الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 323 الرجوع إلى "الرسالة"

لحظات الإلهام ، في تاريخ العلوم

Share

٢ -  عصر النار

منذ عصور طويلة أدرك الإنسان وجوده في هذه الدنيا.  ومع أنها وطنه ووطن أبنائه وأحفاده إلى مدى أجيال لا عداد لها  فإنه كان غريباً فيها، وكان عليه أن يتعرف على كل شيء بها. وكل طفل يولد في هذه الدنيا يولد غريباً، حتى في داره.  فالوليد يتعرف في بطئ على الحجرة التي يقيم فيها، ثم على الطريق  الذي به مسكنه، وعلى أبيه، وأمه، واخوته، وأخواته؛ ويتبين  فيما بعد أنه يستطيع المشي، وأنه يستطيع الكلام!

وفي يوم ما ينتقل من هذا العالم الصغير عالم الدار إلى المدرسة  فيجد دنيا أوسع من التي عرفها من قبل. وربما سافر بعد ذلك  فعرف عن دنياه أكثر وأكثر

ومهما يؤد المرء من عمل فإن غيره قد هيأ له سبيله فسهل  عليه تناوله، فعندما يتقدم الصغير في السن ويريد أن يشيد لنفسه  منزلاً فإنه لا يحتاج إلى تعلم صناعة ابتناء المنازل فإن تلك الصناعة  معدة متهيئة لما يقع عليه اختياره، وليس على من يريد التخاطب  بالمسرة أن يخترعها، بل يدعو الأخصائيين فيضعون الأسلاك  في منزله. وتنقل إليه الصحف واللاسلكية والصور المتحركة  أخبار العالم وتخبره الكتب عن جغرافيته وتاريخه ويتهيأ العالم  بسائر الوسائل العلمية

ومن بواعث السرور لنا نحن الذين وجدنا حياتنا مريحة ميسرة  ممتعة أن نتعرف على الرجال والنساء اللذين هياوا لنا العالم هذه التهيئة

إنهم أناس عاشوا في هذه الدنيا قبل أن نوجد بها، وعاشوا  فيها في عصور بعيدة مظلمة. وليس في وسعنا أن نعرف شيئاً عن  فريق منهم إلا بواسطة ما تركوه لنا من الأشياء كالأسلحة  الحجرية والنقوش المرسومة على الكهوف ومعابد الآلهة. ومن  هؤلاء الرجال فريق آخر عاش في عصر الأقاصيص والسير حين  كانت أعمال الإنسان تنقل أخبارها إلى بقاع الأرض بالحديث  الشائع الذي لا يدرون كتابته

ومنهم فريق ثالث عاش في بداية العصر التاريخي، وفريق  عاش في القرون الوسطى، وآخر عاش في بضع المئين الأخيرة من  السنين، ولا يزال فريق غير هؤلاء يعيش بين ظهرانينا إلى الآن لم يصل إلى الناس أي جزء من المعرفة إلا بواسطة استكشافه  على يد إنسان. وقد كانت الأرض التي وجد الإنسان الأسبق  نفسه فوق ظهرها حافلة بالكنوز كما هي اليوم، ولكنه لم يستطع  استكشاف كنوزها لنفسه فلم تفض إليه بأسرارها، وكان عليه  أن يتعلم إيقاد النار وإذابة الحديد الواشج بالصخور، وكان عليه  أن يعرف مقاييس الزمن وأن يستخدم البوصلة في تسيير السفن،  وكان البخار والكهرباء ينتظران استكشافهما على يده، والفحم  والنفط لا يزالان مدفونين في باطن الأرض قبل أن يستخدمهما  في إدارة الآلات

وكان إنسان العصور السابقة يستطيع لكل هذه العناصر  أن يأتي بالعجائب ولكن كان لابد له قبل ذلك أن يستكشفها،  وأن يعرف مزاياها.

وبسبب الحذق الذي أبداه الإنسان في أعماله أصبح اليوم  غير غريب عن دنياه، وليس ذلك فقط، ولكنه أصبح السيد  المنتصر في الدنيا

لقد اجتاب على مدى قرون طريقاً طويلاً جبلياً فأصبح هذا  الطريق مهيعه إلى النصر

وكما أنه لابد أن يوجد دائماً رجل مشغوف بالمخاطر منتج  من شأنه أن يضيف جزءاً من المعرفة إلى كنوز المعرفة وإلى الذهن  الإنساني، فكذلك توجد دائماً لحظة في حياة كل رجل من هؤلاء  الرجال هي التي يتبين فيها حقيقة جديدة تدفع إلى عمل شيء يجعله  ويجعل جيرته أحكم أو أرغد أو أغنى أو أسعد. هذه هي اللحظات  التي تدور حولها قصصنا هذه

إن العلم معرفة من المعارف الإنسانية وقد نمت المعرفة الإنسانية  بما في الأنفس من نزعات وثابة جوالة جوابة، ومثل اللحظات  العظيمة في حياة العلم على مدى العصور كمثل لحظات الإلهام والنصر  في حياة الفرد، وفي هذه اللحظات يظهر الإنسان وهو المخلوق  الذي ميزته الروح والعقل بمظهر الانتصار على دنيا المادة

اشترك في نشرتنا البريدية