في جلسة مجلس النواب التي نظرت فيها ميزانية وزارة الشئون الاجتماعية وقف النائب المحترم عبد الفتاح عزام ليقول
إننا في حاجة إلى حماية أخلاق أبنائنا وبناتنا مما تحمله إليهم الإذاعة في بيوتهم من عبارات جارحة من ( ياحبيبي » و « ياروحي» ويجب أن تحذف اعتماد الإذاعة ، ما لم تكف عن هذا الذي تذيعه ولا نستطيع حماية بيوتنا منه ... ؟
ووقف معالي وزير الشئون الاجتماعية ليقول : إن في كلام حضرة النائب المحترم مبالغة ، وإن هذا الذى يشكو منه له نظائره في بلاد العالم المتعدين
أما أنا فأكاد أجزم بأن معالي الوزير لا يستمع لكل ما تذيعه محطة الإذاعة ، وإلا لكان رده على النائب المحترم غير هذا الرد . فما يستطيع إنسان سليم الفطرة أن يستمع لهذا الذي يذاع ، ثم لا يدركه شعور الاشمئزاز ، حتى ولو كان لا يقيم وزناً للأخلاق ! وأحب قبل كل شيء أن أقرر أن الأخلاق التي أعنها ليست
هي الأخلاق التقليدية التي يتحدث باسمها بعض الجامدين والتقليديين، والتي لا تتعدى ظواهر السلوك ، وشكليات التقاليد ... إنما أعنى بالأخلاق ذلك الشعور الطبيعي السليم الذي ينفر من التخنث كما نذر من الفحش . وهذا الشعور في أبسط صوره هو الذى يخدشه ما تذيعه محطة الإذاعة المصرية في أغلب الأحيان
والحب الإنساني الرفيع ليس عيباً ، والتعبير عنه ليس عازاً.. ولكن الحب - كما يبدو فى محطة الإذاعة – هو حب التخنث مرة ، وجب التهتك مرة ، وكلاهما ليس هو الحب القطرى السليم الذي يقوم بين الرجل والمرأة لتبني عليه دعائم الحياة
ولعل أشنع بدعة تكثر منها المحطة في الأيام الأخيرة خاصة ، هى الإذاعة من الصالات والإذاعة من الأشرطة السينمائية . وهو تصرف غير مفهوم ، ما لم يكن القصد هو ملاحقة الناس في بيوتهم بما يقال في أوساط وأما كن يعف كل إنسان مهذب عن الذهاب إليها ، ويعف بصفة خاصة أن يسمح لبناته وأهل بيته بمشاهدتها. وكلنا نعرف رواد الصالات ، ونعرف ما يجري داخل هذه الصالات... نعرف أن جماعة غير مهذيين يرتادون هذه الأماكن ، وقد استعدوا للسهرة بالخمر كيما تنطلق في أجسادهم أقصى حيوانينها ، وكيما يستثير حيوانيتهم ما سيشاهدونه من اللحم الأخيص في هذه الصالات ... ثم هذا اللحم الرخيص يعرض الى الطاولة حمراء مهيجة على أوضاع لا يرضاها إلا ( الرقيق الأبيض الذى يقتات
من هذه الموائد القذرة ... ثم بيج السعار الحيواني ... يهيجه النور الأحمر، والرقص الخليع، والكلمات المكشوفة ، والحركات الشاعرة ، والتيرات المتخلفة ، ويهيجه الشكر المسرف ، والدم المتنرى في أجسام جائعة ... فينطلق ذلك كله في جو معربد ساخب داعر تشمير له الفطرة السليمة
... ثم تأتى محطة الإذاعة - الإذاعة الحكومية - فتنقل ذلك كله إلى البيوت الطاهرة ... إلى الزوجات الفاضلات ، وإلى العذارى ، ونحب أن نقول للمحطة : ( إنه لا يزال هناك عذارى ولو قليلات ... ! ) وإلى الصبية والأطفال والمراهقين ، وإلى جميع أولئك الذين عضوا عن مشاهدة هذا الفحش الداعر في مكانه ، فانتقل إليهم في بيوتهم ، وتور الجدران عليهم ، لا لذنب جنوه إلا أنهم يقتنون جهازاً للاستقبال ، وأن محطة الإذاعة الحكومية تريد لهم هذا الفحش الذى يفرون منه ، فيلاحقهم إلى البيوت ! فأما الأشرطة السينمائية ، فلا تستطيع الحديث عنها ، فأصحابها يملكون من السلطة في الدوائر الرسمية ما يسمح لهم بأن يخرجوا لنا ألسنهم إذا نحن حاولنا مقاومة الفساد النفسي والخلق الذي يشونه فيها ، من ذلك الغزل المخنث ينطرى به رجل رفيع في أغانيه ، أو ذلك الفحش الواطى تتخلع به امرأة هلوك في نبراتها ... ثم يدعون ذلك حباً ... !
