الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 580 الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, نجوم بغير ضوء

Share

في عام ١٧٨٣ منحت الجمعية الملكية بإنجلترا ميدالية كويلي وهي اكبر شرف تمنحه الجمعية شابا أصم أبكم منذ الولادة اسمه جودريك ، استغل حاسة إبصاره إلى درجة خلدت اسمه بين مشاهير الفلكيين ؛ فقد كان أول من افترض وجود نجوم مظلمة . ومع أن جودريك مات في سن مبكرة ، إذ لم يتعد الثانية والعشرين ، إلا أنه أجرى مشاهدات عديدة في مرصد صغير بمدينة بورك ، وكان أول من قام بدراسة منظمة للتغيرات في بريق النجم المسمى " الغول " .

يسطع هذا النجم ببريق ثابت مساو لبريني النجم القطبي في الشدة مدة يومين ونصف تقريبا ، ثم يتضاءل ضوؤه فجأة . وفي مدى حوالي أربع ساعات ونصف يخبو بريق النجم حتى يصل إلى ثلث بريقه الأصلي ، ثم بعد ثلاث ساعات ونصف يسترد بريقه الأصلي الذي يظل ثابتا مدى تسع وخمسين ساعة . وهذه التغيرات تتعاقب بتوقيت دقيق منتظم لدرجة أنه في الإمكان حساب أوقات بدء تضاؤل ضوء الغول " مدى سنوات مقدما ، وهي محسوبة بالفعل وموضوعة بجداول ضمن التقاويم الفلكية والمطبوعات المماثلة . وهذه الأوقات معروفة بدقة كبيرة جدا ، لدرجة أن الفلكي يمكنه الاستعانة بجدول منها لضبط كرونومتره . وذلك ملاحظة وقت بدء تضاؤل ضوء " الغول ومقارنته بالزمن المبين بالجدول .

ولتفسير هذا التضاؤل الفجائي في ضوء ) الغول ( افترض

جودريك وجود جسم مظلم يدور حول النجم ، بحيث يعترض سبيل ضوئه إلينا دوريا مسببا كسوفا جزئيا في كل دورة من دوراته . ولما كان النجم لا يمكن رؤيته أكثر من نقطة ضوئية مهما كانت قوة المرقب المستخدم لرؤيته ، فإنه يستحيل في هذه الحالة تميز أى تفاصيل لجسم مظلم على قرص مضئ كما نرى في حالة كسوف جزئي للشمس بواسطة القمر ؛ إلا أن تفسير جودريك حاز قبولا لتمكنه من تعليل التغيرات المشاهدة .

ولم يأت الدليل القاطع على صحة فرض جودريك إلا بعد مضي اكثر من قرن عليه ، وكان الوصول إلى هذا الدليل عن طريق وسائل غير مباشرة . فإذا فرضنا أن " الغول " كان له رفيق مظلم ، فإن الغول ورفيقه لابد أن يدورا حول نقطة توازنهما المشترك أو ما يسمى بمركز ثقلهما . فعندما يكون الجسم المظلم مقبلا علينا قبل أن يمر أمام الكرة المضيئة تكون هذه الأخيرة مدبرة عنا ، وعندما يكون الرفيق المظلم متراجعا بعد حصول الكسوف يكون النجم المضئ متقدما نحونا . وعلى ذلك فإنه إذا كان تفسير جودريك لسبب التغير في ضوء " الغول صحيحا فلا بد أن يقبل الغول علينا ثم يدبر عنا في دورة تتفق مع التغيرات في بريقه .

وقد أثبت المطياف أن هذه الحركات الدورية للغول " من إقبال وإدبار تحدث فعلا . والمطياف آلة ضوئيه يمكن بواسطتها تعيين سرعة إقبال نجم نحو الأرض أو إدباره عنها بدقة إلى كسر الميل في الثانية ؛ وباستخدامه أثبت " فوجل "

عام ١٨٨٨ في مرصد بوتسدام أن " الغول " يدبر عن الأرض بسرعة تقرب من أربعة وعشرين ميلا في الثانية قبل أن يتضاءل ضوؤه ، ثم يقبل نحونا بمعدل ثمانية وعشرين ميلا في الثانية تقريبا بعد حدوث هذا الكسوف الجزئي له ويأخذ السرعة المتوسطة ستة وعشرين ميلا ونصف الميل في الثانية يمكن بسهولة حساب عدد الأميال المقطوعة حول نقطة التوازن في الدورة بأكلها ، وهكذا يمكننا إيجاد قطر المدار . وبمعلومية هذه الأبعاد وزمن الدورة الكاملة يمكن تعيين كتلة " الفول " ورفيقه بالنسبة إلى كتلة الشمس ، وذلك باستخدام القانون الثالث لكبلر المسمى بالقانون التوافقي . وبهذه الكيفية نصل إلى أن قطر الرفيق المظلم للغول يساوي تقريبا قطر الشمس ، في حين أن " الغول " نفسه أكبر من ذلك بقليل .

