(( إنها برغم ذلك تدور )) ( جاليليو )
إصبع القدر :
كان والده يريد أن يجعل منه ثاجر أقمشه ، ولكن الأقدار أرادته عالما من علماء الرياضيات الأفذاذ ... ذلك هو جاليليو جاليلى الذى عاش بين سنة ١٥٦٤ وسنة ١٦٤٢ .
بدأ حياته العلمية أستاذا للرياضيات فى جامعة بيزا ، ولكنه لم يلبث أن شلح منها وطرد شر طردة وسط سخرية الطلبة واستهزائهم ؛ والسر فى ذلك أنه أراد أن يكون عالما بالمعنى الحقيقى لهذه الكلمة . كان يأبى إلا أن يجرب ويضع كل شىء على محك اختبار حواسه وعقله ، فامتحن مذاهب أرسطو ولم يسلم بها على طول الخط . كما كان يفعل أترابه من علماء العصر ؛ فالطريق إلى المعرفة فى نظره ليس باستيعاب كتب أرسطو ، ولكن بدراسة كتاب الطبيعة . .
وأنذر وهدد بالويل والثبور إن لم يرتدع ، ولكنه رفض التخلى عن تجاربه واختباراته ، فلفقوا له تهمة وطردوه من الجامعة . . وكانت هذه الحادثة بدء عهد جديد فى حياة جاليليو . . بل قل كان إصبع القدر هنا مرة أخرى يعمل
ويدبر ؛ فقد أمكن لجاليليو بمساعدة أصدقائه من علماء الرياضيات والطبيعيات الذين تتبعوا دراساته وتجاربه الرائعة وقدروها حق قدرها - أمكن له الحصول على مركز أحسن فى جامعة بادو بمرتب ثمانية وأربعين جنيها سنويا ، وهو مرتب جد ضخم بالنسبة لما اعتاده جاليليو . ( كان مرتبه فى جامعة بيزا خمسة عشر جنيها سنويا ) .
حرية الفكر :
على أن الأهم من زيادة مرتبه هو الحرية الزائدة التى منحها . . فقد أطلق له العنان فى بادو ليقول ما يريد . . وحين خطا جاليليو إلى القاعة ليلقى محاضراته الأولى فى الجامعة فى السابع من ديسمبر سنة ١٥٩٢ استقبل بصيحات الإعجاب من جمهور المعجبين والمريدين ، وتنبأ له الجميع مستقبل زاهر عظيم فى هذا المركز العلمى حيث تتوفر حرية الفكر والرأى . . فبادو وكل جمهورية البندقية كانت خارج حظيرة الكنيسة لا تتمتع بعطفها . وتبعا لذلك لم تكن عرضة لتقييداتها وديوان تحقيقها (محاكم التفتيش ). وفى الواقع أن علماء البندقية ، ومن بينهم علماء جامعة بادو كانوا يعرفون دينهم حق المعرفة ، ولكنهم كانوا
يصرون على فصل الدراسات العلمية عن المعتقدات الدينية ، وهذا ما أبته الكنيسة وتعاليمها ، فطردت جمهورية البندقية خارج حظيرتها ...
صار فى إمكان جاليليو أن يتم تجاربه بتفكير صاف وعقل غير مفيد ، تلك التجارب التى شملت نواحى واسعة من المعرفة النظرية منها والعملية ؛ فمن تتبع لمسارات النجوم إلى ابتداع لآلات المعارك . . وعلى الرغم من أنه لم يخدم أبدا فى الجيش ، إلا أنه أحاط بالهندسة العسكرية ، وساعده ذلك على أن يجمع حوله عددا من خاصة الطلبة من الأمراء والنبلاء والحاربين ، من الرجال الذين يرغبون فى أن يهبوا حياتهم إما للحكم أو الحرب . . وجريا على القواعد المتبعة فى ذلك العهد قدموا ليعيشوا مع جاليليو واصطحب بعضهم خدمه الخاص ، فكانت مجموعة سعيدة مؤثرة تلك التى اجتمعت حول مائدة هذا الأستاذ الصغير الذى لم يتجاوز الثامنة العشرين ! .
جماعة ذات ضوضاء :
ولكنها كانت فى ذات الوقت جماعة ذات ضوضاء وجلبة . ومن حين إلى حين كان جاليليو يجد راحة فى أن يهرب منها إلى أذرع فاتنات البندقية وإلى سماع الموسيقى . . .
