الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 605الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, كيف تتقى أجسامنا حر الصيف وبرد الشتاء

Share

ألا فاعلم أن جلودنا بمثابة جدران تحيط بأجسامنا من كل ناحية فتحفظها من الأعداء الذين يحاولون اقتحامها دواما والوصول إلى داخلها ، وإذا حدث أن تشققت جلودنا وتخللتها ثغرات فسرعان ما ينفذ الأعداء إلى داخل اجسامنا ، وسرعان ما يعترينا المرض وتشتد وطأته علينا

إن جلودنا هي أداة الحس فينا وهي الرسول الذي يشعر المخ بما يجري في العالم حولنا ، وكلما زادت حساسيتها زاد شعورنا بالألم ، وفضلا عن ذلك فلجلودنا وظيفة ثالثة خلاف ما سبق ، وهي من الأهمية حيث تفوق ما عداها بالنسبة لما تؤديه لنا من خدمات جليلة ، إذ تحفظ أجسامنا باردة في الصيف دافئة في الشتاء .

عليك أن تعلم أيضا أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يرق جلده إلى درجة كبيرة ، ولا يعلوه أو ينمو فوقه أي غطاء ؛ إن للهر فراء كما أن لكل من الحصان والكلب معطفاً ذا شعر غزير ، ولجميع الطيور ريش كثيف ، وقد يز الفيل ووحيد القرن جميع الحيوانات في سمك جلديهما ، وعلى ذلك فالحيوانات والطيور تستطيع أن تحافظ علي دفء ، أجسامها في الطقس البارد ، كما انه عند اشتداد الحر لا تبلغ درجة دفئها ما تبلغه درجة الدفء عندنا ، ويرجع ذلك إلى ان فراءها ورياشها تمنع حرارة الشمس من الوصول إلى جلودها وبذلك تبعد الحرارة عنها ، ولكن الإنسان ليست له رياش

ولا فراء اللهم إلا قليلا من الشعر فوق رأسه ، ويبلغ من رقة جلده وليونته أن يتسني لدية غير حادة أن تنفذ فيه بسهولة وتقطعه . وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتسني للناس إذا أن يكتسبوا الدفء ، في الشتاء والبرودة في الصيف ؟

ربما قال قائل إن ذلك يتحقق بارتداء أنواع معينة من الثياب . وذلك صحيح إلى حد محدود لأن الثياب ليست فيها الكفاية ، ومن غير أن تكون جلودنا قادرة على معونتنا في هذا السبيل أى في الاحتفاظ بالدفء ، والبرودة فإننا نموت أو على الأقل نقاسي الأمرين من البرد في الشتاء وتصبينا ضربة الشمس في الصيف .

ولتعالج أولا كيف تتقي أجسامنا حر الصيف فإن ذلك أيسر كثيرا على الفهم ؛ لا بد أنك قد لاحظت أن جلدك في اليوم القائظ تعلوه حمرة ويبدو كانه مليء بالدم ، ويرجع ذلك طبعا إلى أن جميع الأوعية الدموية تكون قد تفتحت فإن لمنافذها أبواباً كتلك التي لقنوات الري ، وكذلك فإن لمنافذ الجلد أبواباً وعندما يكون ساخناً تفتح هذه الأبواب .

إن الحرارة تدفع خلايا الجلد الدقيقة إلي إخبار المخ عنها فيرسل المخ بدوره رسائل إلى جميع الأبواب يأمرها بأن تفتح على مصاريعها ، وعندئذ تندفع نحو الجلد كمية كبيرة من الدم وسرعان ما يبدأ الجلد يفرز العرق - تدبر أمر هذا العرق جيدا لأنه من أهم العوامل في إبعاد الحر عن

