مقدمة العلم هو الذى وصل بالعالم إلى ما هو عليه اليوم، فهو الذى ابتكر كل أداة فى الحياة العصرية؛ ولكن العلم الذى نركن إليه فى كل وسائل راحتنا ومتعنا ليس بالقوة الجامدة النائية التى تعمل عملها بيننا وهى عن نفوسنا بمعزل. إنما العلم معرفة إنسانية أفادها فى بطئ، واحتمل فى سبيلها الآلام رجال مثلنا وقد استخدموها لصالح النوع الإنساني
وهذا الكتاب يقدمنا إلى زعماء النهضات العلمية الذين خلفوا الدنيا الحاضرة. وفى الأقاصيص التى تضمنها هذا الكتاب نراهم فى أسمى اللحظات التى أدوا فيها مهماتهم، وقد تضمنت كل العصور لحظات هى التى نسج منها التاريخ. وإنه ليبدو لنا أحد هذه المخترعات كأنه بداية لعهد جديد فى حياة الإنسان مع أنه كان فى العصر الذى وجد فيه يكاد لا يكون موضعاً للملاحظة إلا من القليلين البعيدى النظر الذين أنجزوه
ومن أمثلة الكشوف التى غيرت اتجاه العالم اختراع آلة الطباعة والآلات المتحركة بذاتها وآلات التخاطب على مسافات متباعدة سواء منها السلكى واللاسلكى. ووراء كل كشف من هذه الكشوف رجل أو طائفة من الرجال ميزتهم الجرأة أو المخاطرة والمهارة وحب الإفادة. وفى الصفحات التالية سير رجال ألفنا سماع أسماء بعضهم؛ والبعض لما نألفه، ولكننا مدينون لهم جميعاً بدين ضخم. وسنرى سيرهم فى لحظات انتصارهم المثيرة. نحن جميعاً نعبأ بأنفسنا وبعالمنا. وكل مجموعة من السير تتعقب آثار الفكر الإنساني فى أحد اتجاهاته فإنما يراد بها إشباع حياتنا العصرية بمجهود ذلك الفكر، وفى كل تريب موفق لكل مجموعة
من هذه السير ما يمكننا من الإفادة منها. فاستكشاف النار مثلاً يبدو لنا أقل استغراقاً فى الغابر عندما نتبين أننا لا نزال نعيش فى عصر النار وإن كان بيننا من يتنبأ بأن أبناءنا وأحفادنا سيعيشون فى (عصر الكهرباء) الذى بزغ فجره الآن
لقد اخترع أهل العصور الأولى العجلة، واخترع الرجل العصرى الآلة التى تدير عجلات العالم، واستكشف كيف يستعمل الوقود وقوة الماء والكهرباء فى تسيير هذه الآلة
لقد كان الرجل يريد دائماً أن يطير ولكن الآلة التى يديرها النفط هى التى جعلت هذه الرغبة فى حيز الإمكان
ولقد كان الزمان والمكان مشكلتين أمام أهل العصور الأولى، فكان الإنسان مضطراً إلى لزوم دنيا مزدحمة ضيقة هى دنيا وجوده الحاضر، فتمكن من السيطرة على اعتبار المكان بواسطة الكتابة والطباعة والتصوير الشمسى والآلة الناطقة، وتمكن من السيطرة على اعتبار الزمان بواسطة الساعة والمنظار المقرب وآلة البرقية والمسرة واللاسلكية والآلة البخارية والسيارة، وتمكن بواسطة الطيارة من انتصارات جديدة على اعتبارى الزمان والمكان يجد الصغار من البنين والبنات أنفسهم فى هذه الدنيا العجيبة ويتوقون إلى استئناف النصر فيها ويطيبهم منها كل ما كان فى الإمكان، فمما يساعدهم على تفهم الدنيا أن يعرفوا كيف شيد بناء المدنية الحديثة
وإن دراسة زعماء النهضات وتقدير ما نحن مدينون به لهؤلاء الزعماء بمثابة تقديم الشكر على الصنوف التى نتناولها من صنع أيديهم
وفى تلك الدراسة وفى ذلك التقدير ما يجعل الشبان أكثر زهواً بتراثهم الإنسانى عندما يتبينون أن معارك العالم قد خاضها فى كل العصور رجال ونساء مثلنا
وعندما يسطع على لوحة إدراكهم وميض اللحظات العظيمة فى حياة العلم سيرون لمحات لا من الماضى والحاضر فحسب، بل من اللحظات العظمى فى حياة الإنسان، لحظات الإلهام التى استمتع بها المخترعون والمستكشفون فكانت إيذاناً من الله بظهور هذه الاختراعات وتلك الاستكشافات

