ألا فاعلم أن جلودنا بمثابة جدران تحيط بأجسامنا من كل ناحية فتحفظها من الأعداء الذين يحاولون اقتحامها دواما والوصول إلى داخلها ، وإذا حدث أن تشققت جلودنا وتخللتها ثغرات فسرعان ما ينفذ الأعداء إلى داخل اجسامنا ، وسرعان ما يعترينا المرض وتشتد وطأته علينا
إن جلودنا هي أداة الحس فينا وهي الرسول الذي يشعر المخ بما يجري في العالم حولنا ، وكلما زادت حساسيتها زاد شعورنا بالألم ، وفضلا عن ذلك فلجلودنا وظيفة ثالثة خلاف ما سبق ، وهي من الأهمية حيث تفوق ما عداها بالنسبة لما تؤديه لنا من خدمات جليلة ، إذ تحفظ أجسامنا باردة في الصيف دافئة في الشتاء .
عليك أن تعلم أيضا أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يرق جلده إلى درجة كبيرة ، ولا يعلوه أو ينمو فوقه أي غطاء ؛ إن للهر فراء كما أن لكل من الحصان والكلب معطفاً ذا شعر غزير ، ولجميع الطيور ريش كثيف ، وقد يز الفيل ووحيد القرن جميع الحيوانات في سمك جلديهما ، وعلى ذلك فالحيوانات والطيور تستطيع أن تحافظ علي دفء ، أجسامها في الطقس البارد ، كما انه عند اشتداد الحر لا تبلغ درجة دفئها ما تبلغه درجة الدفء عندنا ، ويرجع ذلك إلى ان فراءها ورياشها تمنع حرارة الشمس من الوصول إلى جلودها وبذلك تبعد الحرارة عنها ، ولكن الإنسان ليست له رياش
ولا فراء اللهم إلا قليلا من الشعر فوق رأسه ، ويبلغ من رقة جلده وليونته أن يتسني لدية غير حادة أن تنفذ فيه بسهولة وتقطعه . وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتسني للناس إذا أن يكتسبوا الدفء ، في الشتاء والبرودة في الصيف ؟
ربما قال قائل إن ذلك يتحقق بارتداء أنواع معينة من الثياب . وذلك صحيح إلى حد محدود لأن الثياب ليست فيها الكفاية ، ومن غير أن تكون جلودنا قادرة على معونتنا في هذا السبيل أى في الاحتفاظ بالدفء ، والبرودة فإننا نموت أو على الأقل نقاسي الأمرين من البرد في الشتاء وتصبينا ضربة الشمس في الصيف .
ولتعالج أولا كيف تتقي أجسامنا حر الصيف فإن ذلك أيسر كثيرا على الفهم ؛ لا بد أنك قد لاحظت أن جلدك في اليوم القائظ تعلوه حمرة ويبدو كانه مليء بالدم ، ويرجع ذلك طبعا إلى أن جميع الأوعية الدموية تكون قد تفتحت فإن لمنافذها أبواباً كتلك التي لقنوات الري ، وكذلك فإن لمنافذ الجلد أبواباً وعندما يكون ساخناً تفتح هذه الأبواب .
