الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 340الرجوع إلى "الثقافة"

كيف نصل إلى سلم دائم

Share

يجب علينا قبل البحث فى هذا الموضوع تعريف معنى كلمة السلم ؛ فاذا رجعنا إلى قواميس اللغة وجدنا تفسير كلمة السلم هو التحرر من الحرب أو هو اتفاقية بين طرفين تضع حدا لنزاع بينهما ، وقد أضافت بعض القواميس تفسير جديدا فسرته على أنه التحرر من كل اضطراب فكرى . وقد فسر الرئيس روزفات السلم بالحريات الأربع وهى : حرية التعبير عن الرأى ، وحرية العبادة ، والتحرر من الخوف ، والتحرر من العوز .

هذه هى معانى السلم المختلفة أما لماذا لا ينعم العالم بسلم دائم فهو ما سنحاول التكلم عنه فى هذا المقال .

استراتيجية السلم

وكما أن هناك استراتيجية للحرب فهناك استراتيجية للسلم . فالدول إذا أقدمت على حرب استعدت لها ووضعت

الخطط وعبأت لها من قواها المادية والمعنوية ما يهيئها لمنازلة العدو والتغلب عليه ، فكذاك السلم يجب أن تبحث وتدرس جميع المسائل المتعلقة به . وإن أية منشأة سواء أكانت صناعية أو تجارية أو مالية توجد بها أقسام خاصة بدراسة مختلف الأبحاث التى تكفل ضمان تقدم العمل واطراد نجاحه . والسلم فى حاجة إلى مثل هذه المنشآت يتناول فيها اخصائيون موضوع السلم بالبحث والتحليل والدراسة القائمة على أساس علمى صحيح ، ويحاولون حل جميع المشاكل التى تصبح فيما بعد خطرا على السلم ومدعاة لإثارة الفتن والحروب .

السلم الدافع لنعمل

وتقتنع بعض الدول إما لخطأ منطقى أو لضعف حربى بالركون إلى سلم خامل مساهمة منها فى تدعيم السلم العالمى وأنها ما دامت لا تنوى العدوان على أحد فأنها بذلك تحافظ على

مبادىء السلام . ولكن الحقيقة غير ذلك ، فان التجاءها إلى هذا النوع من السلم بعرضها لأشد الأخطار ويشجع غيرها من الدول على محاولة فرض سيطرتها عليها إذ ترى فيها فريسة مستكينة بسهل السطو عليها واقتناصها . وتقدم لنا الدول العربية الآن مثلا قائما للتدليل على هذا المعنى فانها بتعلقها بهذا الضرب من السلم الخامل يجعل من نفسها موضعا للتنافس والتسابق والتقاسم بين الدول الكبرى ، وعجالا لعقد المؤتمرات للنظر فى أمرها والبت فى مصيرها .

إذا فالسلم بمعناه القديم عامل على إثارة الحروب لا على تجنبها ، ولذا وجب الوصول إلى نوع جديد من السلم يحقق أمانى الأمم المتعلقة به . وقد توصل بعض الباحثين والساسة إلى هذا النوع ، وقد تحقق لهم ذلك بعد أن أضافوا إلى التفسيرات السابقة عنصرا جديدا هو عنصر العمل . ويحيل هذا العنصر السلم إلى أداة قادرة على تحقيق الغايات التى تضمن للسلم الاستقرار والدوام ، وبه يمكن العمل على تلافى ما بسبب قيام المشاكل ويحل ما يجد منها حلا ، ويزيل جميع العقبات التى تقف حائلا دون تحقيق العدل الاجتماعى ودون التقدم فى شتى مناحى الحياة ، وبقضى على أسباب التعسف والفوضى التى تهدد كيان المجتمع العالمى والتى تعرض مستقبل الدول للخطر وتجرها إلى النزاع والتطاحن .

وإن من يمعن النظر فى نصوص معاهدة فرساى يجد أن واضعيها قد ضمنوها هذا المعنى الجديد للسلم ، فاحتوته المادة التاسعة عشرة من قانون العصبة تنص على أن للجمعية العمومية للعصبة الحق فى أن تشير على مجلس العصبة من وقت لآخر بإعادة النظر فى المعاهدات التى أصبحت تتنافى والأوضاع القائمة على مر السنين والتى يعتبر بقاؤها مهددا للسلم . ولكن ممثلى الدول الكبرى فسروا هذه المادة تفسيرا لا يستقيم وروحها ، وأبوا إلا أن بروا فيها مجلبة المشاكل ومثلا للقلاقل فأهملت المادة ولم يعمل بها .

