هذه كلمة أوجهها إلي حضرات الغاضبين من قرائي الأعضاء ، الذين يمنعهم الغصب على تكلف المشقة في الكتابة إلى ردا على سؤالي الذي ارسلته على صفحات الثقافة منذ حين . ولست انكر ان غضبهم لم يخلف في نفسي إلا الشكر والسرور ، لأنه دلني على قوة التجاوب الذي ينبغي ان يكون بين الكاتب والقاريء فيما يمس شئون الحياة . ومهما يكن من الامر فإن ذلك الغضب لم يكن قاسيا بل لم يكن خاليا من حسن الظن . فليس من الضروري على ذلك ان ابين مقاصدي أو ان التمس لنفسي المعاذير فيما كتبت ، فقد كفاني قراني الأماثل مئونة هذا الاعتذار لأنهم حاولوا في غضبهم الاعتذار عني وتوكيد حسن قصدي . فشكرا ثم شكرا .
على أني لا أزال أكرر سؤالي وانتظر الجواب صريحا بغير لوم ولا غضب ، وإنه لمن حق كل فرد ان يبدي ما في نفسه من حيرة وان يجهر بما يجيش في صدره من اسئلة ، وليس اضر علينا من كتمان ما يدور في صدورنا ، ومداراة ما نحسه من العيوب في نفوسنا ؛ فإن أول مراتب الاصلاح أن نعرف العيوب التي فينا ثم نحاول ان نجد لها العلاج بمبادلة الاراء وتقليبها على وجوهها المختلفة في صراحة تامة وان كانت الصراحة أحيانا تتهم بالعنف .
وقد يكون العنف في إظهار العبوب احب من الترفق ، فهو يهز النفوس ويحملها على الالتفات إلي خطورة التساهل والتغاضى أو الرضى والجمود .
ولست ادري لعلي لم اوفق في سؤالي السابق إلي تصوير المعنى الذي قصدته او لعل سؤالي لم يتخذ الصورة التي تؤدي إلي تبين المقصود منه ، ولهذا فانا أعيده ، هنا واحاول أن أشارك في الإجابة عليه .
أما السؤال فهو : " هل نحن امة بالمعنى المفهوم من
لفظ الأمة ؟ ؟ . "
وينبغي لنا أن نتغلغل قليلا وراء الألفاط إلي الحقائق التي دونها ليكون تفكيرنا واضحا خاليا من الغموض . فينبغي أول كل شئ ان نذكر ان الأمم جماعات من الناس تقيم في قطع من ارض الله الفسيحة كل منها يختص باقليم يعيش فيه ويسعى في التماس الرزق من ثمراته . فالامة المقيمة في إقليم محدود يجب ان نتذكر انها تمتلك قطعة من أرض الله ، وان عليها أن تشكر الله على أنه قد وهب لها اقليمها لتبتغي منه الرزق وتسعى نحو العلا فيه ، وتشارك الأمم الإنسانية الآخرى في الوصول إلي هدف الإنسانية الأسمى من الرقي
والأمة المقيمة في قطعة من ارض الله ينبغى ان تعد نفسها محظوظة سعيدة ، مثلها في ذلك مثل الرجل الفرد إذا أنعم الله عليه بعزبة مثلا يصرف إليها عمله ويعيش من ثمارها بكده وذكانه
ولكن الرجل الفرد إذا افسد عزبته وأهملها لم يحد من يؤاخذه علي ذلك ولا يصيبه من إهماله إلا جزاء واحد وهو الفقر ، واما الامة فإنها إذا افسدت واهملت وقصرت عما يجب عليها أسرعت إليها المؤاخذة والعقوبة بصورة عملية معروفة
فإن الأمم يقف بعضها من بعض موقف الترصد والتحفز ، فإذا رأت ان امة منها تفسد في ارضها وتنصرف إلى النافه السخيف وتقعد عن الانتفاع بخيرات الأرض التى وهبها الله لها ، ولا تشارك في التسامي نحو هدف الانسانية الأعلى من التقدم - إذا وجدت الأمم أن إحداها تقصر مثل هذا التقصير اجمعت كلها على أن تلك الامة المقصرة ليست أهلا للتمتع بإقليمها ولا بالسيادة فيه والاستقلال فلا تلبث إلا قليلا حتى تنبت من بينها امة قوية تستولي على ذلك الاقليم عنوة وتطرد عنه سادته ، وتتولى هي الانتفاع بخيراته ، وتكون هي السيدة ، وتصبح الامة المقصرة المسكينة
ولا خيار لها إلا بين ان تخرج من ارضها وبين ان تقيم فيها على الذل والعبودية .