إن الحرارة تدفع خلايا الجلد الدقيقة إلي إخبار المخ عنها فيرسل المخ بدوره رسائل إلى جميع الأبواب يأمرها بأن تفتح على مصاريعها ، وعندئذ تندفع نحو الجلد كمية كبيرة من الدم وسرعان ما يبدأ الجلد يفرز العرق - تدبر أمر هذا العرق جيدا لأنه من أهم العوامل في إبعاد الحر عن
جسدك وفي تخفيف وطأته عنه ، وبغيره تشتد وطأته عليك ؛ ويعزي ذلك إلى أن الماء الذي يعلو جلدك يكون سبباً في تبريده عن طريق التبخر ، ومعنى ذلك أنه يتحول إلى هواء ويصبح أكثر برودة أثناء ذلك التحول - لعلك شاهدت ماحدث لبرك الماء الذي يتخلف عن المطر بالطرقات عندما تشرق عليها الشمس - إنها تجف رويدا رويدا ولا تلبث أن تختفي كلية ، وذاك هو التبخر . وإذا استطعت أن تحس مجال هذه البرك فإنك لابد واجدها تبرد تدريجاً كلما جف ماؤها ، وقد ادرك الناس ذلك منذ القدم ، وعلمه الجنود الذين حاربوا بالمناطق الحارة حق العلم . وإذا كانت قد تيسرت لك مرة رؤية زمزمية الجندي فإنك لابد قد لاحظت أنها مغطاة بقماش كثيف ولذلك حكمة بالغة ؛ فإن الجندي عندما يبدأ زحفه الطويل في يوم شديد الحرارة يعمد إلى
زمزميته فيملؤها بالماء ويغطيها ثم يغمرها بالماء ، ويرمي من وراء ذلك إلى اشباع القماش الذي يكسوها بالماء ، ثم يحملها على كتفه ويأخذ في المسير فتبدأ أشعة الشمس الشديدة تجففها قليلاً قليلا ، وكلما جف القماش الخارجى برد الماء بالداخل ، وهذا هو عين ما يحدث بواسطة العرق الذي يعلو جلودنا ويبللها ، إنه يجف فوق جلودنا ، وطوال الوقت الذي يجف فيه يكسبها البرودة والطراوة . إنك لو أحضرت منديلاً في يوم شديد الحرارة وبللته بالماء ودعكت به وجهك شعرت في الحال بأن وجهك قد صار أبرد مما كان .
وما العرق سوي ماء ينبع من ثقوب صغيرة تتخلل الجلد ، ويطلق على كل ثقب من هذه الثقوب الضيقة اسم " غدة "، وللعرق غدد كثيرة يعبا العد عن حصرها ، ولهذه الغدد أعصاب تصلها بالمخ ، وذلك هو السبب في أننا عندما نغضب وتهيج أعصابنا نعرق في الحال حتى ولو كنا في الشتاء وفي زمهرير البرد .
وليس العرق وحده هو الذي يلطف حرارة الجسم ويبرده ، بل للدم نصيب في ذلك أيضا - ولتذكر أنه في وقت الحر تفتح أبواب جميع المنافذ الصغيرة الكائنة
بالأوعية الدموية بالجلد ، وبذلك تكون بالجلد كمية كبيرة من الدم وهذه يجب تبريدها ، ولكن كيف السبيل إلي ذلك ؟ إن الدم عندما يندفع نحو الجلد الذي يعلوه العرق يفيض في الواقع في جلد تنخفض حرارته ، ولذلك يبرد قليلا قليلا كلما تقدم في سيره ، وما يتركه من الحرارة خلفه يذهب بعيداً لأن العرق يجف طوال الوقت فيجعل الجلد أكثر برودة .
أتعرف شيئا عن السيارة ؟ إذا كان ردك بالإيجاب ، فإنك لابد عالم أن محرك السيارة عرضة للسخونة الشديدة التي إن أصابته عاقته عن تأدية وظيفته على الوجه المرضى ، فتتوقف السيارة عن ارتقاء أي مرتفع من الأرض أو السير إطلاقا . ولكى يبرد المحرك تجهز السيارة بطفية تدفع الماء فوقه بواسطة عدد من الأنابيب ، وبذلك يجري الماء حتى مقدم السيارة ، أي إلى ذلك الجزء الذي يطلق عليه اسم المشع ، أى خزان التبريد " Radiator" وخزان التبريد هذا عبارة عن مجموعة من الأنابيب الدقيقة يجري فيها الماء الساخن الذي يأتي من المحرك ، ويعود إليه بارداً بواسطة الهواء ، وذلك لأن السيارة وهي تجري بسرعة تجعل الهواء يهب بشدة نحو خزان التبريد فيبرد الماء ويعود إلى المحرك بارداً ، وعند ما يسخن مرة ثانية يرتد إلى خزان التبريد ،
