تدور الحرب في الشرقي الأقصى ، وفي المغرب الأقصى قد أخذت العالم القديم من أطرافه ، واستمر لظاها في جوانبه ، والعالم كله يمدها بالوقود ، وينفخ في ضرامها . ولكن الميادين اليوم تحتل الأطراف دون القلب والوسط . وفي الميادين الغربية تدور الحرب بسرعة ، وتتقدم الجيوش أو تتراجع في غير هوادة ، ولا تمضي أيام حتى تتبدل المواقع ، وتنتقل المعارك إلى الأمام أو إلى الوراء وفي الميدان الروسي نسمع من يوم إلى يوم بنبأ جديدة فجيوش تحاصر ، ومدن مهدمة تسترد ، وأنهار تعبر ، ولننجراد يفك حصارها بعد عام ونصف ، وسهول أوكرانيا والقوقاز بحر يتعاقب عليه المد والجزر ، والكر والفر . والملايين من الجند تقضي الشتاء القارس في معارك لا تقل هولا وشدة عن معارك الصيف .
وفي إفريقية الشمالية ميدان أضيق مدي من الميدان الروسي ، ولكنه قد لا يقل عنه خطرا ، وقد انقسم هذا الميدان شطرين في تونس وطرابلس ، وثبت الألمان في الأولى ، وتراجعوا في الثانية ، وليس ببعيد أن يتحد الميدانان عما قريب ، فيصبحا ميدانا واحدا
وهكذا نري الميادين الغربية تموج بالجيوش الجرارة ، وتبدل كل يوم صورة بصورة ، فإذا قارنا بينها وبين ميادين الشرق الأقصى خيل لنا ان الحرب هناك تحبو كالسلحفاة ؛ ولا تكاد الصور والأشكال ان ينالها تحول أو تبدل ، بحيث باتت أنباؤها لا تحتل من صحفنا سوى ركن ضيق وسطور قلائل ، وبحيث يكاد المرء ان يصفها كل يوم بأن " لا جديد في الميدان الشرقي فهل هذا لأننا لبعد الشقة وجهلنا بتلك الأقطار النائية
لا نستطيع أن ندرك أهمية " وادي الكبار ، وأن الاستيلاء علي بونا وجونا حدث جليل وفوز مبين ؟
إن الأمر الذي يدعونا لأن نتوهم أن " لا جديد في الشرق الأقصي هو اننا نقارن بين اليوم والأمس ، وما يدور من المعارك في هذا الشتاء والشتاء الماضي . ونقيس احداث حرب اليوم بما كان يجري في العهد الأول من الغزو الياباني ، فيخيل إلينا ان الميدان الشرقي يغشاه الركود ،
ففي مثل هذا الوقت من العام الماضي كان الزحف الياباني يتقدم بخطي رائعة ، وينتقل من فتح إلي فتح ، ومن نصر إلي نصر بسرعة باهرة ، جعلت من الصعب علي المرء أن يتتبع تلك الأحداث التي كانت تتوالي من غير بطء أو هوادة ، وكأنما تجري بإحكام ودقة كأنها آلة تتحرك كل اداة فيها بحركات قد رسمت لها من قبل وقدرت تقديرا دقيقا ، بحيث تحدث في الوقت المقرر وفي اللحظة المقررة ، لا يعتريها وهن ولا يدركها اختلال . وبالرغم من ان اليابان لم تنجح في الاستيلاء على الفلبين مرة واحدة ، فإنها منذ أول لحظة استطاعت أن تعطل الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي ، وأن تعطل قوات الطيران بضربات غادرة مفاجئة ، ولكنها من غير شك ناجحة موفقة ؛ فأحرزت السيادة في الجو والبحر ما بين عشية وضحاها ، وأصبحت السيادة في البر أمرا رهينا بالوقت الذي تستطيع فيه الجيوش أن تتحرك وتحتل ، ولم يكن ذلك بالوقت الطويل . فلم تمض أشهر قلائل حتي استولت اليابان علي جزر الهند الشرقية كلها ، وهي بلاد الملايو وبرما ، ووقفت على أبواب الهند من جهة وأبواب أستراليا من جهة أخري ؛ ثم أدركها موسم الأمطار في الهند ، فتوقفت الحرب هناك فترة من الزمن . ولم يكن بد من التمهل قليلا علي أبواب أستراليا ريثما تعد العدة لغزو هذه الجزيرة
الضخمة ، بل القارة التي تبعد عن اليابان بنحو اربعة آلاف من الأميال
