الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302 الرجوع إلى "الثقافة"

لا صلاح لأمة، أرزاقها بيد الغرباء

Share

حياة الفراديس لا يلقاها إلا الذين صبروا ، وأولئك قلة ؛ أما الكثرة الغالبة من الشعوب ، فتحل مشاكل عيشها عن طريق اقتسام الارزاق ، وليس من المستطاع تقسيم الارزاق إلا إذا امتلكت الأمة أرزاقها ، فإذا ما تسربت أرزاق الأمة إلى أيد طارئة ، تسربت أخلاق  الأمة المستضعفة إلي مناطق الذل والخنوع والجوع .

فمن ملك رزقي ملكتى ، ومن ملكت رزقه امتلكته ، إلا العظماء ؛ بل قل وكذلك العظماء . فالذي يمسك الإنسان بالأرض القوت ، والذى يمنع الإنسان من  التحليق في اجواء العقل القوت ، وللقوت طواغيت  كبري ، اسمها البروج المشيدة فوق أكتاف الاستعلاء  وشهوات الاستحواذ.

فالقوت أكثر من مشكلة ، وأبعد من مسألة ، وفوق كل ذي فكر ورأى سليمين . فالحياة مهددة بالفناء  إن انت هددتها بمنع الافوات ؛ والحياة تصير إلي زوال إن انت باعدت بينها وبين ملء الأمعاء . لأن خالق المخلوقات قدر لها ان تغتذي ، والغذاء عملية قضم وهضم : فتوزيع بقسطاس مستقيم ، فدبيب حياة إلي خلايا الأجسام ، فحركة ، فهذا الكون ، أو هذا العدد الهائل من الأحياء الذين ينتشرون في الأرض ليعمروها ويتثيروها ، ويزينوها .

ففوق العقل كابوس ، اسمه اين القوت !وفوق  البصائر كابوس ، اسمه هل يمكن التغلب على القوت ! ومن هنا تستذل امم وتستعلي امم ، وتوجد الفوارق بين الأفراد والجماعات وبين الشعوب .

فقضية الشرق تحل عن طريق حل قضية القوت . وليس من الحقيقة في شئ ان يتعالي بعض الناس وهم بزعمون ان القوت من المحقرات ، وان الحقراء وحدهم هم الذين يقومون له ويقعدون . فأمعماء هؤلاء ، ذات اكتظاظ

ولولا اكتظاظها لما قالوا قولهم هذه . ومنهم جياع ، ولكنهم يتعالون تعالي العبد وجد في مكان به اثرياء اقوياء ، فشمخ بأنقه ليوهمهم انه لا يقصر عن ملاحظتهم في بحبوحة عيشهم . هي كبرياء كاذبة مضللة ، اضرت بالأذهان ، ولبئس قول المضللين .

وحل قضية الفوت في مصر  يأتى عن طريق رد  الحقوق إلى أهلها ، إذ كثر من نصف ثروة مصر يملكها الأجانب ، ونصف النصف بيد الشعب ، والباقي بيد فئة قليلة العدد كبيرة الأمتلاك .

فالحق أن الاستقلال استقلال الاقتصاد ، والباطل أن يكون الاستقلال عن طريق إصلاح النفوس . لان النفس لا تصلح ولا تفضل إلا إذا وفرت لها الغذاء . فخذ من  الناس ارزاقهم تذقهم لباس الجوع ، وإنه لأقسى صنوف  الآلام ، وإنه المهد الأعظم لاستعباد شعب من الشعوب .

فإذا نظرت إلي التاريخ امكنك أن تلمح اتجاهه يميل وينحرف ، تبعا لميل القوت وانحرافه . فلقد أجل الله القىء المسلمين المجاهدين حتى يمكن المسلمين حكم الشعوب المفتوحة . ولقد حكمت ريطانيا نصف المعمورة عن طريق  التصرف في أقوائها وحكمت أوروبا منبع الثورات والحريات عن طريق التصرف في أقوائها . وها هى  الولايات المتحدة نزحف إلي الميادين بقوة الارزاق لا بقوة العقائد فقط . ولقد اقفرت الصجاري من السكان لانعدام الارزاق ، واحتشدت الأنفس في مجاري الأنهار لأن الأقوات ميسورة ومبذولة .

ومن ادلة قوة القوت ، ان المانيا ضاعت في الحرب العظمي الاول ، بضياع القوت ، والأمم الإسلامية استعبدت عن طريق امتلاك الأقوات.

فالقوت القوت القوت ! وليحذر الناس أن يهونوا من اثره ، تحت تأثير الأقلام المريضة التى تحقر من أثر الأقوات في النفوس ، وهي نفسها ما احترفت الكتابة إلا

لترتزق . وليثق الناس أن الحياة اعقل من الأفراد ، وان للطبيعة نوامبسها المحكمة التى لا تحوي خللا أو تبلبلا . والطبيعة تقول من الختم ان يا كل الإنسان ليعيش ، ولا  تقول من الختم ان يعيش الإنسان ليأكل . فانا مع سقراط في حكمته هذه ، إن كان هو الذي قالها ، وانا ادعو الناس ليتأملوا معي حكمة هذا الفيلسوف ، ولسوف يجدونها اعمق من المحيط الإطلانطي .

أنا آكل لأعيش ، ولا آكل لآكل ، لأن من مسببات الحياة ان يدخل الطعام الامعاء . فإذا ما فرغت من حشو الامعاء وجب فورا انطلق إلي غاية الحياة العظمى ، وما غاية الحياة الدنيا إلا الإدراك ، وما الإدراك إلا عبادة رب العالمين . مثل هذه الحياة الدنيا كمثل شجرة جذورها الدين ، وجذعها الفلسفة ، واغصائها العلوم ،  وأزهارها الفنون وهذه المناطق جميعا تنعم بانعدام الغذاء  الساري في خلايا الشجرة ، وغاية الشجرة ان تعطى رائحة أو ثمرا ، أو غير ذلك كثير . وغاية الإنسان إذا ما الم بهذه المناطق ، وسار علي نسق منها وهدى من ربه متين ، ان يعطي عبادة . وارفع أنواع العبادات ، الجهاد في سبيل الله ، والله هو الحق الأعلى والمثل الأعلى

فإذا أمكنك أن تجد الرائحة تفوح من الأشجار من غير تغذية هذه الأشجار ، امكنك ان يجد الإنسان الأعلى في الإنسان من غير ان تغذي الإنسان . فالقوت أس الضروريات لحفظ الحياة ، وما اوجد الله هذا المعمل العظيم  الذي تحويه فى باطننا عبثا ، إن لكل شئ غاية ، وغاية الأجسام ان تتغدي ؛ وإن لكل غاية غاية أعظم منها ، وأعظم من الأجسام العلو بالأجسام نحو المناطق العقلية .

ذلك من أسرار الحياة ، نكشف عنه ، ولقد كان معلوما ، وفي النفوس مفطورا ، ولكنه ظل مطمورا ، فإلى الذين بيدهم توجيه هذ البلد ، ان يحسنوا سياسة البلد ، ويحفظوا أرزاق البلد بيد أبناء البلد !!

اشترك في نشرتنا البريدية