صديقة جميلة :
كان رجلا ذا حواس مرهفة وذوق بديع ، وكانت له صديقة جميلة تدعي (( مارينا جامبا )) لازمته في طور من أطوار حياته . . . ولكنه لم يتزوج البتة ، إذ كان يعتقد أن الرجل لا يمكن أن يكون فيسوفا عظيما وزوجا مخلصا في ذات الوقت . . .
كان يقضى أوقاتا طيبة فى فينيسيا ، فكان يحضر الحفلات الوسيقية الخاصة باستمرار كمستمع ، وفى بعض الأحيان كعازف ، إذ كان ضارب عود ماهر كما كان يشاهد كثيرا من حفلات الكرنفال والتمثيليات الغنائية العامة والقطع الكوميدية ، بل إنه ألف عديدا من تلك
الروايات الكوميدية ، ومن المحتمل أنه مثل فى بعضها ؛ ففينيسيا فى تلك الحقبة من الزمن كانت مدينة تفكير حر وحياة طلقة ناضرة . . .
نادى الأحرار :
ولكن تلك النواحى كانت مجرد نشاط عابر فى حياة جاليليو ، إذ كان عقله من البداية إلى النهاية متفرغا لتتبع العلم . . وقد كون أكاديمية خاصة فى قصر يقع بجوار قطرة سانتا صوفيا .
وكانت هذه الأكاديمية عن ناد علم على فلسفى ، أعضاؤه من العلماء الذين هربوا إلى فينسيا من مختلف أنحاء إيطاليا ليكونوا أحرارا فى إتمام دراساتهم والتعبير عن أفكارهم .
وفى ذلك النادى كشف جاليليو لأول مرة عن نتائج عديد من مشاهداته وتجاربه ، فأبان للأعضاء غوامض المناطق والقوى المغناطيسية للأرض ، وشرح لهم دقائق البوصلة ، وهى أداة جديدة من اختراعه . وعرض عليهم كيف تعمل آلة خاصة - من تصميمه - لرفع الماء ورى التربة ، كما بين لهم كيف تقاس درجة حرارة الجو بواسطة الترمومتر الذى ابتدعه ، وأخيرا أثار إعجابهم وتلهفهم بأعجب اختراع وأدهشه ، وهو المرقب أو التلسكوب ، جهاز التحديق فى النجوم البعيدة . .
قصة أول مرقب علمى :
ولم يدع جاليليو أن الفضل كل الفضل فى اختراع المرقب ، ففى إحدى زياراته لفينيسيا جمع جاليليو أن يهوديا يعمل فى العدسات يدعى هانز ليبرهى اكتشف مصادفة أنه بوضع عدسة مقعرة مع أخرى محدبة فإنه بالنظر خلالهما يمكن رؤية الأشياء قريبة . وقد أثار هذا الكشف الذى جاء عفو الخاطر اهتمام عالمنا الباحث العبقرى ؛ فبدأ يدرس الموضوع ويمتحن انحناءات وتجميع مختلف أنواع
العدسات ، ويقدر ويحسب بمعادلاته الرياضية الدقيقة النتائج التى يراها لهذه الانحناءات وتلك التجميعات المتباينة . .
وأخيرا استعد فى الحادى والعشرين من أغسطس سنة ١٦٠٩ لأن يقوم بعرض عام لأول مرقب علمى فى التاريخ . . ففى ذلك اليوم التاريخى المشهود تسلق جاليليو إلى قمة كامبانيل فى فينيسيا يتبعه أصدقاؤه ومريدوه ، ثم سمح لهم واحدا بعد الآخر بالنظر خلال المكبر السحرى ، ولدهشتهم وعجهم أمكنهم أن يروا أشرعة سفن لم يروها بالعين المجردة إلا بعد ساعتين ، كما أحاطوا بحركة المواصلات فى اثنى عشر من الخلجان . ورأوا قطعان الماشية وهى ترعى على سفوح التلال البعيدة ، والمتعبدين وهم يدخلون ويخرجون من كنائسهم فى المدن والقرى النائية . . ثم فى خلال الليل حولوا أنظارهم إلى السماوات فلمسوا قرب النجوم البعيدة خلال المرقب . . .
وانهالت الطلبات على جاليليو لشراء مرقبه ، ولكنه قدمه بلا مقابل إلى دوق فينيسيا ، وكانت النتيجة أن أمر بانتخابه للأستاذية مدى الحياة فى جامعة بادو بمرتب قدره حوالى ١٢٠٠ جنيه سنويا ...
