الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 189الرجوع إلى "الرسالة"

كيف يكتبون عن حركتنا الأدبية

Share

قرأنا في صحيفة  (هنوفر شر كورير) الألمانية فصلاً كتبه لها مراسلها  الخاص في القاهرة تحت عنوان  (الشعراء المصريون وأثر الشعر  في مجد مصر القومي)  فرأينا أن نأتي على ترجمته ليرى قراء العربية كيف  يكتب الأجانب عن حركتنا الأدبية وكيف يصورونها تصويراً يبعد  أحياناً عن الحقيقة بمراحل؛ قال الكاتب:

تبدو مصر بطرافة مشاعرها القومية وروعة سماءها وإقليمها  وسحر ماضيها وصراعها المستمر في سبيل الحرية كأنها موطن الشعر،  وتبدو وكأنها تذكي الفكر وتجذبه، بيد أن ترثها الأدنى، وبالأخص  تراثها من الشعر السياسي والقومي يبدو متواضعاً جداً. ويرجع ذلك الاستعباد والذلة فبعد الإسكندر الأكبر  جاء قياصرة روما، ثم  قياصرة بيزنطية، ثم العرب، وأخيراً الترك؛ وهكذا مزق صرح  الوحدة القومية الذي لا بد منه لكل تقدم عقلي قومي؛ ومنذ عصر  محمد علي أي منذ نحو قرن بدأ نماء هذا الصرح القومي وألف ختامه  الظاهري أخيراً حيث استطاعت مصر أن تحقق حريتها السياسية  وسيادتها القومية، بيد أنها رغم هذا الظاهر لا تزال من حيث الناحية  المعنوية في المؤخرة.

وللجاليات الأجنبية التي تعيش في مصر منذ بعيد، رغم تطور مصر  القومي أثر قوي في جميع مناحي الحياة؛ وقد كانت الدوائر الاجتماعية  التي كان بوسعها أن تعمل على خلق نهضة ثقافية خاصة على اتصال  دائم مع الأجانب، بيد أنها فيما يتعلق بشؤون الأسرة اتجهت  إلى اسطنبول، لأن معظم رجال هذه الطبقة كانوا يتخذون زوجاتهم من  التركيات، وهؤلاء طبعنا الحياة العائلية بطابعهن ولغتهن؛ بل لقد غلبت  التركية على العربية، وألقى بالعربية في الشارع حتى غدت في مستوى  العامية، ولم تبقى اللغة الأدبية إلا في الدوائر الدينية، وبقى مثلها  الأعلى لغة القرآن.

وتبوأ الدين زعامته إزاء الاستعباد المستمر وسحق الكرامة  الوطنية، وسادت الفكرة الإسلامية كل نواحي الحياة العامة  والاجتماعية؛ فحال ذلك دون نهضة الشعر القومي؛ وقامت ضد

الفكرة الوطنية فكرة الجامعة الإسلامية، ولم تتخذ الفكرة السياسية  لها مكاناً خاصاً بل غمرتها الفكرة الدينية فسارت في أثرها؛ وهكذا  كان منحا الشعر السياسي فأنه سار في أثر الفكرة الدينية؛ واجتمع  حول رعاية القصر في عهد أول زعيم لنهضة مصر الثقافية في العصر  الحديث ألا وهو الخديوي إسماعيل؛ ومن شعراء هذا العهد علي الليثي  وعبده الحمولي   (كذا)

تقدمت عملية ترقية الشعب علي يد البعثات التي أرسلها محمد علي  إلى فرنسا، وعاد أولئك الشبان إلى مصر يحدوهم العزم في أن يخلقوا  لمصر حياتها العقلية الخاصة؛ بيد أنه كانوا دائماً متأثرين بالنفوذ  الأجنبي ولا سيما النفوذ الفرنسي، وفي أثناء هذه البداية في سبيل  الوحدة القومية وقعت الحوادث العرابية التي انتهت باحتلال الإنكليز  لمصر؛ وهنا ظهر لأول مرة جيل فتي من الكتاب والشعراء يهتف  بحريات الوطن والذود عنها، وشرد أبناءه في السجن والمنفى؛ وكان  أهم أعلام هذا الجيل سامي البارودي محمد عبده.

وبث الاحتلال الأجنبي وما أصاب الوطنية الوليدة روحاً جديداً  في الوحدة القومية؛ وظهر في مصر أول الزعماء الوطنين في المشرق،  وأسس مصطفى كامل تلميذ جولييت آدام وبيير لوتي الحزب الوطني،  وأدرك هذا الزعيم منذ البداية أهمية الشعر والكتابة في النهضة  الوطنية فجمع حوله ما هنالك من كتاب وشعراء قلائل؛ بيد أن هؤلاء  لم يكونوا سوى أبواق سياسية؛ ولم ينبغ من هذا الجيل سوى  شاعرين اقتحما هذه الدائرة السياسية الضيقة في نظمها هما: شوقي  وخليل مطران، فهذان شاعرين بلا ريب وهما يدعوا فقط إلى  الوطنية، بل تجولا أيضاً في ميدان التأملات الخاصة؛ وقد ضم ذهناهما  الفكرة المصرية والفكرة الوطنية وتوثقت فيهما عدائهما رغم أن  خليل مطران ليس مصرياً إلا بالموطن   (وهو سوري المولد)  ففي  نظمهما يرى الإنسان مصر، كما يود أن يراها كل منهما؛ تلك هي  مصر المصرية وللشعب المصري.

هذا ما نشرته الصحيفة الألمانية، وفيه ما يغني عن التعليق، بيد  أننا نلاحظ فقط أن ما نكتبه نحن عن أدب الغرب وعن الحركات  الأدبية الغربية يندر أن يعرض لمثل هذا الخلط في الوقائع والتصوير

وإن لنغتبط إذ يعني القوم بالكتابة عنا كما نكبت نحن عنهم، بيد أنا  نرجو أن يوفقوا في دراساتهم لشؤوننا وحركاتنا بأكثر فيما يبدو في  مقال الكاتب.

اشترك في نشرتنا البريدية