وهكذا يظل في دورانه ؛ وتفصيل ما يحدث أن الماء يحمل الحرارة من داخل المحرك ويحملها الهواء ، فكأن الماء بمثابة حامل للحرارة ، وبذلك يحفظ المحرك بارداً ، ولو حدث ونسي السائق أن يحتفظ بقدر كاف من الماء في الأنابيب ، فإن المحرك سرعان ما يسخن . والسيارة سرعان ما تتوقف . لعلك قد لاحظت تصاعد البخار من السيارة عندما ترتقي أحد المرتفعات ، ولكن هل علمت السبب ؟ سبب ذلك أن الماء يكون قد وصل إلى درجة الغليان ، لأن السيارة وهي تصعد التل تسير ببطء ولما كان الهواء والحالة هذه لا يهب على خزان التبريد بشدة ، فإن الماء لا يبرد بسرعة ؟ وبمجرد أن تعاود السيارة السير بسرعة فإن غليان الماء سرعان ما يقف ، وسرعان ما يقف تصاعد البخار نتيجة
لذلك ، وهناك شئ اخر يحتمل حدوثه ؛ فإن لكل سيارة طلمبة صغيرة تدفع الماء بابستمرار بين المحرك وخزان التبريد ، وهذه قد تكسر فيتوقف سير الماء ودورانه ، وسرعان ما يسخن المحرك ويتوقف عن العمل
فكر الآن في أمر نفسك ، كما فكرت في أمر السيارة . اعتبر أن جلدك هو خزان التبريد ، وان الدم هو الماء الذي يفيض دواما ويستمر دورانه . وأن قلبك هو الطلمبة التي تدفع الماء وتجعله يفيض ، وان جميع أعضائك من الامعاء إلى الكبد إلى العضلات هي المحرك .
وإذا كان دمك يذهب إلى جلدك مسرعا ( والجلد في حالة عرق ) فإن حرارته لا بد أن تنخفض ، ذلك إذا كان العرق جارياً على النحو الصحيح ، ولكن إذا لم تكن تعرق جيداً ( كالسيارة وهي تصعد التل ) أو إذا لم يكن قلبك يعمل جيداً فعندئذ ترتفع حرارتك كثيراً ، لأنك والحالة هذه لا تستطيع ان تتخلص من حرارتك ، ويترتب على ذلك أن تصير عاجزاً عن الحركة ، لأن عمل عضلاتك يكون رديئا ، ومثلها في ذلك مثل محرك السيارة .
إنك الآن تستطيع أن تعلم بسهولة مبلغ أهمية جلدك في إبعاد الحر عنك وفي إكسابك البرودة في الصيف . والغريب أن يقول بعض الناس عندما تشتد عليهم موجة الحر ، إنهم يفضلون أن تنزع عنهم جلودهم وتبقى أجسادهم عارية من الجلد . إنهم لا يقصدون بطبيعة الحال ما يفهم من ذلك حرفيا ، إنما يقولونه وهم يجهلون كل شئ عن جلودهم ؛ ومثلهم في ذلك مثل من يقول إنه يلزم نزع خزان التبريد من السيارة لتخفيف الحرارة عنها يوم يشتد الحر .
ولا ريب أننا نستطيع مساعدة جلودنا في الجو الحار بارتداء ثياب خفيفة فضفاضة ؛ فهذه تسمح للهواء بملامسة جلودنا مباشرة فيتيسر للعرق أن يجف بالتدريج فتنخفض حرارتنا ونشعر ببعض البرودة .
عليك أن تعلم فوق ذلك أن نفسك حار ، وتفهم من ذلك أن التنفس يخرج بعض الحرارة من جسمك ، وهكذا
يساعد جلدك كما يساعد نفسك - في تخفيف وطأة الحر عنك .
هذا ما نستطيع أن نقوله بشأن إبعاد الحر عن أجسامنا في الصيف ، ولكن ماذا عسانا أن نقول عن جلب الدفء ، إلى أجسامنا يوم يشتد البرد .