هذا الرفيق المظلم لم تقع عليه للآن عين بشرية ، وأغلب الظن أنها لن تقع عليه ، ومع ذلك فليس هناك أدنى شك لدي الفلكيين في وجوده . بل ولا يمكن أن يتسرب الشك في وجوده لأي عقل يكون قد فحص هذا الدليل الذي أمدنا به المطياف . وقد عرف حتى الآن حوالى أربعمائة من هذه النجوم المزدوجة التي يتغير ضوؤها بنفس الكيفية مثل " الغول " . ويعتبر لكل منها تابع مظلم يدور حول النجم المضئ بانتظام كانتظام الساعة

هذه النجوم المظلمة التي تحجز عنا دوريا ضوء رفيقاتها الساطعة تشهد على وجود عوالم أخرى في الفراغ غير مرئية . ويقدر الفلكيون أن خمسا من كل ثلاثة أو أربعة نجوم له شريك قريب منه تستحيل رؤيته . وقد نستجد طرق للبحث تكشف لنا عن أجسام عديدة لا يستطيع المرقب توضيحها للعين البشرية ، ولكن حتي بدون هذه الطرق لدينا الدليل الكافي علي وجود عالم شاسع من النجوم غير المرئية . واهتمام الفلك بدراسة هذه الكتل المظلمة لا يقل عن اهتمامه بدراسة الأجسام التي تشع الضوء .

وهكذا دليل المطياف على وجود نجوم مظلمة ، ولكنه لم يكن الوسيلة الوحيدة لإقامة الدليل على وجود مادة غير مرئية في الفراغ ؛ فقد أثبت المرقب وآلة التصوير أن

مناطق السماء التي تظهر كأنها فارغة تكون في كثير من الحالات مليئة بالنقط المتلألئة ومناطق الضوء السماوى الرقيق لدرجة يجعله غير مرئي للعين العارية . ولوح التصوير إذا وجهناه نحو الفضاء اللانهائي قد لا يسجل شيئا لأول وهلة . ولكنه إذا ترك كذلك قدر ساعة أو نحوها لانطبعت عليه آثار متراكمة لأشعة ضعيفة تعمل باستمرار مثبتة وجود ضوء في طيات ظلام الفضاء ؛ وقد ساعدت هذه الوسيلة على التنبؤ بمواضع نجوم ومساحات من الضباب السماوي لم تقع عليها عين إنسان مباشرة

وهكذا تخرج العوالم الجديدة تباعا من الظلمات إلي النور كلما تقدمت أساليب دراسة السماوات وارتقت عددها وآلاتها . فقد كان الاعتقاد السائد في وقت من الأوقات أن الملايين العديدة من النجوم المستطاع رؤيتها باستخدام أكبر مرقب أو تسجيلها بآلات التصوير ، هي كل ما يضيء في الجزء من الفراغ الذي يحيط به " طريق المجرة " ومنها يتكون - في رأيهم - العالم بأجمعه . أما الآن فالمعروف أن كل هذا النظام الذي تدخل في تكوينه ما هو إلا جزء من العالم كله ، وانه يحوي ما يقرب من مائة ألف مليون من النجوم ، ولو أن العين العارية لا ترى منها إلا ما يقرب من ستة آلاف نجم ،

فكأن كل كشف علمي يزيد رجل العلم اعتقادا أن الشئ القليل فقط قد تم إنجازه وبقى الشئ الكثير ينتظر إنجازا ، أو كما قال نيوين قبيل موته : " لا أدري ماذا يظن في العالم ، ولكني أتراءى لنفسي كما لو كنت غلاما يلعب علي شاطئ البحر مسليا نفسه بالعثور على حصاة ملساء تارة ، وقوقعة جميلة طورا ، بينما يظل خضم الحقيقة أمامه مجهولا ،

فالإنسان من الناحية المادية ليس إلا جزءا ميكروسكوبيا من العالم ، ومع ذلك يحمله عقله في صعود دائم محاولا الوصول إلى قمم أعلى الجبال بروح مقدامة لا تعرف الهزيمة . ورغم معرفة الكثير عن السماوات وما تحويه من نجوم ، فإن الفراغ اللانهائي يظل عاملا على الحد من كبريائه . ولكنه يتابع عنه في المجهول ، وسيواصل هذا البحث أولاده وأحفاده من بعده .

اشترك في نشرتنا البريدية