وبلغ جاليليو قمة نجاحه وشهرته ، ولكنه برغم ذلك لم يكن سعيدا ، فمنذ أن جاء إلى بادو وهو يأمل فى العودة منتصرا معززا إلى بيزا ؛ تلك المدينة التى طرد منها فى استهانة وسخرية ؛ وكم من مرة كتب إلى كوسيمو دى مدسيس الدوق الأكبر لفبورنسا ( وبيزا ) ليعينه عالما للرياضيات فى بلاطه ؛ ولكنه أصم أذنيه عن سماع رجاله . . والآن وقد قبل الأستاذية مدى الحياة فى جامعة بادو فقد قضى على نفسه بالنفى المؤبد ، وبأن يكون سجين شرف لمجده وشهرته ...
ثم مات كوسمو واعتلى العرش ابنه كوسيمو الثانى ، وكان من تلاميذ جاليليو . . فعرض عليه النصب الذى جاهد العالم العظيم للحصول عليه ، فكان أن خرق جاليلو عقده مع جامعة بادو ، واتخذ طريقه إلى بلاط كوسيمو الثانى ، وإلى مأساة حياته الكبرى .
المأساة الكبرى :
والسبب فى مأساة جاليليو وشهرته الخالدة على مر الزمن - هو كتابه الفائق الأهمية (( رسول النجوم )) فقد كتب جاليليو كتابه هذا فى جو بادو المشبع بروح الحرية والتسامح ، ثم جوبه به الآن فى جو فلورنسا المحافظ المتزمت المتمسك بالتقاليد والعقائد الموروثة .
وقد طبع جاليليو كتابه - كما كتب إلى صديقه (( بيايزاريو فينتا )) .
(( ... لكى يلم الفلاسفة وعلماء الرياضيات ببعض المشاهدات التى أجريتها على الأجسام السماوية بواسطة منظارى المقرب الذى يدهشنى أيما إدهاش . وإنى أشكر الله أن جعلنى أول ملاحظ لتلك الأشياء الرائعة التى لم تنكشف لأحد فى العصور الحالية ... لقد تحققت من أن القمر جسم مماثل للأرض . . كما رأيت عديدا من النجوم الثابتة التى لم تر من قبل . وزيادة على ذلك فقد أدركت طبيعة المجرة ، ولكن لعل أعظم أعجوبة وأروع حدث هو اكتشاف أربعة سيارات جديدة ، وقد لاحظت أنها تدور حول الشمس ... )) . وقد كان يصح أن يضيف ...
(( وقد لاحظت أن الأرض أيضا تدور حول الشمس )) . ولكنه لم يقل ذلك لا فى رسالته ولا فى كتابه ، واكتفى بأن ذكره شفاها لبعض أصدقائه المتحررين فى أفكارهم . . كان يعلم أن كتابة مثل هذه الجملة قد يعنى تعريض نفسه لحجرة التعذيب بديوان التحقيق ، ولم يكن مصير (( جيوردانو بروتو )) الذى أحرق حيا سنة ١٦١٠ لما أعلنه من آراء علمية ببعيد عن ذاكرته . . ولذا شعر أنه من الأسلم له ومن الأنفع للعلم بقاءه حبا ليجرى تجاربه بغير تدخل ديوان التحقيق ، إذ كان يعتقد أن مداد العالم ودم الشهيد متعادلان لأن فى القيمة فى نظر السماء ...
ولكن قدر لجاليليو برغم تحوطه وحذره أن يكون شهيدا وعالما ؛ فقد كان لديوان التحقيق داخل أراضى فلورنسا سلطة غير محدودة وعيون لا تنام ، وقد لاحظ الكردينال بيلارمين رئيس ديوان التحقيق أن
جاليليو - ولو أنه أغفل ذكر مسألة دوران الأرض حول الشمس - قد أعلن أنه من المتتبعين لكوبرنيكس ( وهو الذي قال بدوران الأرض حول الشمس ) . ولذا فقد أصدر أمره فى السادس والعشرين من مارس سنة ١٦١٦ بأن يقدم جاليليو نفسه لديوان التحقيق .
