لم يمر على البرلمان ولا على الصحافة وقت أصبحت فيه المهمة الموكولة إليهما في حاجة إلى عناية ويقظة كالوقت الذي نحن فيه. ومما لا شك فيه أن الديمقراطية لا تقدم على الحرب إلا إذا أفرغت كل ما لديها من الوسائل لاجتنابها. إذ الحرب وعلى الأخص الحرب العصرية - لا تخلو من خسارة موقوتة تقع على الديمقراطية نفسها. فالحكومة في هذه الظروف على ثقة من أن حالة الحرب ستبرر كل ما تطلبه من النفوذ الدكتاتوري، ومن ثم تعمل تحت تأثير هذا الشعور. فالحرية الشخصية يجب أن تحد إذا دعا الداعي
إلى التعبئة، وإعداد العدة لحماية الوطن من الأعداء. وسائر قوى الشعب يجب أن تكون واحدة لنظام معين، تسير عليه مجبرة إذا اقتضى الحال
هذه الحقيقة لا جدال فيها. ولكن هل معنى ذلك أن قبول الحرب أو الدخول فيها يقضي على الديمقراطية، ويمحو وجودها بحيث يصبح الشعب البريطاني كالشعب الألماني خاضعاً خضوعاَ تاما للدكتاتورية العمياء؟ الجواب لا، بلا شك. فهذه الأمة لا ترجو يوماً من الأيام أن تعمل على رفع مستواها الحربي بتوجيه النقص إلى تلك المميزات التي كانت مصدر قواها وفخارها أيام السلم
إن العقلية الإنكليزية ليست كالعقلية الألمانية. فالألمانيون سواء في الحرب أو السلم لا يكرهون الاستعباد، ويريدون أن يكونوا على الدوام تروساً في الآلة الحكومية التي يديرها الحاكمون ولكنا لا نستطيع أن نستغل الشعب البريطاني إذا حاولنا أن نعامله على هذا النحو من المعاملة. فالإنجليز يفهمون روح
التعاون الرياضي فهم يقادون ولكن لا يساقون. فإذا أردنا أن نفوز في هذه الحرب فلن يكون ذلك بمحاكاة الروح الألمانية. ولكن بالمحافظة على روحنا الخاصة، وتنمية فضائلنا المتأصلة وإذكاء روح الحرية وتوجيهها ضد قوى الاستعباد
إن الحرب تجابهنا مرة واحدة بنقائض الديمقراطية جميعاً وهي في أشد أحوالها. فالحالة تقضي بأن يساس أبناء الأمة بشيء من القوة، ولكن دون أن يفقدوا هم سياسة أنفسهم. ولحل هذه المشكلة لجأت الحكومة إلى وجهتين: الأولى هي الاحتفاظ بالحياة النيابية كاملة، وإعطاء الأعضاء الحرية التامة في مناقشة كل شيء. والثانية: حرية الصحافة، ولم يسيء البرلمان ولا الصحافة استعمال هذه الحرية. بل لقد كان الأمر على نقيض ذلك، فقد ظهر كل منهما - وعلى الأخص مجلس العموم - عزمه الصحيح على توحيد الرأي، والعمل على محو كل اختلاف، وقبول كل تضحية في سبيل المصلحة العامة.

