهن على صحة نظريته بعدد كاف من الحقائق البينة التأكيدية قبل أن يعرضها على العالم ، وإلا كان كمن يضع فكرة غير ناضجة بين أيدي عالم يترصد له . .

كان يخشى وبنزع من أن يري نظريته القيمة تحطم وتموت قبل أن تعطى الفرصة لتأخذ مكانها فوق أسس قوية . .

وعلى الرغم من ذلك فقد اكتملت له دلائله وبراهينه آخر الأمر وغدا على استعداد وأهبة لأن يقدم نظام الجديد للكون ، ليس كفكرة ولكن كحقيقة . .

الكتاب الخالد :

كانت سنه حينئذ تسعا وتسعين سنة ، فعهد بنشر كتابه الذي ضمنه أبحاثه ونتائجه إلى صديق يثق به يدعي تيدمان جيسيسى

وظهر الكتاب إلي حيز الوجود في ربيع سنة ١٥٤٣ بمقدمة عجيبة بدون توقيع ، يقول فيها كاتبها الجهول معتذرا عن كوبرنيكس : " لقد كتب هذا الكتاب ليقدم صورة خيالية لا حقيقة علمية . .

وحين نشر الكتاب كان كوبرنيكس عاجزا أن يعترض على هذا التقديم الساخر الذي يسخر فيه كاتبه من علمه الذي امضي فيه زهرة حياته . إذ كان على شفا الموت مصابا بالشلل . . ومات بعد عدة أيام من نشر كتابه الخالد الذي لا يموت ، في الرابع والعشرين من مايو سنة ألف وخمسائة وثلاثة وأربعين . .

اشترك في نشرتنا البريدية