الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 255 الرجوع إلى "الثقافة"

لامية العرب

Share

لامية العرب ، أو أن شئت فقل قصيدة الصحراء ، هى صورة البادية الناطقة ، ولوحتها الخالدة التى تعرض لنا قحلها وجفافها ، قسوتها وأهوالها ؛ حمارة صيفها ، وزمهرير شتائها . وهى من وضع شاعر عاش فيها وخبرها بعد ان عاف الحضر ، وكره سكان المدن لأنه :

طريد جنايات تياسرن لحمه

               عقيرته لأيها حم أول

تنام إذا ما نام يقظى عيونها

         حثاثا الى مكروهه تتغلغل

وصاحب هذه اللامية الشنفرى يبغض أهله ، ويحتقر

عشيرته , فهو لا يستهل قصيدته بالنسب وبكاء الأطلال

أو رثاء الدمن ، ومدح أفراد قبيلته والتغني بصفائهم أو

التحدث عن بطولتهم كما جرت عادة الشعراء ، بل بقوله :

أقيموا بنى أمى صدور مطيكم                      فإنى إلى قوم سواكم لأميل ( ٣ ) ولى دونكم أهلون سيد عملس             وأرقط زهلول وعرفاء جيال

هم الأهل لا مستودع السر ذائع

                    لديهم ولا الجانى بما جر يخذل

وكل أبى باسل غير أننى

         إذا عرضت أولى الطرائد أبسل

وهكذا نجد عبقرية ابن مالك الأزدى تفيض عليه بقصيدة يهب فى أبياتها نسيم الحرية ، ويدوى فى أركانها صوت ابن الصحراء :

وفى الأرض منأى للكريم عن الأذى

                وفيها لمن  خاف القلى متحول

لعمرك ما فى ضيق على امرئ

                    سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل

وتختص الجوع والعطش بأبيات تقرب من الثلاثين , وبمثل هذا العدد وصفت الصحراء وأخلاق الشاعر . والشنفرى فى تصويره للجوع والعطش يرسم لنا لوحة قلما نجدها عند غيره من كبار الفنانين ، فنحن أمام رجل يقول :

أديم مطال الجوع حتى أميته

                       وأضرب عنه الذكر صفحا فاذهل

وأطوى على الخمص الحوايا كما انطوت

                            خيوطه مارى تغار وتفتل

واغدر إلى القوت الزهيد كما غدا

                    أزل تهاداه التنائف أطحل

وأستف ترب الأرض كى لا يرى له

                     على من الطول أمرؤ متطول

وتضيق الصحراء أمامه ولا يجد من القوت شيئا ، فيعرض لنا صورة أخرى يجسد فيها الجوع والشاعر فى شبح ذئب وصفته القصيدة بما يقرب من عشرة أبيات تعتبر من خير الأدب الذى خلقه لنا الشعر الجاهلى . اختار الشنفرى الذئب للتعبير عن الجوع وكان موفقا فى اختياره ، وعرض القطا لتصوير العطش فكان أبلغ وأدق :

وأشرب أسار القطا الكدر بعد ما

                  سرت قربا أحناؤها تتصلصل

هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت

                    وشمر منى فارط متمهل

إلى أن قال :

فعبت غشاشا ثم ولت  كأنها

               مع الصبح ركب من أحاظة مجفل

وغير الذئب والنمر ، والضبع والقطا عرض لبعيره ، وشبه شجاعته بفؤاد السبع ، كما حدثنا عن الألفة التى قامت بينه وبين الأراوى . أما أخلاق الشاعر فأخص ما توصف به الشجاعة والقناعة ، والصبر وعزة النفس ، والفخر ، وقد عبر الشنفرى عن هذه الصفات وغيرها بعبارات قوية وألفاظ منتقاة ، وهذه هى الأسباب التى جعلت من اللامية قصيدة عالية خالدة استحقت من علماء اللغات السامية من الغربيين هذه العناية التى صرفت فى دراستها وإدراك جمالها . فمنذ أن نشرها ( ده ساسى ) واتجهت إليها أنظار كثيرين من المستشرقين أمثال ( فرتل ) و ( قيل ) و ( كزجارتن ) و ( دويس ) و ( ريكرت ) و ( وهمر برجشتال ) و ( الفارت ) وغيرهم الذين عنوا بها عناية خاصة ، ونقلوها نطقا ونثرا إلى اللغات الأوربية ، ولم تقف عناية الغرب بهذه اللامية عند هذا الحد ، بل نرى كثيرين من علمائه أخذوا يتسابقون إلى اقتناء مخطوطاتها وسد حاجة الباحثين بتوفير نصوصها ، فأصبحنا لا نقرأ أى بحث حولها إلا ونجد إشارة إلى نسخة ( بيترمان ) و ( شيرنجر ) ومكتبة ( جونا ) و ( ليدن ) و ( باريس ) و ( الفاتيكان ) و ( أكسفورد ) وغيرها من دور الكتب الغربية الشهيرة . وفى عام ١٨٦٤ رأى شيخ المستشرقين ( نولدكه ) أن الوقت قد حان لإعادة بحث هذه اللامية ، فانصرف إليها وقتا ثم خرج للعالم بكتاب حول الشعر الجاهلى عرض فيه