جسدك وفي تخفيف وطأته عنه ، وبغيره تشتد وطأته عليك ؛ ويعزي ذلك إلى أن الماء الذي يعلو جلدك يكون سبباً في تبريده عن طريق التبخر ، ومعنى ذلك أنه يتحول إلى هواء ويصبح أكثر برودة أثناء ذلك التحول - لعلك شاهدت ماحدث لبرك الماء الذي يتخلف عن المطر بالطرقات عندما تشرق عليها الشمس - إنها تجف رويدا رويدا ولا تلبث أن تختفي كلية ، وذاك هو التبخر . وإذا استطعت أن تحس مجال هذه البرك فإنك لابد واجدها تبرد تدريجاً كلما جف ماؤها ، وقد ادرك الناس ذلك منذ القدم ، وعلمه الجنود الذين حاربوا بالمناطق الحارة حق العلم . وإذا كانت قد تيسرت لك مرة رؤية زمزمية الجندي فإنك لابد قد لاحظت أنها مغطاة بقماش كثيف ولذلك حكمة بالغة ؛ فإن الجندي عندما يبدأ زحفه الطويل في يوم شديد الحرارة يعمد إلى

زمزميته فيملؤها بالماء ويغطيها ثم يغمرها بالماء ، ويرمي من وراء ذلك إلى اشباع القماش الذي يكسوها بالماء ، ثم يحملها على كتفه ويأخذ في المسير فتبدأ أشعة الشمس الشديدة تجففها قليلاً قليلا ، وكلما جف القماش الخارجى برد الماء بالداخل ، وهذا هو عين ما يحدث بواسطة العرق الذي يعلو جلودنا ويبللها ، إنه يجف فوق جلودنا ، وطوال الوقت الذي يجف فيه يكسبها البرودة والطراوة . إنك لو أحضرت منديلاً في يوم شديد الحرارة وبللته بالماء ودعكت به وجهك شعرت في الحال بأن وجهك قد صار أبرد مما كان .

وما العرق سوي ماء ينبع من ثقوب صغيرة تتخلل الجلد ، ويطلق على كل ثقب من هذه الثقوب الضيقة اسم " غدة "، وللعرق غدد كثيرة يعبا العد عن حصرها ، ولهذه الغدد أعصاب تصلها بالمخ ، وذلك هو السبب في أننا عندما نغضب وتهيج أعصابنا نعرق في الحال حتى ولو كنا في الشتاء وفي زمهرير البرد .

وليس العرق وحده هو الذي يلطف حرارة الجسم ويبرده ، بل للدم نصيب في ذلك أيضا - ولتذكر أنه في وقت الحر تفتح أبواب جميع المنافذ الصغيرة الكائنة

بالأوعية الدموية بالجلد ، وبذلك تكون بالجلد كمية كبيرة من الدم وهذه يجب تبريدها ، ولكن كيف السبيل إلي ذلك ؟ إن الدم عندما يندفع نحو الجلد الذي يعلوه العرق يفيض في الواقع في جلد تنخفض حرارته ، ولذلك يبرد قليلا قليلا كلما تقدم في سيره ، وما يتركه من الحرارة خلفه يذهب بعيداً لأن العرق يجف طوال الوقت فيجعل الجلد أكثر برودة .

أتعرف شيئا عن السيارة ؟ إذا كان ردك بالإيجاب ، فإنك لابد عالم أن محرك السيارة عرضة للسخونة الشديدة التي إن أصابته عاقته عن تأدية وظيفته على الوجه المرضى ، فتتوقف السيارة عن ارتقاء أي مرتفع من الأرض أو السير إطلاقا . ولكى يبرد المحرك تجهز السيارة بطفية تدفع الماء فوقه بواسطة عدد من الأنابيب ، وبذلك يجري الماء حتى مقدم السيارة ، أي إلى ذلك الجزء الذي يطلق عليه اسم المشع ، أى خزان التبريد " Radiator" وخزان التبريد هذا عبارة عن مجموعة من الأنابيب الدقيقة يجري فيها الماء الساخن الذي يأتي من المحرك ، ويعود إليه بارداً بواسطة الهواء ، وذلك لأن السيارة وهي تجري بسرعة تجعل الهواء يهب بشدة نحو خزان التبريد فيبرد الماء ويعود إلى المحرك بارداً ، وعند ما يسخن مرة ثانية يرتد إلى خزان التبريد ،

