الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 635 الرجوع إلى "الثقافة"

لباب الحياة

Share

ليست حياة الحي ظرف زمان ولا ظرف مكان . بل تحقيق ذات ، وإبلاغ رسالة من عالم الغيب إلى عالم الشهادة . .

الحياة إيمان بالنفس والوجود لا يتطرق إليه الشك ، وحبه لما كان وما سيكون لا يشوبه فتور ، وانفجار كل القوى الكامنة في البقية كي تنطلق في عملها الذي خلقت له دون توقف ولو لم تكن الغاية ظاهرة حتى تبلغ أجلها فيدركها الفناء أو ترتد إلى مخرجها من الوجود ، ثم تنفجر ثانية على نحو جديد ، وهكذا دواليك إلى أبد الآبدين .

والإيمان وظيفة الذات ، والصلة التي تربطها بسائر الوجود ، والحافظ لها من التهافت ، وهو منبع الحب الغامر ، ومطلق القوى وموجهها حيث ينبغي الاتجاه .

فمن فقد الإيمان فقد خسر نفسه ، وابقت ما بينه وبين الوجود ، وذلك هو الخسران المبين .

ومن فقد الثقة بنفسه وبالوجود عن طريق الإيمان الصحيح لم يجد بدا من الانتحار أو نقص الثقة عن طريق الإيمان الزائف ؛ فبحث عن نفسه الضائعة فيما هو خارج عنه لا في سريرته ، ويحاول أن يقتني ويتملك ما يؤمنه محاوفه أو يلهيه عن أشجانه ، ويؤسس لنفسه سلطانا خارج مملكة نفسه لأنه خاب في التسلط على هذه الملكة التي خلقت له وحده ، ويعمل على التحكم في الناس ، لانه عاجز عن التماس القوة في الهيمنة على نفسه ، ويشجن الثراء في يدء من الناس لشدة إحساسه بلعنة الفقر والخواء في خزائن سريرته ، وهو في كل ذلك يهيم على وجهه كالمجنون لا يفلت من خيبة حتى يقع في خيبة .

وما مثله إلا مثل من ألحث عليه المخاوف والأشجان . فألف السكر وأدمن عليه . فهو يحب الشراب الحاد حتى يغيب عن وعيه كي ينسى مخاوفه وأشجانه فهو عاكف على الخمر دائما كي ينقع غلته ويطفئ ظمأه ، فلا يزيده شربها إلا إحساساً باحتراق كبده واضطرام جوفه دون أن يؤمن

ذلك من خوف ، أو يزيل عنه شجا ، أو يبرد له لوعة ، وهو لا يحب أن يفيق لأن الإفاقة تثير لواهج همومه ، وتشعل السعير في أحشائه ، فهو يتداوى من الشقاء بالشقاء . وهو من دائه ودوائه في حلقة مفرغة ،

وهذه هي الحال للسيطرة على نفوس أكثر الناس ، فيندفعون من أجل طمأنة أنفسهم والاندهال عن آلامهم إلى طلب المال أو السلطان أو الجاه أو الألقاب أو النساء ويرتكبون في سبيل ذلك من الحماقات ، ويسومون نفوسهم ألوانا من الذل ، ويقترفون من الآثام ما لا تعد الحظوة بكل ما يحصلون عليه بل الحظوة بكل ما يريدون أن يحصلوا عليه إلا شيئاً نافهاً حقيراً إلى جانبه .

هم يطلبون الثقة بأنفسهم في التملك والتسلط ، وبغفلون عن أن الثقة بالنفس لا يمكن أن تتحقق للإنسان مهما كثرت ممتلكاته وامتد سلطانه ، وإنما مناطها القلب المطمئن بالإيمان ، فما لم يكن القلب مؤمناً فلا ثقة بشىء ، ولا كفاية في شئ . وإذا توفر الإيمان فلا حاجة بالإنسان إلى الأمن ولا السعادة ، لانذهال الإنسان عن كل ما يهدده بتحقيق ذاته . ولأن أمنه وسعادته منوطان بتحقيق ذاته لا بما حوله .

إن خزائن النفس الإنسانية لتعج بالقناطير المقنطرة من نفس المعادن والاحجار الكريمة ، فما حاجته إلى فلذة من الحديد صدئة متآكلة ، أو حصاة من الطين قذرة تافهة بضمها إلى تلك الحزائن ؟ .

وما لهذه الخزائن تبقى مطمورة في ظلمات النفس لا يراها الإنسان ولا ينفق منها شيئا ، ولا يزال يحس بالفقر والضمة والعجز حتى يموت ، فتدفن معه في التراب إلى غير رجعة . دون أن ينتفع أو ينفع غيره شئ منها ؟ " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " ؟ .