وحين وصل جاليليو إلى الديوان المقدس نصحه الكردينال بيلارمين أن يتخلى عن آرائه الهرطقية في الأرض والشمس والنجوم ، وألا يفكر مثل تلك الأفكار أو يعلمها أو يدافع عنها ، سواء باللسان أو على الورق ، وإلا كان عرضة للعذاب والوعيد . .
وكان أن وعد جاليليو بالتخلى عن آرائه ، فأطلق الكاردينال سراحه وعلى وجهه ابتسامة النصر ، إذ أمكنه بحكم واحد قاس أن يوقف حركة السيارات حول الشمس...!!.
أما عالمنا فقد عاد أدراجه إلى فلورنسا حزينا خجلا واستمر لمدة من الزمن يجرى تجاربه فى هدوء معمله وهو لا يجرؤ على نشر اكتشافاته على العالم ، ولكن العبقرية قد ولدت لتعبر عن آرائها كما تزرع البذور لتنبت ، وكانت قد مرت مدة طويلة لم ينفس فيها جاليليو عن أفكاره ، فنشر كتابا آخر عن الفلك ، فاصطدم مرة أخرى بعقائد رجال الدين وتعالميهم القاطعة .
وللمرة الثانية استدعى ليمثل أمام ديوان التحقيق ، وكان من القرر أن الاستدعاء الثانى لجريمة عوقب عليها الشخص من قبل جزاؤه الموت . . .
فلما وصل إليه أمر الاستدعاء الثانى كان جاليليو مريضا ، وكتب أطباؤه تقريرا بينوا فيه أن سوء حالته لا يساعده على الذهاب إلى روما ؛ ولكن الرحمة والشفقة كانتا منتزعتين من قلوب أعضاء الديوان ، فأمروا بأن يقبض عليه مهما كانت حالته ويقيد بالسلاسل وينقل إلى روما ...
وفى يناير سنة ١٦٣٣ ، وفى صقيع الشتاء ، ترك جاليليو فلورنسا إلى روما وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة وحين مثل أمام قضائه لم يكن فى حالة تسمح له بالدفاع عن نفسه ، لا من الناحية الجسمانية ولا من الناحية العقلية .
المحاكمة :
واستمرت محاكمته ستة أشهر وصلته خلالها رسائل تأييد - ليس فقط من المفكرين الأحرار - بل من عديد من الكاثوليك ورجال الكنيسة . . .
ولكن كان لديوان التحقيقى طريقه المرسوم ، ففى الثانى والعشرين من يونيه سنة ١٦٣٣ أرغم جاليليو على أن يضرب بمعتقدات فى دوران الأرض عرض الحائط . . .
(( إنى أقسم ويداى على الإنجيل المقدس ،)) (( أن أنبذ نظرياتى الهرطفية السالفة ، )) (( وإنى أعترف أن خطئى تسبب عن طموح )) (( كاذب وجهل تام . وإنى أعلن الآن وأقسم )) (( أن الأرض لا تدور حول الشمس . )) وبينما كان أصدقاؤه يقودونه بعيدا عن ساحة المحكمة ، وهو مجهد متعب فى حالة أشبه بالحمى . كان يغمغم من بين أنفاسه اللاهثة المتقطعة . . (( إنها برغم ذلك تدور )) .
وكتب كرادلة الديوان حكمهم (( باسم المسيح المقدس والأم العذراء مريم حكمت المحكمة بقرار الحظر على كتب جاليليو ، وبزج كانها فى سجن هذا الديوان المقدس لحقبة نحددها وفق رغبتنا . .)) وكان تعليق جاليليو على الحكم . (( ولكن بالرغم من كل شئ فسأبقى مسيحيا . . )) وعالما ... فعلى الرغم من أنه أمر ألا يتابع أبحاثه العلمية قد كتب وهو فى السجن كتابه العظيم (( قوانين الحركة )) وضمنه ملخصا وافيا لكل القواعد الأساسية لعلم المكانيكا . . ثم أرسله خفية إلى هولندا حيث طبع ونشر هناك . . .
النهاية :
ولم ير جاليليو نسخة واحدة من ذلك الكتاب ، إذ أصيب بالعمى داخل سجنه ، ولكنه أحس بالمتعة والراحة حين احتضن نسخة منه بين ذراعيه وهو جالس على فراش الموت فى الثامن من يناير سنة ١٦٤٢ وكان يغمغم . . (( إن هذا العمل من خير ما قمت به . . . فهو نتاج أعسر جهاد وأشقه . .))