وهكذا يظل في دورانه ؛ وتفصيل ما يحدث أن الماء يحمل الحرارة من داخل المحرك ويحملها الهواء ، فكأن الماء بمثابة حامل للحرارة ، وبذلك يحفظ المحرك بارداً ، ولو حدث ونسي السائق أن يحتفظ بقدر كاف من الماء في الأنابيب ، فإن المحرك سرعان ما يسخن . والسيارة سرعان ما تتوقف . لعلك قد لاحظت تصاعد البخار من السيارة عندما ترتقي أحد المرتفعات ، ولكن هل علمت السبب ؟ سبب ذلك أن الماء يكون قد وصل إلى درجة الغليان ، لأن السيارة وهي تصعد التل تسير ببطء ولما كان الهواء والحالة هذه لا يهب على خزان التبريد بشدة ، فإن الماء لا يبرد بسرعة ؟ وبمجرد أن تعاود السيارة السير بسرعة فإن غليان الماء سرعان ما يقف ، وسرعان ما يقف تصاعد البخار نتيجة

لذلك ، وهناك شئ اخر يحتمل حدوثه ؛ فإن لكل سيارة طلمبة صغيرة تدفع الماء بابستمرار بين المحرك وخزان التبريد ، وهذه قد تكسر فيتوقف سير الماء ودورانه ، وسرعان ما يسخن المحرك ويتوقف عن العمل

فكر الآن في أمر نفسك ، كما فكرت في أمر السيارة . اعتبر أن جلدك هو خزان التبريد ، وان الدم هو الماء الذي يفيض دواما ويستمر دورانه . وأن قلبك هو الطلمبة التي تدفع الماء وتجعله يفيض ، وان جميع أعضائك من الامعاء إلى الكبد إلى العضلات هي المحرك .

وإذا كان دمك يذهب إلى جلدك مسرعا ( والجلد في حالة عرق ) فإن حرارته لا بد أن تنخفض ، ذلك إذا كان العرق جارياً على النحو الصحيح ، ولكن إذا لم تكن تعرق جيداً ( كالسيارة وهي تصعد التل ) أو إذا لم يكن قلبك يعمل جيداً فعندئذ ترتفع حرارتك كثيراً ، لأنك والحالة هذه لا تستطيع ان تتخلص من حرارتك ، ويترتب على ذلك أن تصير عاجزاً عن الحركة ، لأن عمل عضلاتك يكون رديئا ، ومثلها في ذلك مثل محرك السيارة .

إنك الآن تستطيع أن تعلم بسهولة مبلغ أهمية جلدك في إبعاد الحر عنك وفي إكسابك البرودة في الصيف . والغريب أن يقول بعض الناس عندما تشتد عليهم موجة الحر ، إنهم يفضلون أن تنزع عنهم جلودهم وتبقى أجسادهم عارية من الجلد . إنهم لا يقصدون بطبيعة الحال ما يفهم من ذلك حرفيا ، إنما يقولونه وهم يجهلون كل شئ عن جلودهم ؛ ومثلهم في ذلك مثل من يقول إنه يلزم نزع خزان التبريد من السيارة لتخفيف الحرارة عنها يوم يشتد الحر .

ولا ريب أننا نستطيع مساعدة جلودنا في الجو الحار بارتداء ثياب خفيفة فضفاضة ؛ فهذه تسمح للهواء بملامسة جلودنا مباشرة فيتيسر للعرق أن يجف بالتدريج فتنخفض حرارتنا ونشعر ببعض البرودة .

عليك أن تعلم فوق ذلك أن نفسك حار ، وتفهم من ذلك أن التنفس يخرج بعض الحرارة من جسمك ، وهكذا

يساعد جلدك كما يساعد نفسك - في تخفيف وطأة الحر عنك .

هذا ما نستطيع أن نقوله بشأن إبعاد الحر عن أجسامنا في الصيف ، ولكن ماذا عسانا أن نقول عن جلب الدفء ، إلى أجسامنا يوم يشتد البرد .