إن أهون عمل يدوي ساعة يكفل للإنسان حاجات بدنه يوماً كاملاً . فما استغراق الإنسان يومه كله طوال

عمره في الكدح من أجل حاجات بدنه ، وما مغالاته فى هذه الحاجات واستزادته من مشاغله . على حين أن بقاءه ونعيمة لا يتوقف على أكثر من ضفث من نبات الأرض ، وغرفة من مائها ، وخرفة تستر ما ينبغي ستره ، وبضعة أشبار من الأرض يسكن إليها كلما احتاج إلى السكون ، ثم انصراف تام إلى ما في نفسه من قوى كامنة يثيرها ويهذبها ويستشعر بها جمال حياته وجمال الطبيعة والوجود كله داخله وخارجه عن طريق التجربة العملية والتأمل الذاتي ، ثم يبذل من هذه القوى لمن يحتاج إليها من الأحياء .

ولا بد من التجربة العملية لأن الاقتصار على التأمل الذاتي يزج بالمرء في آفاق لا صلة بينها وبينه ، ويستفد طاقته فيما لا عائدة عليه منه ، ويحول بينه وبين معرفة نفسه وحدوده . فلا يلبث أن ينداح وتتبعثر قواه . وبعثانه ذلك عن التقدم ، ويكون مثله مثل النهر الذي فقد شواطئه فتفيض مياهه على جانبه . وتبددد في قار لا تحفظ ماء ولا تنبت نباتا .

بيد أن الاقتصار على التجربة العملية دون التأمل الذاتي من شأنه أن يصيب قوى الإنسان بالتبلد والجمود والاعصار في اتجاه قد لا يكون خير الاتجاهات ولا أنسبها له . فقد لا يتيح هذا الاتجاه النشاط لكل القوى ، والبروز لكل الاستعدادات ، وقد يتيح النشاط لأدنى القوى لا أعظمها . والبروز لأصغر الاستعدادات دون اكبرها . والملاحظ أن وعي الإنسان مع تعدد ملكاته واختلافها وحدة حية ، وأن تعطل النشاط في جانب منها قد يعطل جانبا آخر عاملا ، أو يحد من قدرته على العمل ، فخير أعمال الإنسان ما استجاش فيه ملكاته جميعها : كل ملكة على حسب طاقتها ، وما أتاح لاستعداداته جميعها أن تبرز : كل استعداد على حسب طاقته .

فمحاولة تحقيق الذات من طريق التأمل الصوفي البحث فحسب محاولة خيالية عقيمة .

ومحاولة تحقيقها عن طريق العمل الكادح دون تفهم الوسائل والغايات والقوى محاولة حيوانية عقيمة .

فللتأمل الذاتي أخطاره ، ولا منجى من هذه الأخطار إلا معاناة التجارب العملية .

وللتجارب العملية جناياتها على الذات ، ولا أمان للذات

من شرها إلا بالتأمل الذاتي .

والإنسان وهو ماض في تحقيق ذاته شاعر بها مدرك لها لا يأبه بما في أيدى الناس ، لأنه غني أو مهموم بما عنده غافل عما في أيدي الناس . وما حاجته إلى ما عندهم ولديه من الثراء أو المشاغل ما يكفيه ويكفي عشرة مثله ولو عاش وعاشوا أضعاف أعمارهم المحدودة .

ومن أجل هذا دعوتنا إلى الأنانية الكاملة ، وانصراف كل إنسان إلى تحقيق ذاته ؛ فما الحياة ظرف مكان ولا ظرف زمان ، بل ذات تتحقق فمن لم حقق ذاته لم يحيى ولو ملك الوجود كله ملكا سرمديا من أبد الآباد إلى أزل الأزال .

ليست هذه الدعوة دعوة إلى حياة الغاب ، ولا هي نكسة إلى الهمحبة وحنين إلي الوحشية ، ولا هي دعوة إلى الزهد والتقشف والقناعة والتفاهة .

إنما هي دعوة إلى الحياة الصحيحة كما يجب أن تكون وكما أراد الله لها أن تكون حين جعل آدم في الأرض خليفة ووكل إليه وإلى ذريته عمرانها .

إننا لندعو إلى إطلاق القوى المقاولة في السرائر الإنسانية لا إلى غلها . وتفتيح الشهوات والأطماع فيها لا إلى إغلاقها ونبش الكنوز المطمورة لا إلى دفنها .

لينطلق كل إنسان بكل ما فيه من قوة ، وليطمع ما وسعهه الطمع ، وليجاهد ما استطاع الجهاد ، وليرض شهوات نفسه ما أمكنه رضاها ، فإن ذاته لا تتحقق إلا بتكشف كل قوة فيه . وتسخيرها فيما خلقت له .

إن للبدن حقه . وله حاجاته ، ولا بد له من أداء هذا الحق وسد هذه الحاجات ، وإلا نفق أو اعتل وجر الفساد على كل ما أنيط به من قوى الروح .

ولكن تدليل البدن ، والاسترادة له من الحاجات التي لا تدعو إليها طبيعته ضرورة ، وإطلاق الحرية له كي يستبد كل الاستبداد ، ويبسط سلطانه على كل حياة الإنسان - هو ذرة الهمجية ، بل هو الحيوانية في أحط صورها .