هذا تصوير بسيط لما يحدث في الحياة في صور متعددة . والحقيقة التي نريد أن نخلص إليها هي أن الأمة إذا لم تكن صالحة للحياة لا تلبث أن نفقد كيانها ، لأن حياة العالم قائمة على تنازع البقاء ، ولا تبقى أمة فيها حرة مستقلة إلا إذا كانت جديرة بالحياة الحرة المستقلة
وأفراد الامة جميعا متضامنون في واجب المحافظة على الأرض التي وهبها الله لهم ، ومتضامنون في واجب القيام على حراستها ودفع الأذي عنها وحفظها ممن يبغي الاعتداء عليها ، كما انهم متضامنون في استثمارها على احسن وجه والسمو بالحياة فيها إلي اعلي مستوي بلغه الانسان ، هذا مسلم به اليس كذلك ؟ .
والأفراد جميعا في كل أمة عليهم واجب أول لا مفر لأحدهم منه ، فإذا تهانوا فيه تعرضوا جميعا للهلاك ، وهو ان يكونوا كتلة اجتماعية واحدة تسعى إلي غاية اجتماعية واحدة ، وان يكون لكل منهم وظيفة يؤديها في نظام اجتماعي عادل يكفل لكل منهم حقوقه ويعطيه قسطه من الخير ، فالتضامن الاجتماعي والعدل الاجتماعي أول شروط المجتمع الصالح الذي يريد البقاء كأمة حرة في الحياة الإنسانية
فالأامة المفككة لاتصلح للحياة ، والأمة التي ليس لها غايات واحدة لا تصلح للحياة ، والأمة التي تفقد العدل الاجتماعي ويظلم بعضها بعضا وتتنافر قلوبها إلي طبقات متباعدة أو طوائف متشاحنة متطاحنة يحقد بعضها على بعض لاتصلح للحياة ، والامة التي لا تجتمع على مثل عليا ولا على اسس ثقافية متجانسة بل تكون لها اسس ثقافية متنافرة متباعدة بعد ما بين المشرق والمغرب ، والتي لا يكون لها مثل عليا أو تكون لها مثل متنافرة ، هذه الامة لاتصلح للحياة والأمة التي اختلفت ثقافتها وتفاوتت عقلياتها
ونشأ من ذلك تفاوت واضح في سلوكها واذواقها وسبل حياتها ، لا تكون امة صالحة للحياة ، اليس هذا مسلما به ؟
فلنعد الآن إلي نوع من التمثيل ، ولنتصور أسرة مكونة من عدد كبير من الافراد بعضهم رجال وبعضهم شبان وفيهم النساء والفتيات والأطفال ، ولنتصور انها اسرة فذة في نوعها ، قد عزم كل من افرادها الا يهتم بغيره ولا يعبأ بأن تربطه بسائر الأسرة اواصر القرني واتحاد الفكر