وإنه لحب ، ولكنه ليس حب الرجل السليم الفطرة للمرأة السليمة الطبح ... هو حب المخنثين والسواقط من الرجال والنساء . ذلك الحب الذي تعرفه المواخير ولا تعرفه البيوت ، بل لا تعرفه الشوارع ذات الهواء الطلق . فما يتم حب من هذا الذي تعرضه الأفلام في الهواء الطلق ... إنما يتم في جو راكد حيس ينشيه دخان النرجيلة ، وسرحان الأفيون في ماخور ....
ومع هذا كله ، فنحن لا نطمع فى أن تراقب هذه الاشرطة قبل إخراجها ، ليحذف منها ما يخدش الطبع السليم ، حتى لا نصور الحب - وهو عامل البناء والخلق فى هذه الحياة - تلك الصورة المريضة المتخاذلة الرخوة الرقيعة
لا نطمع في هذا لأننا تعرف مدى نفوذ أصحاب هذه الأشرطة في الدوائر الرسمية وغير الرسمية ! ولكننا نطمع على الأقل في أن تصان أسماع البقية القليلة الباقية في البيوت من العذاري والسيدات
عن أن تلوث وتخدش بالأغانى المائعة المهابطة الداعرة المخنثة ، يتطرى بها رجل رقيع ، أو تتخلع بها امرأة هلوك ... وذلك أبسط مظاهر الحماية لمن يعقون عن مشاهدة هذه الأفلام واستماع هذه الأغانى ، فإذا بها تسور عليهم الجدران خليعة ماجنة مخنثة ، فى حين لا يملكون لأنفسهم منها حماية ، لأنهم إن أغلقوا جهازهم الخاص حملها إليهم أجهزة الجيران ! !
وكل ما يحتج به مروجو هذا « الأفيون » الخطر الذي يقتل في الشعب كل شعور فطرى سليم ، ويحيله جماعة من غنى الشبان ، و مبتذلات الفتيات ، وداعرات النساء .... كل ما يحتج به تجاز هذه المخدرات » أن الشعب يقبل عليها ، فهي إذن تلبي رغباته الحقيقية
الشعب يقبل عليها ... هذا صحيح ، لأن الحيوان الهامج كامن في كل إنسان ، فإذا نحن ظللنا دائماً نهيج سمار هذا الحيوان ، ولم تحاول مرة أن ترتفع به إلى مستوى الآدميين ، فلا بد أن يأتى اليوم الذى لا يبدو فيه إلا هذا السعار
والناس يقبلون على ( الأفيون ، وسائر المخدرات ، ولكن السلطات تكافح الأفيون وسائر المخدرات ... ذلك أن هناك وجلا إنساناً في حكمدارية القاهرة قد آمن بفكرة المكافحة وأصبحت جزءاً من دمه - ( وهو أجنبي ، وأنا لا أستريح لبقاء الأجانب في وظائفنا الكبرى ... ولكن الحق حق ) !
فهل يتاح لمصر من أبناسها رجل يؤمن بخطر مثل هذه الأفلام والأغانى التى تأكل نفوس الشعب أكلا، وتعبد فطرته الإنسانية، بل تفسد فطرته الحيوانية ، حين تصور له الحب في ذلك المظهر المترهل اللمم ؟
هل يتاح لمصر ذلك الرجل الذي لا تخدعه كلمات « المتمدين ) عن الشعور الفطرى السليم ، والذي يرصد لمكافحة هذا « الأفيون » الخطر جهده وقواه ؟
على أية حال هذه أمنية لا تخدع أنفسنا بتحقيقها ، ولكننا نقنع فقط بأن نطلب لأنفسنا الحماية من محطة الإذاعة الحكومية على النحو الذي اقترحه النائب المحترم ، أو على نحو سواه وهذا الذي نطلبه هو أضعف الإيمان !

