قصة العجلة أبونا النيل - الريح والتيار
كان الإنسان الهمجي لا يضع على جسده ستراً سوى جلد الحيوان، وكان إما دافعاً صخرة أكبر من أن يستطيع حملها وإما حاملاً عبئاً ينوء بحمله - هذه أول صورة نتخيلها للرجل القديم أثناء مزاولته عمله
ما أضأل وما أعيا ما يبدو لنا الإنسان الأول عندما نتصوره واقفاً بالعراء وليس لماضيه تاريخ يفيد منه وليس له إلا جسمه القوي وإلا مواهبه الذهنية التي عليه أن يقهر بها الدنيا ويخضعها له! وكان لا بد له من قهرها لأنه إذا لم يحصل على الطعام والمأوى والدفء فإنه ميت لا محالة
إن الدنيا حافلة بالكنوز التي فيها وسائل نعمته وراحته. ولكن كيف يستطيع ذلك؟ لم يكن لديه مفتاح تلك الكنوز ولا لديه المرشد لمصادرها، ولا غرابة في أن يكون بطيئاً في الوصول إلى شيء ما وإنما الغرابة في سرعته - على الرغم من قلة التجريب ذهنياً ويدوياً - في الوصول إلى أشياء يقضى بها حاجياته يقف الرجل الهمجي أمام عبء أثقل مما يستطيع حمله كما تصورناه في بداية المقال، وليس لديه من الآلات إلا أجزاء جسمه وليس يستطيع السفر إلا إلى حيث تستطيع قدماه حمله ولا يحمل إلا ما تقوى ذراعاه على رفعه ولا يدفع إلا ما يندفع أمامه. هذه صخرة أمامه وهاهو ذا لا يستطيع أن يحركها
ربما وجد هذا الإنسان القديم غصناً ساقطاً من شجرة فوضع طرفه عند تلك الصخرة ودفعه فوجد الصخرة تتحرك. . . إن حدث ذلك فإن دهشة ستعروه وسيجرب غصناً قصيراً فلا يجد له فائدة وسيجرب غصناً أطول فيجد فائدته أكبر. وإذا صادف وجود صخرة أصغر من الأولى على مقربة منها ووضع الغصن فوقها ووضع طرفها تحت الصخرة الكبيرة فقد يجد أنه يستطيع رفع تلك الصخرة عن موضعها بإحداث ثقل من جسمه على الطرف الآخر من الغصن دون أن يحمَّل عضلاته مشقة الدفع والرفع إن فعل ذلك فإنه يخطو خطوة عظيمة في سبيل الابتعاد عن مستوى الحيوانات التي تعيش معه في نفس الغابة لأنه باستكشافه هذا يكون قد عثر على قانون من قوانين الطبيعة هو نظرية الرافعة التي بواسطتها يمكن استخدام ثقل ضئيل لرفع ثقل أكبر بالضغط على الطرف الآخر
لم يكن ليعرف في ذلك العهد أن هذا قانون من قوانين الطبيعة فقد مضت مئات كثيرة من السنين حتى ظهر العلامة اليوناني أرخميدس وتبين هذه النظرية وما يمكن أن يترتب عليها من النتائج المدهشة فقال: (لا أريد إلا مكاناً آخر أضع عليه الرافعة فيصبح في وسعي تحريك هذه الدنيا
وكانت لحظة عظيمة تلك التي عرف فيها أرخميدس قانون الروافع، ولكن ألم يكن أكبر من هذه اللحظة تلك اللحظة الأخرى التي احتاج فيها الصياد القديم إلى شيء فوق طاقته فصنع رافعة وهو يجهل كنهها من الخشب وحرك بها الثقل
كان هو البشير بالرجل الذي رفع الصخور الضخمة ليبني بها أهرام مصر كما كان هو البشير بمهندس القرن العشرين الذي يرفع القوائم الحديدية إلى قمة ناطحات السحاب وإنما نجح ذلك الرجل لأنه لا يريد أن يفشل في واجب لم يستطيع أداءه، وربما كان العبء الذي أراد الصياد القديم أن يحمله إلى كهفه صندوقاً فيه جثة وحش ليقتات من لحمه، وربما
كان قد أعانه على تحريك هذا الصندوق عمودان من الخشب وضعهما تحته فاستطاع بواسطتهما نقل الصندوق إلى مكان ابعد من الذي يستطيع نقله إليه لو حمله على ظهره
لكن هذا العمود كان في البداية شجرة طويلة غير مشذبة تتدحرج باليد على أرض غير ممهدة، فَنَقْل الصندوق على عمودين من هذا النوع أمر يشق على صياد مُتْعَب. لكن صادف أن كان العمود ناعم الملمس حسن الاستدارة، وكان وضعه تحت الصندوق بشكل حسن، فسهل تحريك الصندوق الذي كان تحريكه صعباً من قبل في تلك العصور المظلمة التي نتخيل حدوث هذه القصَّة فيها كانت توجد كتل من الخشب مستديرة وهي مقطوعة من جذوع الأشجار
وكان في ذلك العهد رجل أذكى من رفاقه، فبعد أن نقل الأثقال على أشجار تتدحرج حتى كاد ظهره أن ينكسر، رأى أن يحفر اثنتين من هاتين الكتل وأن يصل بينهما بعمود يمر بوسط كل منهما لا يكون كجسم الشجرة التي تجر على الأرض. هذا هو أول نوع من أنواع العجلتين ومن المحور الواصل بينهما وبهذه الوسيلة عرف الإنسان قانوناً آخر من قوانين الطبيعة هو نظرية الاحتكاك، والاحتكاك معناه تمرير سطح على سطح. وهذه النظرية تفيد الإنسان من عدة وجوه، وقد كنا ننزلق على الثلج بغير قبقاب (الباتيناج) لولا معرفتنا تلك النظرية
لكن إنسان ما قبل التاريخ كان يستخدم كل قوته ضد قوة الاحتكاك، فكان يوجه جهد عضلاته لجر الأثقال على الأرض، فلما رفع الأثقال عن الأرض استفاد كثيراً ووجد الدحرجة على أشياء مستديرة أسهل من الجر على الأرض، فلما عرف العجلتين المتصلتين بواصل يوضع تحت العبء تضاعف كسبه، فقد أضاف قوة العجلة إلى قوته وطبق نظرية الرافعة مرة أخرى لرفع الثقل عن الأرض حتى لا يجر جسماً مسطحاً على جسم مسطح
وشتان بين تعلم هذه النظريات من كتب الطبيعة بطريق الدرس وبين معرفة الرجل القديم لها واحدة بعد واحدة، معانياً الكثير من الفشل في مقابل القليل من النجاح. وهو في أثناء ذلك يحتال على تخفيف الجهد القاصم للظهور والمستنفد للقوى إننا نجل الذين كان لهم من الحكمة ما ساعدهم على أن يفهموا وأن يستنبطوا القوانين العظيمة التي أقيم عليها بناء هذا العالم
فلا تنسى أن تكرم ذلك المخترع المبتكر الذي كان له من الذكاء ما مكنه من صنع العجلة