فأصر كل فرد من أفرادها على أن يكون أمة وحده في كل شئ ، في ملبسه وفي مسلكه وفي عقيدته وفي أفكاره ، ليتصور اسرة كهذه قد سار كل فرد فيها على رأيه وهواه في كل شئ ؛ فرجل منها اعجبه ان يلبس طرطورا احمر مثلا وقميصا وبنطلونا لونهما اصفر ، ورجل اخر أعجبه ان يلبس عمامة زرقاء ، وعباءة خضراء ثم أبى ان يضع قدمه في حذاء ، وهكذا سائر الرجال تفنن كل منهم في ابتكار نوع من انواع الثياب واعجبته هيئته في ذلك النوع فأصر على التزين به وإذا كلمه أحد في ذلك أبى أن يسمع له كلمة وقال له : " هذا ذوقي وهذا رأي فانصرف عني " وكذلك النساء كل منهن اختارت لنفسها حلة مبتكرة وزيا يعجبها وحدها ولا ترضى ، بديلا ثم الشبان والشابات كذلك كل منهم مضى مع هواه في اختيار ثبابه ولم يرض ان بابس إلا ما يعجبه هو دون سائر الناس
تصور اسرة مثل هذه إذا جلست على مائدة الغداء كيف يكون حالها ؟ ايمكن أن يجد أحد من أفرادها شهوة للطعام أو وقتا لأخذ نصيبه من الألوان التي على المائدة ؟ لاشك في ان القاريء العزيز يسلم معي بأن أغلب الظن أن يقبل بعضهم على بعض ضاحكا ساخرا منتقدا ، وقد يثور بينهم النزاع أو الشجار على شيء مما يكون بينهم من الحديث حتي ينتهي بهم الأمر جميعا إلي أن يقوموا عن المائدة جياعا ، أليس كذلك ؟ .
والآن فلنجمع إلي ذلك الوصف وصفا آخر . فهذه الأسرة المسكينة تختلف في عقولها مثل اختلافها في اختيار ثبانها لا بل إن اختلاف افرادها في ذوق اختيار الثوب ليس إلا نتيجة لتباعد ما بين طرق تفكيرهم
فلو فرضنا ان هذه الأسرة عزمت يوما على ان تذهب إلي مكان الصيف مثلا لتقضي اياما للاستجمام ، أيكون من اليسير عليهم ان يختاروا مكانا يذهبون اليه ؟ اظنني لا ابالغ إذا قلت إنهم سيجمعون إجماعا لا شذوذ فيه على رأي واحد ، وهو ان يسير كل منهم إلي مصيفه الخاص الذي يختاره لنفسه ، فإذا انصرفوا تمنى كل منهم ان يختار الاخرون جهات غير التي عزم هو على الذهاب اليها . ولو اردنا ان نرخي العنان للخيال ليتصور احوال هذه الاسرة المسكينة في إصباحها وإمسائها لصورنا لانفسنا قصة ممتعة مممثلة بأنواع المفارقات وعجائب الأقوال والأفعال . ولست اضن يمثل هذا الموضوع الطريف على أحد نوابغ شباننا من مؤلفي القصص ، فهوجدير ان يبدع في تأليف قصة بارعة إذا استطاع أن يصف حياة هذه الأسرة المسكينة
وهذه الأسرة إذا أرادت يوما أن تفكر في شأن من شئوبها كانت مذاهب أفكارها مختلفة متعددة بعدد افرادها فكل فرد منها له شخصيته التي لا يتنازل عنها ، ولكل فدد منها وجهته التى لا يرضى بديلا بها . هي اسرة بالمصادفة لأنها انحدرت من أب واحد وأم واحدة ، واقامت بالمصادفة في بيت ورثته عن الآباء والأجداد . ولكنها أسرة مفككة لا تجمع بين افرادها صلة من وحدة في الذوق ولا من وحدة في الإدراك ولا من وحدة في المثل العليا .
