الأدب من الفنون التى لا تعرف إلا الصراحة ، وإذا فقد الأدب الصراحة أصبح شيئا لا روح له . هذا من البديهيات . ولذلك كان واجبا على النقد الأدبى أن يكون صريحا لأنه متصل بالأدب ولأنه فى ذاته قد يكون أدبا . ولقد كتب الأستاذ الجليل طه حسين مقدمة لكتابه (( فصول فى الأدب والنقد )) يصح أن نعدها حجة قوية فى جانب النقد الأدبى وأنه من صميم الأدب .
ولذلك كان من الضرورى أن يكون الناقد أديبا من صميم الأدباء . وكان من الضرورى كذلك أن يكون من الثقافة والعلم بالفن الذى ينقده بحيث يكون لنقده معنى . هذا أيضا من البديهيات .
أكتب هذا كله بمناسبة كلمة نشرت فى مجلة (( أخبار ليوم )) الغراء فى نقد كتاب (( مع الزمان )) للعبد الفقير كاتب هذه السطور . ومجلة (( أخبار اليوم )) حبيبة إلى عزيزة على ، وصاحبها وجل محرريها من أفاضل الأصدقاء الأدباء بغير شك . ولكنى مع ذلك آخذ على (( البيضاوى )) ناقد الكتب فى المجلة العزيزة بعض أمور صغيرة بمناسبة تلك الكلمة القصيرة التى كتبها من كتاب (( مع الزمان ))
وأول هذه المآخذ هو أن الناقد المبجل يأبى أن يظهر وجهه ويتخذ لنفسه اسم (( البيضاوى )) ، ولعله يريد ان يعطي قراءه صورة صاحب العمامة الكبرى ، وصاحب التفسير الشهير ، لكى تكون لكلماته صبغة من القدسية . ولكنا نظن أن العصر قد تقادم على (( البيضاوى )) وأصبح اليوم لا يذكره أحد فى باب الأدب ، وكان خيرا لو سمى نفسه (( الحاحظ )) مثلا فهذا الاسم أقرب إلى النقد الأدبى ، ومع ذلك فقد كان خيرا من هذا أن يكتب اسمه الصريح ، فقد يكون فى هذا ما يلقى الضوء على آرائه حتى لا يظلم اسم
(( البيضاوى )) بنسبتها إليه
والمأخذ الصغير الثانى هو أن هذه الكلمة ذكرتنى بصديق قديم عليه رحمة الله كان لا يعجبه كتاب لأحد من خلق الله ، وقد حدث مرة أن رأى كتابا على مكتبى فسألنى عنه فقلت إنه مؤلف بديع لصديق من الأصدقاء ، فتناول الكتاب بيده ثم (( فر )) صفحاته سريعا بين إصبعين وطقطق بلسانه قائلا : (( لا . مش حاجة ! )) .
فالسيد (( البيضاوى )) لم يتناول بالنقد شيئا واحدا من القصص ، ومع ذلك فقد رأى فيها رأيه - وهو أعلم بحكمته فى ذلك فلا أحب أن أجادله فى رأيه .
والمأخذ الثالث أن السيد (( البيضاوى )) على ما يظهر قد قرأ مقدمة الكتاب ، وأحب أن يأخذ من أقوالها ما يقيم به الحجة على . وهذا من عجيب الأمر ! فإنى لم أكتب للناس مقدمة فحسب بل كتبت لهم قصصا متعددة ، فلست أدرى الحكمة فى أنه لا يكتب إلا عن المقدمة ! ولعل السيد البيضاوى حكمة يعرفها ، وأغلب ظنى أن القصص التى كتبها تتعلق ببعض عصور التاريخ ، وليست فى التفسير مثلا ، ولا فى دائرة أخرى من اختصاصه .
والمأخذ الرابع أنه عند ما نقد رأيى فى المقدمة رأى أن يلومنى على أنى أنهيب قارئى وأننى لا أحب أن أقدم له فيما أكتب لغوا من الحديث .
نعم إنى أعرف قرائى وأجلهم ، ولا أريد أن أعامل من يريد قراءة قصصى إلا معاملتى لقرائى الأعزاء . نعم لا أريد أن أعبث بهم ، أو أسخر منهم ، لأنى لا أعرف العبث ولا السخرية . أنا أجدتهم بقلبى ووجدانى وروحى ، وليس فى هذا شيء من العبث أو السخرية . لست أحب أن أتملق الغرائز ، فهذا ليس من طبعى ، ولا أحب استدرار رغبة القراء حرصا على النفع . وحسى أن يقرأنى الأقلون ، لأنى لن ألبث حتى يقرأنى الأكثرون إذا ما نقلتهم إلى جانبى . لا أذهب أنا إلى القراء بل أدعوهم إلى ، وأسير معهم نحو الأفق
المتلألئ الطاهر . هذا ما لا يعجب السيد ((البيضاوى )) ، لأنه على ما يظهر قد ترك ماضى اسمه الكريم ، وأصابته عدوى الهستيريا الحديثة ، فهو لا يحب إلا أن يطلق الغرائز ، ويستدر رغبة العبث . وهو يريد أن أسخر من قرائى ، وأن أحملهم على إفساد أرواحهم . فإذا كان هذا ما يريد حقا فلست معه ، وليغضب على كما يشاء له هواه ولكنى أطمئنه بأن قرائى يرتاحون إلى مثل ارتياحى إليهم ، وإذا كنت لا أعجبه فهذا من سوء حظى ، أما قرائى فإنى قد أعجبتهم والحمد لله ، وقد دل الواقع على أنى قد أعجبهم فيما كتبت .
والمأخذ الخامس والأخير ، أنه أراد أن يحط من شأن الكتاب ، فوصفه بأنه يليق أن يكون مطالعة المدارس . مرحى يا سيد بيضاوى ! إن هذا والله فى نظرى بديع وجدير باختباطى . فلست أحب شيئا أكثر من أن يكون كتابى فى يد الأبناء يقرأونه ويمتلئون ما فيه ، فهم جيل الغد الذين أعلق عليهم كبار الآمال
وقد أراد الأستاذ الجليل طه حسين مرة أن يمدح قصة زنوبيا التى ألفها منذ حين ، فنصح لأولى الأمر أن يجعلوها فى يد الشبان من الطلبة ليقرأوها ، وكانت تلك تحية نبيلة شكرتها للأستاذ الجليل .
فلست أدرى حكمة السيد البيضاوى فى قولته تلك ، وأغلب ظىي أنه لا يعرف المدارس ولا يؤمن برسالتها ولا يعرف لها قدرا ، وقد يكون له فى ذلك عذر ، وأنا أحب أن ألتمس له المعاذير . وأما الحقيقة فهى أنى أكون أعظم كتاب مصر اغتباطا إذا سمع تلاميذ المدارس نصحه وأقبلوا على كتاب (( مع الزمان )) فجعلوه مطالعة لهم .
أسأل الله أن يستجيب له ببركة اسمه الكريم .
لا لا! يابيضاوى . ليس هذا بالكلام .