إن الجلد عندما يحس بالبرودة يبعث برسالة إلى المخ لكي يرسل أمراً إلى المنافذ لتغلق أبوابها ، وذلك حتى لا يتجه إلى الجلد سوي قليل من الدم فلا يعرق . إنك لاشك قد لا حظت الفرق بين لون جلدك في الطقس البارد ولونه في الطقس الحار ؛ ففي الحر كما قدمنا نراه مرطبا بالعرق وتري لونه غاية في الاحمرار ؛ ولكننا على العكس من ذلك تراه في الجو البارد جافاً ، وقد يظهر عمر اللون في صباح يوم يشتد فيه الصقيع ، ولكن هذا الاحمرار يختلف عن الاحمرار الناشئ عن الحرارة ، وهو من النوع المؤقت ،
ولا يظهر إلا بالخدين فقط ، ويظل باقي الجلد مبيض اللون إلا إذا كنت تجري ، وارتفعت درجة حرارتك أثر ذلك ، وتستطيع أن تعلم أنه إذا وصل إلى جلدك قليل من الدم ، فإن قليلاً من الحرارة يمكن أن يفقد ، وبذلك تستطيع أن تحتفظ بدفئك حتى ولو كان الجو بارداً .
والاحتفاظ بالدف ، والشعور به شيئان مختلفان ، ويبدو ذلك غريباً ، فإنك قد تكون دفيئاً ، وفي نفس الوقت تعتريك قشعريرة من البرد ، ويحدث ذلك على الخصوص في بدء الأصابة بالحمى ، إذ بينما تشتد حيارة المريض يشعر بقشعريرة البرد تسري بظهره غادية رائحة . ويحدث عكس ذلك عند ما تخرج من الحمام البارد صباحاً ، فإنك تحس بالبرد وقتئذ ، ولكنك إذا كنت سليماً معافي ، فإنك تحس بموجة من الدفء تشمل جميع جسمك ، ويرجع ذلك إلى أننا نحس بالبرد عندما لا يكون الدم بجلودنا ونشعر بالدف . عندما يكون بها . إن برد الحمام يغلق ابواب المنافذ في لحظة ، ولكنك عندما تعود إلى الهواء ثانية تعاود المنافذ فتح أبوابها فيندفع الدم إلى جلدك ، ولا تكون حرارته في ذلك الحين أكبر منها قبل أن تأخذ حمامك
( عندما شعرت بالبرد ) ، والآن يوجد بجلدك كثير منه ، ولذلك تحس بأنك اكثر دفئاً
أنك من كل ذلك تستطيع أن تجزم بأن جلودنا بالغة النفع لنا واننا سرعان ما نموت إذا لم تكن لنا جلود . ومن الحقائق المقطوع بصحتها كذلك أن الإنسان يموت إذا ما احترق من جلده قدر كبير ، وإذا تناهي الجلد في السخونة أو تناهي في البرودة فإنه في الحالتين يبعد السعادة عن صاحبه فإذا كان بالغ السخونة دفع صاحبه إلى الشعور بالإعياء وربما أصابه الإغماء . وما ألذ شعور المرء عندما يخرج من حجرة ساخنة إلى الهواء البارد ؛ فما إن تلامس البرودة جلده حتى تنعشه وتضفي علي جسمه شعوراً بالغاً بالانتعاش والنشاط كما تنعش الريح مياه البحر عندما تهب عليه في غير عنف ؛
وبغير ذلك يصاب المرء بالصداع أو يعتريه المرض ويستولي عليه الخور والأعياء .
إن الإعياء الناشئ عن ضربة الشمس تبعاً للاعتقاد السائد لا يرجع إلي الشمس بقدر ما يرجع إلى الحاجة إلي ملامسة الهواء لجلودنا .
إن الناس يموتون إذا تكدسوا في حجرة واحدة ، ولا يعزي موتهم هذا إلى حاجتهم إلى الهواء للتنفس بقدر حاجتهم إلي حركة الهواء . إن جلودهم في حاجة إلى البرودة ، وعندما تستخدم مروحة في حجرة تشتد بها الحرارة لا تحصل على هواء نقي جديد ، ولكنك تجعل الهواء الموجود يتحرك وهذا يضفي عليك البرودة ويكسبك الراحة والانتعاش في الحال .