لم تكن تلك الانتصارات اليابانية الهائلة راجعة إلي خطة المفاجأة وحدها ، أو إلي أن بريطانيا كانت في شغل بحربها في الميدان الغربي عن إعداد العدة اللازمة للدفاع عن برما وبلاد الملايو ، أو إلي ان أمريكا لم تحشد القوات الكافية للدفاع عن الفلبين لاشك ان لكل هذه الأمور أهميته في نجاح اليابان ؛ ولكن تلك الفتوح السريعة كان يرجع الفضل فيها قبل كل شئ إلي الاستعداد الطويل ورسم الخطط المحكمة قبل المعركة بسنين ، وتدريب الجيوش اليابانية تدريبا دقيقا على حرب الغابات والمستنقعات في اقطار مثل جزيرة هيتان وفرموزا تشابه تماما في ظروفها وطبيعة أرضها الأقطار التي تقرر غزوها ،
وأدرك قادة اليابان أن العائق الأكبر في نجاح خطتهم هو المسافات البعيدة التي تفصل بين بلاد اليابان والأقطار التي تريد غزوها ، فتغلبوا علي هذه الصعوبة باحتلال الهند الصينية الفرنسية ، وتحويلها إلي ميدان لحشد الجيوش . وأعدوا من السفن الحاملة للطائرات عددا ضخما يتكافأ مع الخطة الواسعة التي رسمت ، وأنشأوا أنواعا جديدة من السفن يحمل كل منها عددا كبيرا من الزوارق لنقل الجنود من أجل مهاجمة الشواطئ والنزول إلي البر ، سواء كانت المياه الساحلية ضحلة أو عميقة . . ولم يترك قادة اليابان صغيرة ولا كبيرة إلا حسبوا لها حسابها ، وأعدوا لها عدتها ، بحيث استطاعوا في المرحلة الأولى من غزوهم أن يحققوا برنامجا هائلا بحرب خاطفة بهرت العقول ، وأثارت الدهشة في النفوس . ولكن ميدانا رقعته الكرة الأرضية كلها ، لم تستطع حتي تلك الحرب الخاطفة الباهرة أن تفرغ منه تماما ، وان تقهر العدو قهرا تاما . وقد وصلت الحرب الخاطفة في الربيع الماضي إلي المدي الذي استطاعت
ان تبلغه ، والذي لم يكن من الممكن للقوي البشرية أن تبلغه أكثر مما بلغ ولم يكن بد من أن يهدأ القتال نوعا ما ، وان يقف الزحف الياباني فترة من الزمن ريثما تعد العدة لمتابعته في شتاء هذا العام
وقد دارت الأرض دورتها ، وحال الحول علي الزحف الياباني الباهر المفاجيء . . وتطلع الناس إلي الميدان الشرقي ينتظرون ما أعدته تلك الجيوش المظفرة من خطة جديدة وفتح جديد ، وما تبذله من جهود لغزو استراليا والهند فإذا نحن نري تلك الجيوش التي لم تكن تعرف إلا الهجوم تقف موقف الدفاع ، ولا تحاول إلا الاحتفاظ بما في ايديها دون التفكير في فتح جديد . ولئن كانت اليابان راغبة عن استراليا ، لا تطمع في الاستيلاء عليها ، فليس بمعقول ان تكون راغبة عن الهند ، وقد ربضت جيوشها على أبوابها ، والهند مستودع مال ورجال ، وثروة عظيمة لا يعقل ان تعف عنها نفس اليابان بعد أن قطعت هذه المراحل الطويلة من أجل الوصول إليها
لابد أن تكون هنالك أسباب خففت من غلواء الخطط اليابانية ، وألزمتها أن تأخذ بأسباب التريث والحيطة وان تعد العدة لحرب طويلة الآمد ، بعد أن أيقنت أن عهد الغزو الخاطف قد انتهى وأيا كانت تلك الأسباب ، فإن هذه الخطط الجديدة لا تعدو أن تكون متأثرة بالظروف والاعتبارات الآتية :
الأمر الأول أن مر الزمن كان دائما لمصلحة أعداء اليابان عامة ، ولمصالح امريكا بوجه خاص ، فقد كانت الولايات المتحدة تعمل للحرب في شيء كثير من التؤدة والرزانة علي طريقة الدول الديمقراطية ) إلي ان نبهتها نكبة بزل هارير بعنف ، فأخذت تبنى الاساطيل وتنشئ الجيوش الجرارة في سرعة هائلة لم تعرف حتي أمريكا لها نظيرا . أخذ الشعب الأمريكي يعمل بيد واحدة وعقل واحد ، وليس امامه سوي هدف واحد ، قد كرست له