للآراء المختلفة التى قيلت فى اللامية وناقشها ، ثم قال : ولولا أن رأيت على نسخة - بيترمان - عبارة لامية الشنفرى وقيل إنها متحولة ما تطرق إلى ذهنى شك فى صحتها . وإذا كانت هذه القصيدة كما يدعى البعض غير حقيقية ودخيلة على الشنفرى ، فالشاعر الذى قالها يجب أن يكون ملما بالحياة العربية الجاهلية إلماما تاما ، كما أن خياله كان غزيرا جدا ، حتى إنه ليستحق ان يتبوأ أسمى مكان بين الشعراء الجاهليين . ويذهب بعيدا فى بحثه فيعرض لأبيات القصيدة ومفرداتها على ضوء شعر الشعراء الجاهليين الذين وصلتنا آثارهم ، ويخلص من هذا الدرس إلى قوله : إذا لم تكن هذه القصيدة لبطل الصحراء ، فإنها صنعت لتنسب لمثله ، وما كان فى استطاعة شاعر إسلامى متأخر الخروج من بيئته والتحدث إلينا بمثل قول الشنفرى :

فإن تبتئس بالشنفرى أم قسطل

               لما أغتبطت بالشنفرى قبل أطول

ولم يقف أمر اللامية عند هذا الحد من العناية ، بل نجدها مع مرور الزمن تخطو خطوات واسعة فى التغلغل فى الأوساط الأدبية الغربية بفضل عناية رجال اللغات السامية بالشعر الجاهلى ونشر كنوزه . وبعد أن كانت العناية بهذه الآداب العربية قاصرة على الأفراد ، إذ بها تغزو المجامع العلمية ، فنجد مجمع فينا ينشر دراسة لنولدكه فى خمس معلقات : لزهير ، ولبيد ، وعمر بن كلثوم ، وعنترة بن شداد ، والحارث بن حلزة ، كما أصدر معلقتى امرئ القيس وطرفة عام ١٩١٣ بعد مجهود عظيم صرفه فى بحثهما ( جيجر ) و ( جتز ) . وبينما كان المجمع العلمى فى فينا منصرفا إلى مثل هذا النوع من الأبحاث ، إذ بالمجمع العلمى البافارى ينشر فى عامى ١٩١٤ و ١٩١٥ بميونخ بحثا يعتبر أحسن ما بأيدينا حول لامية العرب للمستشرق ( جورج يعقوب ) . ويكفى أن أقول هنا إن هذا العلامة لم يقدم على

هذا البحث إلا بعد أن مهد له بكتاب عن حياة البدو فى العصر الجاهلى ، وجمع كل المراجع التى تعرضت لهذه اللامية ، كما عنى عناية خاصة بنبات الشرق وحيوانه حتى قال زميله ( فلهوزن ) مرة : يجب على حكومتنا الألمانية أن تقيم حديقتين لحيوان الشرق ونباته وتعين جورج يعقوب مديرا لهما. وهو فى بحثه هذا تراه يصب كل هذه المعلومات فى قالب علمى جميل ، ويناقش فى شئ من اللين والدعة الرأى الذى أجمع عليه شراح اللامية للفظ ( السمع ) الوارد فى قول الشنفرى .

فإنى لمولى  الصبر اجتاب بره

               على مثل قلب السمع والحزم افعل

وقد ذكر الزمخشرى ، وابن زاكور ، وعطاء الله ، والمبرد ، أن : السمع هو ولد الذئب من الضبع : وخالفهم ( جورج يعقوب ) وقال إن مثل هذا التزاوج لم يتم بين الذئب والضبع ، واستعان لإثبات صحة رأيه بحديقة حيوان ( هلاون )التى نجحت فى تجربة التزاوج بين الذئب والثعلب ، وأخفقت فى تحقيق ما ذهب إليه شراح اللامية . فالسمع حسب تقارير الرحالة ، وعلماء الحيوان ، هو حيوان يشبه الكلب ، وفى حجم الحمار إذا لم تصب منه الطلقة الأولى مقتلا تكونت عنده مناعة ضد الرصاص ، وهو يهاجم الإنسان ويضربه بمخلبه الأمامى فيبجر بطنه ويفترسه ، ومن شدة خطره وقوة بأسه لا يستطيع الفرد السير ليلا إلا فى صحبة قافلة . ويطلق عليه علماء الحيوان اسم ( ليكاون بكتوس ) ( Lycaon Pictus ) وهو مشهور بقوة السمع حتى قيل :

تراه حديد الطرف أبلج واضحا

                 أغر طويل الباع أسمع من سمع

وغير هذه الملاحظة يسوق كثيرا من التعليقات والأدلة التى يستشهد بها على صحة هذه القصيدة ويمنية قائلها ، ومن هذه البراهين التى يقصدها قول الشنفرى :

فغبت غشاشا ثم مرت كأنها

                      مع الصبح ركب من أحاطة ( ١ ) مجفل

أو قوله :

نصبت له وجهى ولا ركن دونه

                    ولا ستر إلا الأتحمى (2) المرعبل

وقبل أن يختم بحثه جاء بمعجم لغوى خاص بمفردات اللامية والمعانى التى استعملت فيها ، كما عرض لسائر المراجع الشعرية والنثرية التى استعملت نفس المعانى التى ذكرها الشنفرى . وبعد شرحه للقصيدة جاء بسائر المصادر التى عرضت للامية أو لبيت منها ، وهذا الجزء الأخير هام جدا لا لدارس الشنفرى فحسب ، بل للشعر الجاهلى أيضا .

اشترك في نشرتنا البريدية