الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 604الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, نبات " ندى الشمس "

Share

الإنسان يحس ، والحيوان يحس ، وهذا نبات قوة احساسية هائلة

الاحساس :

ما هو الإحساس ؟ . وهل هذا الشعور يقتصر على الإنسان أم هو عام بين جميع المخلوقات ، سواء فى مملكة الحيوان أو فى مملكة النبات ؟ .

هذه التساؤلات تتطلب منا أن نلاحظ تفاعلات المخلوق لما حوله من المؤثرات وطرقه المعيشية المتباينة .

الحيوان يحب ويكره :

وإننا لنجد فى أبسط أنواع الحيوان حركات تدلنا على أن هذا المخلوق يحب ويكره ، وأن هذا الشعور بالحب أو الشعور بالكراهية كامن فى أعماقه ، فحين يحس الحيوان بالجوع ويبدأ فى تناول طعامه فإنه يختار من بين الحبيبات المختلفة الموجودة فى متناوله نوعا خاصا ، بينما ينبذ الآخر .

كذلك نجد المخلوق يتأثر بالضوء أو الحرارة ، وبملامسة أجسام أخرى سواء كانت حية أو ميتة . هذه القوة الحيوية التى تستجيب للعوامل التى تؤثر فى أنسجة الحيوان هى ما تدعوه بالإحساس . .

هل الاعصاب ضرورية :

ويبتدئ هذا الشعور بكل وضوح فى الحيوانات الراقية التى يوجد بها جهاز عصبى كامل ، ولكن لا يمكننا

أن نقول إن وجود الأعصاب ضرورى لكى يحس الحيوان . .

النبات يحس :

وليس الإحساس مقصورا على عالم الحيوان ، بل يتعداه إلى عالم النبات أيضا . وما أكثر اللذة التى تحسها حين تلاحظ حركات ذلك النبات الذى يدعى باسم " ندى الشمس " أو " الدروزيرا " ، تلك الحركات التى تدلنا بكل وضوح على أن هذا النبات يحس ، وانه قادر على أن ينقل المؤثرات إلى الأعضاء المختلفة فتتحرك استجابة لتلك العوامل الخارجية . .

ورقة ندى الشمس " :

وإذا نحن فحصنا ورقة هذا النبات ألفينا أنها تشبه فى شكلها صحن الفنجان ، ويوجد على سطحها غدد قصيرة . وتحف بمحيطها زوائد تنتهى كل منها بغدة - هذه الغدد تفرز سائلا لاصقا يبدو على السطح على شكل نقط تلمع فى ضوء الشمس كأنها نقط من الندى ، ومن هنا جاءت تسمية النبات باسم " ندى الشمس " .

غذاء غريب

ويتغذى هذا النبات على أجسام الحشرات التى تمسك بهذا السائل اللاصق الذى تفرزه الغدد على سطح الورقة ، وتمنعها من الهرب الزوائد التى توجد على الحافة والتى لها

الغالبية على الحركة فتنحنى إلى الداخل حتى تحصر الحشرة وتسجنها . وهنا تنشط الغدد للعمل حتى تغرق الفريسة فى إفرازها فتختنق وتموت . وعندئذ تصب عليها رحيقا حامضيا يهضم أنسجتها ولا يبقى إلا أن تمتصها خلايا الورقة . .

إحساس واستجابة للمؤثر :

من هذا نجد أن هناك إحساسا ، وأن هناك نقلا للمؤثر وأن هناك استجابة . . فالحشرة قد وقعت أسيرة فى قلب الورقة بهذا السائل اللاصق الذى تلمع نقطة فى الشمس كأنها الندى ؛ وأحست بها الخلايا ، وانتقل المؤثر إلى الزوائد الخارجية ، فكأنها اشارة من اللاسلكى تقول : " أيتها الزوائد ، أسرعى وانحنى إلى الداخل ، وحاصرى هذه الفريسة التى أسرناها ، والتى تجاهد للتخلص من ذل الأسر والعودة إلى حياة الحرية . .