كل الجهود ، وانصرف إليه كل نشاط . وقد استطاعت اليابان بزحفها الخاطف أن تعطل أداة الحرب الأمريكية أو تضعفها في المحيط الهادي ، ولكنها لم تستطع أن تقضي عليها ، ولم تقدر أن تمس الولايات المتحدة نفسها بأذي كبير . وقد استولت اليابان في فتوحها علي موارد كبيرة للتصدير والبترول ؛ ولكن الولايات المتحدة أغني بلاد العالم في البترول ، وفي وسعها أن تحصل علي كفايتها من التصدير ، واستولت اليابان علي أعظم أقاليم العالم إنتاجا للمطاط ؛ ولكن الولايات المتحدة قد أدخرت مقدارا كبيرا من هذه المادة يكفيها فترة من الزمن ريثما يتاح لها أن تنشئ المصانع الجديدة لإنتاج المطاط الصناعي . . وقد توقفت القوات اليابانية في غينا الجديدة - على أبواب أستراليا - ولم تستطع التقدم بعد ذلك ، فأعطت أمريكا الوقت الكافي لحشد جيوشها البرية والبحرية والجوية في أستراليا ، ونظمت القيادة المشتركة ورسمت الخطط لمقاومة الزحف الياباني . والحرب الخاطفة خطة لا بأس بها إذا كانت تصل إلي غايتها كاملة غير منقوصة ؛ وإذا كانت تستطيع قهر عدوها قهرا تاما لا يستطيع أمامه إلا التسليم . ولكن الزحف الياباني كان سريعا جدا وشمل مساحات هائلة وبحارا واسعة ، ولم يكن بد من أن يستنفد الجهود الأولى ، وأن يمضي وقت غير قليل ، قبل أن يتاح للجيوش اليابانية أن تستأنف مرة أخرى زحفها السريع وهذه الفترة قد أستغلتها أعداؤها أتم استغلال بحيث استطاعت أن تضع في الميدان قوات لا تقل عن القوات اليابانية عدة وعددا ،
والأمر الثاني الذي لا بد أن عاق التقدم الياباني هو أن هذا الزحف الواسع السريع . برغم نجاحه ، وبرغم قلة استعداد الدول الديمقراطية - لم يتم دون أن يكلف اليابان ثمنا غاليا في الرجال المدربين والعدة الحربية ، التي لم يكن من السهل تجديدها وحشدها في تلك الميادين البعيدة
فإن المقاومة الطويلة في الفلبين ، وجزر الهند الشرقية ، وحرب التراجع التي قامت بها الجيوش البريطانية في الملايو وبرما ، قد قضت على شطر غير قليل من العدة اليابانية التي اقتضي جمعها وإنشاؤها السنين الطوال . وهنا لا بد لنا أن نذكر أن براعة اليابان كانت دائما تظهر في جمع العدة اللازمة للحرب وتكديسها ، وإخفاء ما لديها من الموارد الحربية بحيث يكاد العالم الخارجي ألا يعرف عنها إلا القليل ، وهي دائما أكبر وأضخم مما يتوهمه أكثر الناس تشاؤها . ولكن الجمع والتكديس شئ ، والإنشاء والتجديد شيء آخر . وبعد المرحلة الأولى من الحرب اليابانية انتهي دور الجمع والتكديس ؛ وجاءت فترة الإنشاء والتجديد . ولليابان قوة صناعية هائلة تضارع قوة أي دولة . وقد استولت في غزوها الجديد علي أقطار غنية بالبترول وبعض المعادن ؛ ولكن لا تزال اليوم كما كانت بالأمس تفتقر إلي مادة خطيرة من المواد التي لا يمكن الاستغناء عنها ، وهي الحديد . فقد كانت اليابان تستورد الشطر الأكبر مما تحتاجه مصانعها من الحديد من العالم الخارجي ، وقد حيل بينها اليوم وبين تلك الموارد . وعلي افتراض أنها لا بد أن أدخرت من هذه السلعة الثمينة مقادير عظيمة ، فإن من الواجب أن تنفقها بتدبير وتقتير شديد . وإذا كان المعول في النصر النهائي في هذا العراك في الشرق الأقصى على مقدرة الدول المحاربة علي تجديد عدتها ، فإن اليابان في مركز أقل ملاءمة لمثل هذا التجديد من خصومها .