وليست صورة هذه الأسرة المسكينة سوي صورة مصغرة للأمة إذا فقدت التجانس بين افرادها . مثل هذه الأمة تكون أمة مسكينة كذلك ، لا يمكن أن تحيا لأنها فقدت التجاوب الذي ينبغي أن يكون بين أفراد كل جماعة منظمة ، والتجاوب معناه اتحاد النظرية العقلية وتشابه الهزة
العاطفية والتقارب في الآذواق الحسية والمعنوية . فالأمة التي تفقد هذا التجاوب لا تزيد على ان تكون ملايين من الأفراد يعيشون في صعيد واحد ، ولكنهم يعيشون فيه أفرادا اشتاتا لا تربط بينهم روابط معنوية
ونظرة واحدة إلى الأمم الجديرة باسمها كافية لأن تبين لنا كيف تكون الأمم فالأمم المتمدنة تحارب اليوم وتقبل على التضحية بأنفسها وأموالها في سبيل مثلها العليا . هذه الأمم تجتمع كلها بالقلوب والعقول حول تلك المثل العليا الواحدة ، وتري ان حياتها لاتساوي شيئا إذا هي فقدت تلك المثل العليا . وقد يختلف الافراد فيها بعض الاختلاف في الرأي والذوق والميل لان هذا طبيعي . ولكن المعاني الكبري التي هي أساس الاجتماع لا يمكن ان يختلف الناس فيها ، لأنها اب الحياة الاجتماعية . وإذا نحن نظرنا إلي الوراء عبر القرون تبين لنا ان الأمم المنقرضة لم يحكم عليها بالزوال الا لأنها فقدت مثلها العليا ، وفقدت بذلك تلك الرابطة القوية التي تستطيع أن تجمع كتلتها .
فلننظر الآن إلى مصر نظرة الفحص ثم نحاول الإجابة على السؤال الذي سالته في مقالي السابق وهو : " هل نحن أمة ؟ " وقبل الاجابة على هذا السؤال ارجو ان نسأل سؤالا آخر مثل هذا : ما هي الصورة التي نحب ان نكون عليها في مستقبلنا ؟ " ولنصور لأنفسنا إذا طرحنا مثل هذا السؤال ماذا يكون الجواب الذي ننتظره من الطبقات والطوائف المختلفة في مصر
لا شك أن المنصف لا يخدع نفسه عن الحقائق ، ولا شك في أنه يسلم بأن الاجابة عن ذلك السؤال سوف تختلف اختلافا بعيدا بعد ما بين المشرق والمغرب . فاصحاب المذيات الطويلة الذين اشرنا إليهم في المقال السابق : يحسبون بغير شك ان المستقبل الزاهر لا يتحقق الا بأن تحفو الشوارب وتعفى اللحي ونرخي المذبات الطويلة .
هذا إذا هم لم يختلفوا فيما بينهم على اطوال اللحى والمذبات .
وأما أصحاب اللهو الذين بهرهم بربق المظاهر فانهم لا يرون المستقبل الراهن إلا في إباحية لا قصد فيها ، ومتعة لاجد معها وأما المتزمتون فإنهم بغير شك يتنفسون انفاسا عميقة حزينة ويبدون الحسرة على القرون الخوالي وما كان فيها ويتمنون عودتها ، أو يقول آخر يتمنون المستحيل . وسوف نجد في تلك الأجوبة الوانا متعددة متدرجة الظلال منها الخافت ومنها الصائح ، ومنها ما ما هو بين بين وليس من العدل ان نقول إن اختلاف الآراء امر منكر ، فإنا نعتقد كما تقدم أنه طبيعبي وواجب ، ولا يكون
للحياة طعم إلا إذا كان للفرد ان يخالف غيره إذا شاء . ولكن الغايات الكبرى التي يجتمع الناس من أجلها ويعيشون عليها معا في امة واحدة يجب ان تتنزه عن الخلاف والتصارع
أعود بعد هذا كله إلي سؤالي فأكرره بأعلي صوتي : " هل نحن امة ؟ فإذا كنا امة فالحمد لله على ذلك ، والا فلنحاول ان نلتمس الوسائل لكي نصير امة صالحة للحياة
وليجب كل فرد لنفسه حتى يكون صريحا . وحسبي أن يتمتم هادئا ويعلق على السؤال بما شاء بغير غضب