فإذا بالزوائد تستجيب للنداء ، وتنحنى إلى الداخل وتحصر الحشرة قاطعة عليها سبل الفرار . . وإذا وقعت الحشرة على غدة فى نهاية إحدى الزوائد فإن هذه الزائدة تنحنى أيضا حيث تنقل الحشرة إلى قلب الورقة ثم يتم ما رأيناه من قبل

الإعجب والادهش :

ولكن أعجب وأدهش ما يلاحظ أن الحشرة إذا أسرت بالسائل اللاصق على سطح الورقة فى غير مركزها ، فإن الإشارة التى تنقل تبين موضع الحشرة فتستجيب كل الزوائد القريبة وتتحرك تجاه موضع الحشرة فى دقة مدهشة . .

ما هو السر ؟ :

هذا النقل للمؤثر من أعجب ما يمكن ! لأننا لا نجد كما تبين لنا قوة إبصارنا أى عضو خاص ينقل المؤثر ، وحقيقة أن التيارات التأثيرية يمكنها أن تنتقل بسهولة خلال عروق الورقة ، ولكن فى هذه الحالة حين تتجه الزوائد فى دقة عجيبة تجاه نقطة معينة بالذات على سطح الورقة لا يمكننا أن نقول إن المؤثر قد انتقل خلال العروق . . لأنها قليلة العدد . وزد على ذلك أن التأثير يمكن أن يسرى بكل دقة وتستجيب الزوائد هذه الاستجابة العجيبة ، وتتحرك حركتها الساحرة . لو قطعنا خلال العروق . .

ظاهرة اخرى عجيبة

هذه القوة الهائلة على نقل المؤثر تظهر بكل وضوح فى ظاهرة أخرى عجيبة . .

لو وضعت قطعة من اللحم فى مركز الورقة ، فإن الزوائد الخارجية كما قلنا من قبل تنحنى إلى الداخل ، وفى النهاية تلمس قطعة اللحم . ولكن الشئ العجيب أن الغدد فى نهاية الزوائد إذا اختبرت قبيل ملاصقتها لقطعة اللحم لوجد أنها مغطاة بإفراز حامضى ، مما يدل على أن التأثير قد انتقل لا إلى الجزء القابل للحركة من الزوائد ، بل أيضا إلى الخلايا الإفرازية للغدد . .

ما أشبهها بغدد اللعاب :

هذه الحالة شبيهة بحالة الغدد اللعابية فى فم الإنسان ، فهى تفرز اللعاب فى حالة وضع الطعام فى الفم أو فقط بمجرد تحريك عضلات المضغ ، وإن لم يكن هناك طعام لكى ينصب عليه الإفراز ، تماما كما تفرز غدد الدروزيرا إفرازها الحامضى أثناء حركة الزوائد قبل أن يوجد أى طعام ليهضمه الإفراز ، فكأنى بالزوائد يسيل لعابها حين ترى الطعام من على بعد قابعا فى مركز الورقة قبل أن تلامسه . .

احساس فائق :

وإن لهذه الغدد التى توجد على أطراف الزوائد الخارجية قوة إحساسية هائلة ، فقد وضع على إحداها قطعة متناهية فى القصر من شعرة إنسان لا يزيد طولها على جزء من المائة من البوصة ، وتزن حوالى جزء من ثمانية آلاف من وزن الحبة . هذه الذرة من الشعر سببت حركة بينة واضحة فى الزائدة وإذا نحن دققنا فى هذا الأمر لألفينا أن تلك الذرة محمولة جزئيا بنقطة الإفراز الغدى على طرف الزائدة ، وعلى ذلك فلا مبالغة إذا قلنا إن الغدة يمكنها أن تحس وتشعر بوجود جسم لا يزيد وزنه على جزء من المليون من وزن الحبة . .

أقرب إلى حاسة الشم :

هذه الدرجة من الحساسية هى بلا شك فى غاية الغرابة . وإنها لتبدو لنا أقرب إلى حاسة الشم منها إلى حاسة اللمس فإن هذه الذرات لا يمكن للساننا أن يحس بوجودها وهو أرهف عضو لامس لدينا . .

احساس آخر :

ولعل قوة الدروزيرا على الشعور بوجود النشادر أكثر إبداعا وروعة ، فإن محلولا من فسفات الأمونيا فى الماء المقطر بنسبة جزء إلى مليون جزء من الماء سببت تغييرا فى شكل الزوائد . .