ليكن كل إنسان أنانيا بأوسع معاني الأنانية ، ولن يكون أنانيا حقا إلا إذا انكشفت منه كل العناصر التي تتركب منها " أنا " فيه ، وليس بدنه إلا أدنى هذه العناصر وأضعفها قوة وشهوة وطاقة .

والتزام كل إنسان هذا النهج هو الذي يكفل له صيانة

فضائله ، وهو مؤد حتما إلى اتساع الاختلاف بين فضائل كل إنسان ومن عداء ، ولكنه مؤد حتما كذلك ويسبب ذلك إلى التقريب بين كل إنسان ومن عداء ، وتقليل الخلافات بينه وبينه على أمراض الدنيا ، لان كل إنسان سيرى أن مجال نشاطه هو نفسه ، وأن ما يطمع فيه إنما هو في يديه لا في أيدي الناس ، وأن حقوقه وواجباته مستمدة من نفسه لا من شرائع الناس .

قبل المسيح كان اليهود يترقبون " ملكوت الله " في حادث من الحوادث الكونية الكبرى أو الصغرى . فلما جاءهم وبشرهم بملكوت الله وتردد ذكره إياه في أحاديثه وخطبه سئل عنه وعن موعده ، فبشرهم بأنه " لا يأتي على موعد منتظر ، ولا يقولون هاهو ذا هنا أو هاهو ذلك هناك ، لأن ملكوت الله فيكم " .

وأخبرهم أن سريرة الإنسان مناط الخير والحق والفضيلة والقوة " وماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه وماذا يعطي الإنسان فداء نفسه ؟ "

وإن سريرة الإنسان مناط حياته " فليست حياته من أمواله " و " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة من كلمات الله " .

وإن السريرة هي مناط الإيمان ، وليس مناطه القراءات والقيام بشعائر العبادة وظواهر الأعمال فكان قوله لهم : " نقوا الكأس من داخلها لكي يكون ظاهرها نقياً ".

ولما سأله سائل عن عظمى الوصايا العشر في الناموس قال له : " تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ، هذه هي الوصية الأولى والعظمى . والثانية مثلها : تحب قريبك كنفسك . بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء " .

فلا صادق إلا ما نبع من السريرة ، وكل ما لم ينبع منها فهو زيف وخداع .

وقد وقحهم إذ رأى منهم تهافتاً على طلب المال وتحصيل وسائل المعاش ، ونسب ذلك إلى عدم الثقة بالله ؛ والشك لا منشأ إلا فساد السريرة ونقص ملكاتها . " لا يقدر أحد أن يخدم سيدين ، لأنه إما أن يبغض أحدهما ويحب الآخر ، وإما أن يلازم أحدهما ويترك الآخر . إنكم

لا تقدرون أن تخدموا الله والمال ، لذلك أقول لكم : لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وما تشربون . ولا لأجسادكم بما تلبسون . أليست الحياة أفضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس ؟ تأملوا طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع في مخازن . وأبوكم السماوي يقوتها . ألستم أنتم أحرى بالتفضيل عنها ؟ من منكم إذا اهتم يقدر ان يزيد على قامته ذراعاً واحدة ؟ ولماذا تهتمون باللباس ؟ تأملوا رنابق الحقل كيف تنمو وهي لا تتعب ولا تغزل ؟ ولكن أقول لكم : إنه حتى سليمان في كل مجده لم يكن يلبس كواحدة منها ؟ فإذا كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غداً في التنور يلبسه الله هكذا . أفليس الأحرى أن يلبسكم أيضاً يا قليلي الإيمان ؟ فلا تهتموا قائلين : ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس ؟ فكل هذه الأشياء تبحث عنها الأمم ، لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها . لكن اطلبوا اولا ملكوت الله وبره ، وهذه كلها تزاد لكم . فلا تهتموا للغد ، لأن الغد يهتم بما لنفسه ، ويكفي اليوم شره " .

وصدقت الآية الكريمة : " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " . والآية : " وفي السماء رزقكم وما توعدون ".

و " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا . المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملا . قل هل نتبئكم بالأخسرين أعمالا . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " . و " إذا سألك عبادي عني فإني قريب ، أجيب دعوة الداع إذا دعان " وصدق الأثر السكريم : " حفت النار بالشهوات ، وحفت الجنة بالمكار " .

فإذا ما عرفت نفسك وملكها وغنيت بها ، فحذار أن يتملكك شيطان الغرور بفضل الله ، فتدعي كما ادعى ذلك المجنون القديم الحلاج ، وتنافق كما نافق . وتهذي كما هذى : " ما في الجنة إلا الله " فالؤمن لا يعرف الادعاء وقلبه لا يحسن النفاق . ولسانه لا يهذي بالأهواء ، وإلا كان القتل جزاءك كما كان جزاءه ، وإنه لأهل له . حقق ذاتك . ولتكن أنت .

اشترك في نشرتنا البريدية