والأمر الثالث الذي يدعو القيادة اليابانية أن تسلك خطة الحذر أنها من غير شك قد منيت بخسارة فادحة في قواعدها البحرية والجوية في بعض المعارك التي دارت رحاها في المحيط الهادي . ففي شهر مايو الماضي أخذت اليابان تحشد السفن الحربية وحاملات الطائرات والجيوش في الجزر القريبة من استراليا ، فتصدت لهذه القوات سفينتان من حاملات الطائرات الأمريكية ، فاستطاعت في معركة
بحر كورال أن تغرق ثلاثا من حاملات الطائرات اليابانية ، ونحو عشرين قطعة حربية اخري ؛ ثم دارت بعد ذلك بقليل معركة اخري حول جزيرة مدراي ، ومنيت فيها الاساطيل اليابانية بخسائر فادحة في السفن بمختلف انواعها ، وفي الطائرات ورجال الطيران ، وفي كلا الحالين كانت خسائر الولايات المتحدة قليلة . ودارت معارك بحرية اخري أقل من هاتين خطرا ، ولكنها في مجموعها قد كبدت اليابان خسائر ليس من السهل تعويضها ؛ واصبحت متابعة الزحف السريع والتقدم الخاطف بعد هذه الخسائر ضربا من المحال
ولم يقف الأمر عند هذا ، بل تجاوزه إلي اتخاذ القوات الأمريكية والأسترالية خطة الهجوم بعد أن التزموا في الفترة الأولى خطة الدفاع والتراجع ، وهذا الهجوم تناول إقليمين ؛ الأول جزر سليمان ؛ والثاني جزيرة غينا الجديدة وجزيرة وادي الكنار هي أهم جزر سليمان وأقربها إلي الجنوب ) أي من جهة استراليا ( ، وتمتاز بأنها تشتمل على قواعد للطيران . وقد استطاعت الأساطيل الأمريكية الآسترالية ان تستولي على هذه الجزيرة ، وان ترسخ اقدامهم فيها ؛ وقد بذل اليابانيون جهودا جبارة لاستردادها وإجلاء اعدائهم عنها ، فلم يفوزوا ببغيتهم ، وكبدتهم هذه المحاولات خسائر اخري في السفن والرجال والطائرات وفي ميدان غينا الجديدة ، وهي الجزيرة الكبرى الملاصقة لاستراليا من جهة الشمال ، والتي وقف الزحف الياباني عندها في الربيع الماضي ، لزمت الجيوش اليابانية خطة الدفاع ايضا وأخذت تتراجع أمام القوات المتحدة ، وهي تدافع عن كل شبر من الأرض .
إن هذه الصورة التي ترسمها حوادث الشرق الأقصي اليوم بعيدة كل البعد ، ومباينة كل التباين لما عهدناه في الزحف الياباني في الشتاء الماضي . ومع أننا لا نستطيع أن
) البقية علي صفحة ٢٤ (
( بقية المنشور على الصفحة الأولى )
نتصور أن زحف الجيوش المتحدة سيمضي في طريقه نحو الشمال مستردا بعض ما فقدته في الشتاء الماضي ، فإنه على كل حال استطاع ان يقف الزحف الياباني ، وان يرده إلي الوراء قليلا وإذا انتقلنا من الميدان الجزري في المحيط الهادي إلي الميدان القارى في الهند ، فإننا هنالك نري الفريقين يواجه كل منهما الآخر دون ان يقدم على زحف واسع النطاق . وإذا كانت مثل هذه الخطة مفهومة ومقبولة من جيش الهند ، فإنها غريبة غير مألوفة من جيش الدولة التي اكتسحت جزيرة الملايو ، وبرما واستولت على سنغافورة وجزر الهند الشرقية في تلك المدة الوجيزة . والوقت الحاضر هوأ كثر الأوقات ملاءمة للزحف على الهند ، فإذا لم تتحرك الجيوش اليابانية بزحف جديد في الأشهر الثلاثة القادمة ، أدركها موسم الأمطار مرة أخرى ، وأعطيت الفرصة للجيش الهندي بأن يزداد استعدادا
ولقد كان كثير من الناس يتوقعون أن تغير اليابان على سيبريا ، وتفتح هناك ميدانا جديدا تحارب فيه عدوها اللدود روسيا ، وتساعد به حليفتها الجديدة ألمانيا ، فإذا اليابان لا تفعل شيئا من هذا ؛ بل تكتفي حتي في الصين بحرب بطيئة ، مع أن فرصة انشغال روسيا بحربها مع ألمانيا فرصة لا يمكن أن تعوض .
وهكذا اجتمعت ظروف واعتبارات عديدة اضطرت معها قوات اليابان لأن تخفف من غلواء ، زحفها ، وان تستبدل بالزحف الخاطف خطة أكثر هدوء واستقرارا . وأصبحنا بالقياس إلي الشتاء الماضي نتوهم الا جديد في الميدان الشرقي .