التمييز بين المؤثرات :

من هذه الحقائق أمكننا أن ندرك مدى القوة الإحساسية للنبات . ولكن هناك قوة أخرى رائعة وعجيبة أيضا يتميز بها الدروزيرا ، وهى قوة التمييز بين الأنواع المتباينة من المؤثرات . ويتبين هذا مما يلى . .

تبعا لما لمسناه آنفا من القوة الإحساسية الهائلة لزوائد الورقة ، لنا أن نتوقع أن أقل لمسة لها ينتج عنها الانحناء ، ولكن ليس هذا بصحيح . . فلو لمست إحدى هذه الزوائد لمسة واحدة سريعة ، لمسة قد تكون من القوة بحيث تكفى لأنحناء الزائدة بأكملها ، فإنا لا نلاحظ - برغم ذلك -  تغييرا فى الشكل . .

ومعنى هذا واضح جلى ؛ ففى الجو العاصف لا بد وأن تتعرض تلك الغدد للمسات عديدة من أعواد الحشيش القريبة المتمايلة مع الريح ؛ وإنه ليكون مجهودا ضائعا أن تنحنى الزوائد ثم تعتدل لدى كل لمسة من هاته اللمسات . فهى لا تتأثر إلا بالضغط الدائم أو إذا لمست لمسات سريعة متلاحقة . . وهذا أيضا واضح المعنى ، فحين تأسر حشرة بالسائل اللاصق الذى تفرزه الغدة فإن وجود الحشرة ينتج عنه ضغط متصل أو عدة ضربات للغدة الحساسة فتنحنى الزائدة .

ولو تمكنت الحشرة من الفرار بعد أول ضربة أو محاولة فإن الزائدة لن تنحنى كما قلنا ، وهكذا توفر على نفسها مجهود الانحناء ثم الاعتدال لغير ما فائدة تجنى . . فما ابدع هذا وما أروعه وما أجل عظمة الخالق البارىء المصور . .

نبات آخر :

وهناك نبات مفترس آخر يدعى " ديونيا " قال عنه داروين إنه أعجب نبات فى العالم . . هذا النبات نجد تخصص حاسته عكس الحالة التى رأيناها فى " ندى الشمس " . فالأجزاء الحساسة لا تتأثر إذا وضعت فوقها باحتراس أجزاء ثقيلة نسبيا من شعرة إنسان ، فى حين أن أخف لمسة بخيط من القطن تسبب انحناء الورقة . .

جهاز الورقة :

وورقة هذا النبات تتكون من فلقتين بينهما ما يشبه المفصلة على طول العرق الكبير الذى يمتد فى الوسط ، ولكل فلقة أسنان خشنة على حافتها ، كما توجد على السطح العلوى لكل منها ثلاث شعرات دقيقة حساسة تسمى " الشعرات القابضة " وهى للورقة بمثابة الزند للسلاح .

طريقة الانقضاض الصاعق :

والطريقة التى يقبض بها نبات " الديونيا " على فريسته هى طريقة الانقضاض المفاجىء أو الصاعق ، كما هو الحال فى مصيدة الفار ؛ فليس هناك سائل لاصق لكى يمسك الحشرة حتى تنحنى الزوائد فى بطء وتحصر الحشرة كما هو الحال فى ندى الشمس ، بل إن الفرصة الوحيدة لدى النبات هى أن أن تقفل الورقة فى التو واللحظة لدى أخف لمسة . . فحين تلمس أية حشرة احدى الشعرات القابضة تنضم الفلقتان فى لمح البصر وتتداخل أسنانهما وتتماسك فيتعذر على الحشرة الهروب . . وعندئذ تهضم وتمتص . .

وهذا التخصص فى الإحساس فى نبات الديونيا ضرورى لكى يتمكن من أن يحصل على غذائه ويتم فى احسن وجه قبضه على الفريسة . .

وجد إن هذه الأمثلة المتباينة على الحساسية وقوة التمييز بين المؤثرات بالرغم من عدم وجود أية أعضاء تشابه الأعضاء الحسية فى الحيوان ، يجعلنا نقول إن هذه الخاصية كخاصية الحركة موروثة فى المادة الحية . . كما يزيد من إيماننا بعظمة الكون وعظمة الطبيعة وعظمة الله . .

اشترك في نشرتنا البريدية