وفى سنة ١٩٢٩ وقبل أن يستفحل خطر المشكلة الصينية البابانية من أجل منشوريا حاولت الصين جاهدة إقناع الدول الكبرى للعمل بمقتضى هذه المادة ، ولكن هذه الدول كانت راغبة عن التعرض لدولة كبرى مثل اليابان واستمرت المشاكل تتعقد وتتفاقم حتى انتهت إلى الحرب . ولو أن الدول قد أجمعت أمرها على تطبيق هذه المادة لبحثت المعاهدة ولعدلتها تعديلا يضمن إلى حد ما إرجاع بعض الحق إلى نصابه ورد بعض المظالم والاقتراب إلى حل عادل يحسم النزاع . وقامت هذه الحرب وأوشكت على الإنتهاء وانبعثت أصوات المنادين بالسلم من جديد يبشرون بنظام يضمن استتبابه وبقاؤه . فميثاق الأطلنطي لو وفق أقطاب الدول الكبرى إلى تطبيقه لكان أحسن ضمان للسلم ، ولكن ليست العبرة بما يسطر على الورق بل بالإرادة الصادقة التى تحاول تطبيقه ونشر مبادئه .

وتكاد نصوص هذا الميثاق تنطبق على معنى السلم الذى ذهبنا إليه من قبل ، فإن تأمين حرية الكلام والعبادة وإبعاد شبح الخوف والعوز يستلزم عملا متواصلا ودراسة مستوفاة لحل شتى المشاكل التى تأتى بعكس النتائج التى يذهب إليها الميثاق وللوصول إلى عالم يسعد فيه الفرد والمجموع .

ويتحدث استانلى بروس رئيس لجنة التنظيم المالى والاقتصادىى فى الولايات المتحدة عن السلم بمعناه الجديد فيقول : " علمتنا تجارب العشرين سنة الماضية مدى اعتماد الأمم فى تقدمها ونهضتها على مقدار ما تصيبه من النجاح فى حل ما يواجهها من المشاكل ، كما أصيحت نهضة البلاد السياسية تقاس بمقدار تغلبها على العقبات التى تقف فى طريق نهضتها الاجتماعية كالبطالة و نضخم الأسعار وهبوط مستوي الفرد الاجتماعى والصحى وغير ذلك مما يكون له أثر رجعى على حياة الفرد والمجموع .

الثقافة والحرب

علق أحد النقاد قائلا إن الحرب لم تنشب عام ١٩٣٩ ، لكنها نشبت يوم بدأت النظريات الفلسفية المتطرفة تنتشر فى ألمانيا واليابان وإيطاليا ، ويوم قامت نظريات أخرى معادية تسود المعسكر الآخر . ويرى إدجار هرفر أن على الأمم إن أرادت أن تتجنب الحرب فى المستقبل أن تكون على يقظة دائمة لما يسود غيرها من مختلف الاتجاهات الثقافية والتيارات الفكرية ، وأن تتعاون على منع كل مامن شأنه نشر المبادىء والفلسفات الداعية للحرب حتى تصبح الثقافات وسيلة للدعاية والتبشير بعالم للسلم تتحقق فيه أسمى المبادىء الإنسانية .

فترة هدوء

يعزو الكاتب السياسى هارولد نيكلسون فشل مؤتمر فرساى لما كان يسوده من روح الحقد والاندفاع . ولذا كان من الضرورى وجوب التفرقة بين هدنة تمهيدية تفرض على المغلوبين واتفاقية نهائية تقوم على التفاهم وتبادل وجهات النظر وبيث فيها فى مستقبل الدول المشتركة فيها .

ولعل ما نلمسه الآن فى مؤتمر سان فرنسسكو من قيام بعض الاختلافات وتضارب وجهات نظر الساسة وتطور المناقشات إلى درجة من الحدة ، وتعقد بعض المسائل ، يفسر ما ذهبنا إليه . فلا بد إذا من فترة هدوء تصحب انتهاء القتال ، لأن بناء سلم لعالم المستقبل لا يتيسر لمؤتمرين لا يزال قصف المدافع ودوى القنابل يملك عليهم سمعهم ، وآثار التدمير والتخريب ماثلة فى أذهانهم فأسس السلام لا يمكن أن تثبت وتستقر إلا إذا كان واضعوها بعيدين عن كل تأثير نفسانى . اللهم إلا رغبتهم فى إقامة سلم عادل ثابت .

اشترك في نشرتنا البريدية