إن الجلد عندما يحس بالبرودة يبعث برسالة إلى المخ لكي يرسل أمراً إلى المنافذ لتغلق أبوابها ، وذلك حتى لا يتجه إلى الجلد سوي قليل من الدم فلا يعرق . إنك لاشك قد لا حظت الفرق بين لون جلدك في الطقس البارد ولونه في الطقس الحار ؛ ففي الحر كما قدمنا نراه مرطبا بالعرق وتري لونه غاية في الاحمرار ؛ ولكننا على العكس من ذلك تراه في الجو البارد جافاً ، وقد يظهر عمر اللون في صباح يوم يشتد فيه الصقيع ، ولكن هذا الاحمرار يختلف عن الاحمرار الناشئ عن الحرارة ، وهو من النوع المؤقت ،

ولا يظهر إلا بالخدين فقط ، ويظل باقي الجلد مبيض اللون إلا إذا كنت تجري ، وارتفعت درجة حرارتك أثر ذلك ، وتستطيع أن تعلم أنه إذا وصل إلى جلدك قليل من الدم ، فإن قليلاً من الحرارة يمكن أن يفقد ، وبذلك تستطيع أن تحتفظ بدفئك حتى ولو كان الجو بارداً .

والاحتفاظ بالدف ، والشعور به شيئان مختلفان ، ويبدو ذلك غريباً ، فإنك قد تكون دفيئاً ، وفي نفس الوقت تعتريك قشعريرة من البرد ، ويحدث ذلك على الخصوص في بدء الأصابة بالحمى ، إذ بينما تشتد حيارة المريض يشعر بقشعريرة البرد تسري بظهره غادية رائحة . ويحدث عكس ذلك عند ما تخرج من الحمام البارد صباحاً ، فإنك تحس بالبرد وقتئذ ، ولكنك إذا كنت سليماً معافي ، فإنك تحس بموجة من الدفء تشمل جميع جسمك ، ويرجع ذلك إلى أننا نحس بالبرد عندما لا يكون الدم بجلودنا ونشعر بالدف . عندما يكون بها . إن برد الحمام يغلق ابواب المنافذ في لحظة ، ولكنك عندما تعود إلى الهواء ثانية تعاود المنافذ فتح أبوابها فيندفع الدم إلى جلدك ، ولا تكون حرارته في ذلك الحين أكبر منها قبل أن تأخذ حمامك

( عندما شعرت بالبرد ) ، والآن يوجد بجلدك كثير منه ، ولذلك تحس بأنك اكثر دفئاً

أنك من كل ذلك تستطيع أن تجزم بأن جلودنا بالغة النفع لنا واننا سرعان ما نموت إذا لم تكن لنا جلود . ومن الحقائق المقطوع بصحتها كذلك أن الإنسان يموت إذا ما احترق من جلده قدر كبير ، وإذا تناهي الجلد في السخونة أو تناهي في البرودة فإنه في الحالتين يبعد السعادة عن صاحبه فإذا كان بالغ السخونة دفع صاحبه إلى الشعور بالإعياء وربما أصابه الإغماء . وما ألذ شعور المرء عندما يخرج من حجرة ساخنة إلى الهواء البارد ؛ فما إن تلامس البرودة جلده حتى تنعشه وتضفي علي جسمه شعوراً بالغاً بالانتعاش والنشاط كما تنعش الريح مياه البحر عندما تهب عليه في غير عنف ؛

وبغير ذلك يصاب المرء بالصداع أو يعتريه المرض ويستولي عليه الخور والأعياء .

إن الإعياء الناشئ عن ضربة الشمس تبعاً للاعتقاد السائد لا يرجع إلي الشمس بقدر ما يرجع إلى الحاجة إلي ملامسة الهواء لجلودنا .

إن الناس يموتون إذا تكدسوا في حجرة واحدة ، ولا يعزي موتهم هذا إلى حاجتهم إلى الهواء للتنفس بقدر حاجتهم إلي حركة الهواء . إن جلودهم في حاجة إلى البرودة ، وعندما تستخدم مروحة في حجرة تشتد بها الحرارة لا تحصل على هواء نقي جديد ، ولكنك تجعل الهواء الموجود يتحرك وهذا يضفي عليك البرودة ويكسبك الراحة والانتعاش في الحال .

اشترك في نشرتنا البريدية